Ibrahim Kursany [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

 

" لو قامت برضو قاعدين فيها.. و مافي زول بقلعا مننا.. و مافي زول بحركنا منها.. لأنو نحنا قبل عشرين سنة كان في ناس قاعدين و قلعناها منهم".

 

لم أصدق أذني بأن مثل هذه الكلمات البائسة يمكن أن تصدر من زعيم سياسي، ناهيك عن مرشح لرئاسة البلاد، لولا أنني شاهدته بأم عيني يقولها فى مدينة الكوة يوم الرابع من أبريل2010. كما حاولت قدر الإمكان أن أشكك فى صحة الصورة التى أمامي، معتمدا فى ذلك علي مستوي و مدى البصر الذى تدهور بفضل عوامل التعرية! ثم أعدت الكرة مرتين فى المشهد الذي أمامي كيما أتأكد من صحة هذا المشهد. لكن شكي لم يدم طويلا، حينما قطعت جهينة قول كل خطيب، بالغناء و الرقص، الذى أصبح مشهدا ملازما لجميع حملات مرشح المؤتمر الوطني الإنتخابية.

المأساة لا تكمن فى بؤس اللغة المستخدمة فقط، لكن المأساة الحقيقية تكمن فى المضمون السياسي لتلك اللغة. وعلى كل حال فإن اللغة، أي لغة، ليست سوى أداة تعبير لما يدور فى ذهن الإنسان من أفكار و رؤى و تصورات للكون بمن فيه، و ما فيه، فى اللحظة المعينة. إذن دعنا نحاول أن نفسر ما كان يدور فى خلد هذا  المرشح لحظة نطقه بتلك الكلمات. "أجمل" ما فى هذه الكلمات، لو كانت تحمل ذرة من الجمال، هو أنها قد عبرت عن الموقف الحقيقي لمرشح المؤتمر الوطني، بل الموقف الحقيقي لحزبه نفسه، عن مفهوم الديمقراطية و الإحتكام الى الشعب ليقول كلمته فيمن سيتولى قيادة البلاد فى المرحلة القادمة.

 أصبحت الإنتخابات الحرة النزيهة، و الذهاب الى صناديق الإقتراع، بإعتبارها أكثر الوسائل المعروفة و المجربة ليعبر بها الشعب عن رأيه فى برامج الأحزاب و ليختار من يراه الأكفأ من بين المرشحين لتنفيذ تلك البرنامج، أداه ووسيلة معروفة على نطاق العالم أجمع، ما عدى بقايا بؤر دكتاتورية و شمولية، هنا و هناك، من بينها السودان، للأسف. يتمثل "عضم ضهر" الإنتخابات فى وجود الأحزاب السياسية التى تتنافس فيما بينها، فى واقع يتسم بحرية الرأي و التعبير و إحترام حقوق الإنسان، لتنال أكبر قدر ممكن من مقاعد البرلمان، حتى يتسنى لها تكوين الحكومة لتنفيذ البرنامج الذى أنتخبت على أساسه.

إذن جوهر العملية الديمقراطية يتمثل فى وجود الأحزاب، البرامج السياسية، البرلمان، الحكومة المنتخبة ديمقراطيا التى تلتزم بصيانة الدستور، و إحترام سيادة القانون، و المحافظة على الحريات الأساسية، و يأتي فى طليعتها، بالطبع، حرية الرأي و التعبير. فهل يتماشى مفهوم الديمقراطية هذا مع مفهوم "القلع" الذى أفصح عنه مرشح المؤتمر الوطنى فى حملاته الإنتخابية المختلفة؟ هل من المعقول لحزب تتمثل شعاراته فى مضامين من قبيل، " برضو قاعدين فيها"،و "مافى زول بقلعا مننا"، و"مافى زول بحركن منها"، أن تشكل الديمقراطية، ولو جزءا يسيرا من فلسفته السياسية؟!

تشكل فلسفة المؤتمر الوطني مدرسة سياسية مختلفة تماما، شكلا و مضمونا، عن ما تدعو إليه بقية الأحزاب المنافسة له فى هذه الإنتخابات. جوهر الفلسفة السياسية لحزب المؤتمر الوطني تتمثل فى الإقصاء التام و الكامل لكل من يختلف معه، دينا، و ثقافة، و لغة، وعرقا. لذلك فهي تعتبر فلسفة شمولية خانقة، لا مكان فيها للرأى الآخر، ولو بمساحة بوصة واحدة، حتى و إن كان هذا الآخر من نوع النيران الصديقة!!

يبقى السؤال إذن: قد يتعجب الكثيرين حول حماس المؤتمر الوطني منقطع النظير، بل إصراره، على إجراء الإنتخابات فى الموعد المضروب لها أكثر من بقية القوى السياسية المعارضة و المنافسة له، حيث من المفترض، ولو نظريا على الأقل، أن تكون هي الأكثر حماسا لإجراء هذه الإنتخابات فى موعدها المحدد؟ هنالك، فى تقديرى، خمسة أسباب لحماس المؤتمر الوطني منقطع النظير هذا لإجراء هذه الإنتخابات، و إصراره العنيد على أن يتم قيامها فى الموع المحدد بالضبط!؟  سنبين الآن هذه الأسباب، لأنه إذا عرف السبب بطل العجب!

أولا: لم يكن وراء حماس المؤتمر الوطني لإجراء هذه الإنتخابات أية قناعة بفلسفة الديمقراطية، التى تشكل الإنتخابات أحد أركانها المعروفة. و لكن لأن هذه الإنتخابات قد نص عليها، بل تحددت مواعيدها، وفقا لإتفاقية نيفاشا، التى أجبر المؤتمر الوطني على توقيعها مع الحركة الشعبية، بقوة السلاح من جهة، و ب"العين الحمرة" من القوى الغربية، و بالأخص الولايات المتحدة الأمريكية، من جهة أخري. إذن حماس المؤتمر الوطني منقطع النظير هذا لم يأتي من قناعة راسخة بمبدأ الديمقراطية، أو التداول السلمي للسلطة، أو أي شيئ من هذا القبيل، و إنما أتي فقط من باب "مرغم أخاك لا بطل"!!

ثانيا: السبب الثاني لإجراء الإنتخابات هو قناعة المؤتمر الوطني  بضعف الأحزاب السياسية المعارضة له. أحد الأسباب الرئيسية لضعف هذه الأحزاب هو سياسة إنعدام الحريات السياسية، و سياسة الكبت و الإرهاب التى مارسها المؤتمر الوطني فى حقها، و سياسة البطش و التنكيل و الإذلال التى مارسها فى حق قياداتها على مختلف المستويات، ولفترة عقدين من الزمان، متعمدا بذلك محوها من الوجود، إن تيسر له ذلك! لم يتمكن المؤتمر الوطني من محو تلك الأحزاب، كما كان متوهما، كما لم يتمكن من تصفية معظم قياداتها، كما كان يتمني، بل يسعى له، لكنه نجح، و الى حد بعيد من إضعاف قدرات تلك الأحزاب، بل شلها تماما، فى كثير من الأحيان، حتى أضحت عاجزة تماما عن إتخاذ موقف موحد فى أكبر القضايا الوطنية التي تواجه شعبنا، كقضية المشاركة فى الإنتخابات أم مقاطعتها. لقد تأكد للمؤتمر الوطني أن أحزاب هذا شأنها سيصعب عليها، إن لم يكن مستحيلا، إلحاق الهزيمة به، حتى و إن جاءت الإنتخابات حرة و نزيهة و مبرأة من كل عيب !! لذلك فهو مطمئن تماما بأن نتائجها ستكون فى صالحه دون أدني ريب فى ذلك، لو كانت أحزابنا الوطنية بهذه الدرجة من السوء و الإرتباك.

ثالثا: دعنا أن نفترض، وهو إفتراض بعيد عن أرض الواقع على كل حال، أن أحزابنا الوطنية كانت مستعدة لإجراء هذه الإنتخابات بنسبة مئة بالمائة، هل كان المؤتمر الوطني سيتردد لحظة فى إجراء الإنتخابات فى موعدها المحدد؟ كلا، ثم كلا!! لماذا؟ لأنه يتوفر للمؤتمر الوطني آلية أخري يضمن بها الفوز فى هذه الإنتخابات، وهى آلية الغش و التدليس وتزوير النتائج. يتوفر لدى المؤتمر الوطني تجارب "ثرة" ومتراكمة فى تزوير إرادة الشعب السوداني، حتى على مستوي الإنتخابات الصورية التى كان يجريها فى ظل نظامه الشمولي الذى إمتد لأكثر من عقدين من الزمان، و الأكثر قمعا للمعارضين فى تاريخنا الحديث. إن الخط الإعلامي الذى يتبناه المؤتمر الوطني هذه الأيام، و يتم التركيز فى أحد شعاراته بأن الإنتخابات ستكون "حرة و نزيهة"، ليست سوى ذر للرماد فى عيون المهتمين بأمر هذه الإنتخابات فى الغرب، و للإستهلاك المحلي فقط. بمعني آخر فهي لا تعدو أن تكون "كلام ساكت"، كما يقول السودانيون، فى تناقض لفظي، لكن له مدلولات عميقة من حيث المضامين. إن هذه الإنتخابات، فى حقيقة أمرها، هى أبعد ما تكون عن الحرية و النزاهة، كما أشار الى ذلك جميع قادة الأحزاب المعارضة، و أكدوا عليها مرارا و تكرارا، ولكن لا حياة لمن تنادي !! فإذا أتي الفوز للمؤتمر الوطني نتيجة لضعف أحزاب المعارضة، فمرحب به، أما إذا لم يتسني لهم ذلك، وشكلت أحزاب المعارضة تحديا حقيقيا لهم، وهو إحتمال ضعيف للغاية، بل إنني أعتبره غير وارد على الإطلاق حسب مجريات الأمور فى الوقت الراهن، يصبح عندها التزوير واجب وطني وديني تقتضيه مرحلة، "هي لله..هي لله.. لا للسلطة ولا للجاه"، و عقيدة، "مافى زول بقلعا مننا"... فتأمل!!

رابعا: يبحث مرشح المؤتمر الوطني لرئاسة الجمهورية عن خلاص شخصي من الأزمات التى تحيط به، و يأتي فى طليعة تلك الأزمات مذكرة الإعتقال الصادرة بحقه من المحكمة الجنائية الدولية. إن إصرار البشير على الترشح لم يأت بدافع الحفاظ على إستقرار و أمن الوطن، أو إحداث التنمية العادلة و المتوازنة فى البلاد، أو المحافظة على النسيج الإجتماعي للمجتمع السوداني، أو توثيق علاقات السودان مع محيطه الإقليمي، بل و العالم بأسره. لم يترشح البشير لكل هذا، لأن سجله الشخصي فى الحكم لما يزيد على العشرين عاما، يدل على عكس ذلك تماما. لكن البشير يود الترشح، و الفوز المؤكد للرئاسة، ولو عن طريق التزوير الواضح و البين، لسبب بسيط للغاية، وهو أن يزعم بعد فوزه بأنه هو رمز السيادة الوطنية، و بأنه هو الممثل الشرعي و الوحيد لشعب السودان، و بالتالي فإن أي ملاحقة قضائية له، ستعتبر ملاحقة للشعب السوداني بأكمله، كما هو حادث الآن، و بصورة مقززة، من فوق مختلف المنابر الإعلامية للمؤتمر الوطني. بمعنى آخر،" أنا الشعب.. و الشعب أنا"، هذا الشعار الزائف، و غير الدقيق، و المضلل،  لن ينطلى على العقلاء من أبناء و بنات شعبنا، أو المهتمين بالشأن السوداني فى بقية أنحاء العالم. و لو كان ذلك ممكنا لتمكن قادة الجنس الآري من حكم العالم حتي و قتنا الراهن !! إذن واقع الحال يقول، " النجاة، أولا و أخيرا، لرئيس المؤتمر الوطني... و ليذهب السودان وشعبه الى الجحيم"!!؟؟

خامسا: عاش أعضاء المؤتمر الوطني، قيادة و قاعدة، وعلى جميع المستويات، رغد من العيش لم يكن معظمهم، إن لم يكن جميعهم، يحلم به، قبل مجئ الإنقاذ، إلا فى جنات نعيم، لن يدخلوها سوى بفضل صالح أعمالهم، و ليس عن طريق أسلوب البطش و "القلع، الذى لن يساعد كثيرا حينما يواجهون الحق عز و جل، و حينها من يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره. عندها سيتضح لهم، أمام رب العزة، بأن صولجانهم، و حكمهم، و تسلطهم، و سلطتهم، لم تكن لوجهه تعالي، و إنما كانت بهدف "النهب المصلح"، الذى تمكنوا بواسطته من العيش فى نعيم و رغد، و باقي الشعب السوداني يكدح الى ربه كدحا، حتى يلاقيه، وهو مثقل تماما بمظالم الإنقاذ و حكامها. هل سيحتمل أمثال "هؤلاء"، و بعد كل هذه الرفاهية التى عاشوها،دون وجه حق، و بواسطة نهب ثروات البلاد و خيراتها، من التكيف على العيش مرة أخرى فى حالة الفقر المدقع التى كان يعيشه معظمهم، إن لم نقل جميعهم، قبل تسلطهم على البلاد و العباد؟! أشك فى ذلك كثيرا. بل إن "هؤلاء" سيتمسكون بنظام الإنقاذ حتي الرمق الأخير، لأن ذهابه يعني ببساطة ذهاب معظم هذه الإمتيازات، إن لم يكن جميعها.

أرجو أن يكون قد إتضح لنا الآن لماذا يصر قادة المؤتمر الوطني على إجراء الإنتخابات فى موعدها المحدد، و ما دون ذلك "فلترق كل الدماء" !!؟؟

 

7/4/2010