إنتهت مرحلة التصويت، وفرز معظم نتائجها –بتزويرها و فبركتها- ولكن المعركة الإنتخابية، و الجدل الذى أثير حول طبيعتها و مسارها، و حقيقة ما حصل أثناء ذلك المسار، سوف يستمر لفترة طويلة من الزمن لا يدرى، سوى الله سبحانه و تعالى، ما ستؤول إليه نتائجه النهائية، بإعتبارها أكبر مهزلة إنتخابية لم يشهد السودان مثيل لها منذ أن نال إستقلاله، و حتى وقتنا الراهن !!

 كنا قد أشرنا فى مقالات عديدة سابقة الى أهمية هذه الإنتخابات بالنسبة للمؤتمر الوطني، بل يمكن إعتبارها، فى حقيقة الأمر، مسألة حياة أو موت بالنسبة للكثيرين من قياداته، المطلوبين للعدالة داخليا و خارجيا، حيث أنهم يبحثون بأي ثمن عن شرعية إفتقدوها لفترة تزيد على العقدين من الزمان، ليواجهوا بها عاتيات المستقبل. فلو ظن قادة الإنقاذ بأن وجودهم على سدة الحكم، و داخل ردهات القصر الجمهوري، و على رأس الأجهزة الدستورية و التنفيذية فى البلاد، سيقيهم شر تلك العاتيات، فإنهم قطعا لواهمون.

  ما نود تأكيده، فى هذا المقام، هو أن تلك العاتيات  حتما ستأتيهم، حتى لو كانوا فى عقر دارهم، ناهيك عن أن يكونوا فى قصور السلطة و التمكين. فالمآسي و الجرائم التى إرتكبوها فى حق الشعب و الوطن لن تسقط بالتقادم. إذن عليهم أن يفهموا بأن ما قاموا به من تزوير فاضح لإرادة الشعب، فوق أنه مخالف للدين و الأخلاق و التقاليد و الأعراف السياسية السودانية، لن يحميهم من مواجهة القضاء، و هو أحد أهدافهم الرئيسية من التزوير. و سوف ينالوا جراء ذلك جزاءهم العادل ، بإذنه تعالى، فى الدنيا و الآخرة، لأن شهادة الزور تعتبر من أم الكبائر ،و بإعتبار أن تزوير الإنتخابات ليس سوى جريمة أخرى تضاف الى سجل جرائمهم، التى يستحقون العقاب المناسب عليها.

يمكن النظر الى هذه الإنتخابات على إعتبارها ثلاثية الأضلاع. ضلعها الأول يتمثل فى المؤتمر الوطني، و الثاني تمثله الحركة الشعبية لتحرير السودان. أما الضلع الثالث فتشكله الإدارة الأمريكية. ربما يستغرب البعض، و يتساءل البعض الآخر، عن طبيعة أضلاع هذا المثلث، و طبيعة الوشائج و الصلات التى تربط فيما بينها، والأهداف التى يرمي اليها كل طرف، و ما يسعى لتحقيقه من ورائها، حتى و إن جاءت بنتائج مزورة، كاملة الدسم فى تزويرها ! وهذا بالضبط ما سنستعرضه من خلال هذا المقال.

سنبدأ بالمؤتمر الوطني، الذى أشرف على ولادة هذا الجنين المشوه، منذ أن حمل به سفاحا فى نيفاشا، فى صفقة شكلت أضلاع المثلث المشار إليه لحمتها و سداها، بعيدا عن أعين بقية القوى السياسية الوطنية، و التى تم إستبعادها تماما عن تلك الصفقة، و بإصرار عجيب من جميع أطرافها، و بالأخص من المؤتمر الوطني. تبع إتفاقية نيفاشا، التى كان قيام الإنتخابات/المهزلة أحد إستحقاقاتها، الإعداد الى إجرائها منذ وقت مبكر بإجراء التعداد السكاني، الذى أشرف المؤتمر الوطني على جميع مراحل إعداده، ثم أعلن نتائجه، التى رفضتها الحركة الشعبية فى حينها، و إتهمت المؤتمر الوطني بتزويرها. ثم أعقب ذلك إعداد قانون الإنتخابات، الذى يعتبر أسوأ قانون إنتخابي فى تاريخ البلاد، و رفعت فى شأنه المذكرات من مختلف القوى السياسية، التى لم يعرها المؤتمر الوطنى أى إعتبار، بما فى ذلك مذكرات الحركة الشعبية. ثم تلى ذلك توزيع الدوائر الجغرافية، و التى أوضحت ، بما لا يدع مجالا للشك سوء نوايا المؤتمر الوطنى، و إصراره المسبق على فبركة و تزوير الإنتخابات، و إلا كيف نفسر "غلوتية" دوائر محلية هيا التى أتت أكثر من دوائر مدينة بورتسودان !؟ ثم تلى ذلك إعداد السجل الإنتخابي الذى تم داخل ردهات المؤتمر الوطنى، و فى مبانى وحدة السدود، كما أكد ذلك السيد مبارك المهدى، متبوعا بتكوين المفوضية القومية للإنتخابات و التى أتت بعناصر شمولية خالصة، لا يشوبها أدنى شائبة فى ولائها و إخلاصها لنظام الإنقاذ، لتشرف على إجراء العملية الإنتخابية، و إعلان نتائجها. لم تقصر المفوضية فى تنفيذ التكليف الذى أمرت به، حتى أضحت "فيديوهات" مساخر تزويرها للإنتخابات تنافس أفضل أفلام جيمس بوند مشاهدة على "اليو تيوب"... فتأمل!!

إذن ما هو الهدف الأساسي الذى يسعى له المؤتمر الوطنى من وراء إجراء هذه الإنتخابات، حتى و إن تطلب ذلك تزوير نتائجها، أو بمعنى آخر المخالفة الصريحة لتعاليم الدين الإسلامى الحنيف، التى يتغنى بها صباح مساء، مرتكبا لواحدة من أمهات الكابئر، ألا وهى الشهادة بالزور. هذا الهدف يتمثل فى إستمراره " الكنكشة" فى السلطة السياسية و السيطرة على موارد البلاد ليستمر فى صرفها على عضويته، و مؤيديه، و مريديه، و المؤلفة قلوبهم، ليضمن بذلك ولاءهم التام، و ليقف أمام العالم، متبجحا كعادته، و معلنا بأنه نظام شرعي، منتخب من الشعب، و من يريد مواجهة رئيسه، أو أيا من أفراد حكومته، بأى تهم جنائية، بما فى ذلك التهم الموجهة إليه من قبل المحكمة الجنائية الدولية، فإنه إنما يوجهها للشعب السوداني بأسره. و أن من يود أن يمس رئيسه بأي سوء، فإنه بذلك يكون قد مس السيادة الوطنية، ممثلة فى رمزها، رأس الدولة، المنتخب من قبل الشعب، فى إنتخابات "حرة و نزيهة" ! ثم ماذا بعد كل هذا "المولد" و الصخب؟

أنظروا الى الآلة الإعلامية للمؤتمر الوطني، و بتركيز شديد على القناة التلفزيونية "الوطنية"، على إعتبار أن القنوات الأخري قد تم إستئجارها من المؤتمر الوطني أثناء الحملة الإنتخابية، كما جاء على لسان أحد قادتهم، فى مسرحية سمجة و سيئة الإخراج، كما عودونا على ذلك دائما، لتكتشفوا خطوتهم التالية. بدأت القناة السودانية فى بث الأناشيد الوطنية، من قبيل "أمة الأمجاد"، و "وطن الجدود" و غيرها، متبوعة ببعض الصور التاريخية، كصورة رفع علم الإستقلال من قبل رموزنا الوطنية. يتمثل الهدف الأول لكل هذا "اللف و الدوران" فى إعداد الأرضية المناسبة لتفجير قنبلتهم السياسية و المتمثلة فى دعوتهم الى تكوين "حكومة قومية". نعم حكومة قومية!! و لكن لأنه ليس لديهم حتى مجرد الصبر الذى "يبل الآبرى"، فقد أطلقوا هذه الدعوة حتي قبل إعلان نتائج إنتخاباتهم المهزلة، مما يقف دليلا آخر على معرفتهم المسبقة

 بنتائجها المضمونة لصالحهم، و إلا فبأى صفة يدعو المؤتمر الوطني القوى السياسية للإنخراط فى تكوين حكومة قومية وفقا لإنتخابات لا تزال نتائجها فى علم الغيب.... و المؤتر الوطني!!

لكن هدفهم الأسمى يتمثل فى هروبهم المشهود من مسؤولية تحمل نتائج الجرائم و المآسي التى إرتكبوها فى حق الشعب و الوطن طيلة العقدين المنصرمين، سواء كانت تلك المسؤولية جنائية أو أخلاقية، و كذلك ما سيترتب على تلك المآسي من نتائج أخرى قادمة فى المستقبل القريب. هنالك العديد من القضايا و الإشكاليات التى أفرزتها شمولية نظام المؤتمر الوطني، و إنفراده بإتخاذ القرار، حتى فى أخطر القضايا الوطنية. يتمثل أهم تلك الإشكاليات فى أربع هي: إستفتاء تقرير المصير، قضية دارفور، إتهامات المحكمة الجنائي الدولية الموجهة لرئيس النظام،و الأزمة الإقتصادية الخانقة التى تمسك بتلابيبهم.

 كان يتوجب علي نظام الإنقاذ تحمل مسؤوليات تلك الإشكاليات منفردا، لأنه قد إرتكبها منفردا ، و دون حتى مشورة أحد، و لكنه يريد الآن إشراك بقية القوى السياسية فى تحمل نتائجها معه، من خلال إشراكها فى حكومة "قومية"، يمسك فيها المؤتمر الوطني ب "عضم الضهر"، مبقيا بقية القوى السياسية تدور فى فلكه، و ما تجربة حكومات أحزاب التوالى المتعددة ببعيدة عن الأذهان. بمعنى آخر يريد المؤتمر الوطنى الإستمرار وحده فى إتخاذ القرار النهائي و بصورة منفردة فى أخطر القضايا التى ستقرر مصير السودان، كما نعرفه الآن، دون إشراك بقية القوى السياسية مشاركة فعلية و مؤثرة فى إتخاذها، فى ذات الوقت الذى يتعين عليها تحمل مسؤولية نتائجها الأخلاقية و السياسية، من خلال إشراكها فى الحكومة "القومية" المزعومة. بربكم هل رأيتم "فهلوة" و "إستهبال" سياسي أكثر من هذا!؟

إذن قيام الحكومة القومية سوف يحمى المؤتمر الوطني و قياداته من الشرور التي سوف تنتجها تلك الإشكاليات كإنفصال الجنوب، و ما سيترتب على ذلك من مصائب، سواء كان ذلك داخل دولة الجنوب المستقلة، أو بين سكان مناطق التماس، و بالأخص منطقة أبيي، أو ما سينشب من خلافات بين الدولتين المستقلتين، كما دلت على ذلك تجربة الخمس سنوات المنصرمة فى الشراكة الحكومية بينهما. كذلك ستقى الحكومة القومية المؤتمر الوطنى من شرور إستمرار الحرب فى دارفور، و ما يترتب عليها من ملاحقات قضائية دولية لرئيس النظام، و إقتناعهم بأن المخرج الوحيد من تلك الملاحقات هو حل مشكلة إقليم دارفور، التى عجزوا عن حلها بصورة منفردة، منذ إندلاعها فى عام 2003، و لذلك لابد من إشراك بقية القوى السياسية فى حكومة تستطيع من خلالها حل هذه المشكلة. إذن الهدف يتمثل ليس فى حل قضية درافور، بقدر ما يتمثل فى حل قضية رئيس النظام فى المقام الأول. أما بالنسبة للأزمة الإقتصادية، فيتمثل شرها فى أنهم يحتاجون الى القوى السياسية فى حرب البترول التى لا محالة قادمة بينهم و بين الحركة الشعبية فى صراعهم المحتوم حول الموارد النفطية فى الجنوب، بصورة عامة، و منطقة أبيي، على وجه الخصوص،. حتمية حرب الموارد النفطية ستنتج من حقيقة أن سياسات المؤتمر الوطني الإقتصادية قد قضت على الأخضر و اليابس من القطاعات الإنتاجية، و لم يتبقى له من مصدر مالى سوى العوائد من الموارد النفطية. و فى حالة حرمان المؤتمر الوطنى من تلك الموارد، فإن خزينته ستصبح خاوية على عروشها، و سيصيبها الهزال، و بالتالى سوف تصيب عضويته، و المنتفعين من و رائها، هزال مالي، لن يقدروا على تحمله، بعد كل هذا البطر الذى عاشوه، و النعمة التى إنغمسوا فى مياهها الآسنة، و المال الحرام الذى إنتفخت به جيوبهم وخزائنهم.

 يتضح لنا من هذا الواقع المر بأن دعوة المؤتمر الوطني لقيام حكومة "قومية" ليست سوى دعوة يهدف من و رائها الى"تنظيف" سمعته الملطخة بدماء بنات و أبناء شعبنا، و الحفاظ على مكتسباته الحزبية و الشخصية، و المزيد من تهميش بقية القوى السياسية، و هى فى جوهرها لا تعدو أن تكون "عزومة مراكبية" تعبر عن مدي إستخفافه و إستهانته ببقية القوى الوطنية. لكن ستأتي  الكارثة الحقيقية عند إستجابة أيا من تلك القوى، لا قدر الله، الى هذه الدعوة الماكرة. و سنواصل الحديث عن الضلعين الآخرين لهذا المثلث الخبيث فى المقال القادم بإذن الله.

 

22/4/2010

 

Ibrahim Kursany [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]