تمر علينا هذه الأيام الذكرى الخامسة و العشرين لإنتفاضة أبريل المجيدة التى أطاحت بحكم الطغيان المايوي. أسأل الله تعالى أن تمر علينا الذكرى القادمة و الشعب السوداني يتنسم عبير الحرية و الديمقراطية و يتمتع بحقوقه الأساسية فى ظل حكم عادل و راشد و مسؤول و نزيه.

مقدمة

كعادتها فى التخفى وراء مختلف الشعارات الزائفة، و التى لا تعبر عن حقيقة  مكنونها أو مضمونها، منذ أن قامت بسرقة السلطة السياسية فى ليل بهيم من ليالي شهر يونيو القائظ من عام 1989، و لمزيد من التمويه لخداع الشعب السوداني حول هوية الإنقلاب و الإنقلابيين حينما أطلقت على إنقلابها إسم، "ثورة الإنقاذ الوطني"، ثم أردفت صفة "التوجه الحضاري" لتلك الغنيمة، إرتكبت الجبهة الإسلامية القومية/المؤتمر الوطني، ومنذ إغتصابها للسلطة السياسية العديد من المآسي فى حق الشعب و الوطن نود أن نلخص أهمها فى هذه السلسلة من المقالات. لعلنا لن نأتي بجديد فى معرض إستطلاعنا لتلك المآسي، لكن ما نهدف إليه هو تنشيط ذاكرة الشعب السوداني بها، من جهة، و حفرها فى ذاكرة الشباب الذين لم يعاصروها حين حدوثها، أو كانوا صغارا يفعا عند و قوعها، من جهة أخرى. إن تكرار عرض مثل هذا النوع من المآسي لا يمكن أن يكون مضيعة للوقت، أو أن تكون نتائجه هباءا منثورا، حيث أن بعضها، إن لم نقل جميعها، يرقى لمستوى الجريمة، واجبة القصاص،و بالتالي لا يمكن لها أن تسقط بالتقادم. لذلك لابد من تكرارها على مسامع شبابنا، حتى ولو من باب "ما ضاع حق و راؤه مطالب"، و حثهم على التمسك بالقصاص ممن إرتكبوها، وفقا لحكم القانون، الى أن يتعلم مرتكبيها معني مفهوم حكم القانون، و ما معنى سيادته، و أن يتورع كل من تسول له نفسه، و إن النفس لأمارة بالسوء، بتكرار مثل تلك المآسي، أو الإتيان بأخري مشابهة لها، إن لم تكن أسوأ منها !! وقد تطرقنا فى مقالاتنا السابقة من هذه السلسلة الى بعض مآسي نظام التوجه الحضاري، و سنواصل الحديث عن ما تبقى منها فى هذا المقال، و المقالات القادمة، بإذن الله.

 

المأساة التاسعة

تحويل الحرب الأهلية فى الجنوب الى حرب دينية

بعد أن نجح قادة التوجه الحضاري فى ترسيخ أقدام الدولة الدينية فوق تراب الوطن، و بلغت بهم الطمأنينة حدا وصفوا فيه دولتهم تلك ب"الدولة الرسالية"، توج "هؤلاء القوم" لوثتهم الدينية تلك بأن ألصقوا صفة "الإسلامية" لكل عمل يقومون به، أو نشاط يمارسونه، أو مؤسسة يملكونها،أو يديرونها،و مهما تدني مستوي ذلك النشاط، أو ذلك العمل، حتى و إن كان نشاطا طفيليا، لا هدف له سوى إمتصاص دماء الفقراء من أبناء و بنات شعبنا، النحيلة و الهزيلة أصلا. فتجد على سبيل المثال لا الحصر،"بنك....الإسلامي"، أو " كوافير المحبة الإسلامية"، أو "وكالة...الإسلامية لشراء و بيع العقارات و إصلاح المراكيب"، دون مؤاخذة!! تدنت عبقريتهم الى هذا الدرك السحيق فى الإساءة الى مقدسات الأمة. فعلوا كل ذلك من أجل جمع المال و كنزه، ولو كان ذلك عن طريق "النهب المصلح"، كما أسمته عبقرية شعبنا الخلاقة. و قد وصل بهم الزهو بمشروعهم الحضاري، و دولتهم الرسالية، مستوى شعروا معه بأنهم لا يقلون درجة عن مسؤولية أصحاب الرسالات، معاذ الله، فى نشر رسالة الإسلام داخل فسطاط الكفر الأفريقي، و الذي يشكل جنوب السودان مدخله الطبيعي.

و لم يكن أمامهم من سبيل آخر لبلوغ هذا الهدف سوي تحويل الحرب الدائرة رحاها فى جنوب الوطن لفترة ستة أعوام حسوما، قبل وصولهم الى سدة الحكم، و الى عقود عددا أثناء فترات الحكم السابقة لهم منذ فجر الإستقلال، من حرب مظالم سياسية، و إقتصادية، و إجتماعية، الى حرب دينية خالصة، تهدف الى هزيمة " المشركين" فى جنوب الوطن، و إخضاعهم ل"الدولة الرسالية" المزعومة، أو لترق دون ذلك كل الدماء، كما يقول شعارهم الديماجوجي البائس، الذى يصيب أى عاقل بالغثيان المؤكد!!

شكل تحويلهم الحرب الأهلية فى جنوب الوطن الى حرب دينية نقطة تحول خطيرة فى تاريخ السودان السياسي، حيث أهدروا بسببها العديد من الموارد المادية و المالية، و أدخلوا الآلاف من شباب السودان الى محرقة الحرب، بعد أن غرروا بهم ووعدوهم بدخول الجنة، دون حساب، لملاقاة الحور العين، و إختيارهم لما طاب لهم من بينها. بربكم هل سمعتم قبل هذا بأي نوع من الإفك و الإفتراء على الدين الحنيف أكثر من هذا؟!

لقد ضربت الحرب الدينية النسيج الإجتماعي لشعبنا فى مقتل، و أبرزت العديد من الظواهر الشاذة و الدخيلة على مثله و قيمه السامية و الرفيعة، التى توارثها أبا عن جد، و التي بلغت مرحلة الجنون حينما أقاموا "حفلات" زفاف قتلاهم الى بنات الحور، بعد أن منعوا أمهاتهم من ذرف دموع الحسرة عليهم! ليس هذا فحسب، بل الأسوأ و أضل، أجبروا أولائك الأمهات على أن يزغردن زغاريد الفرح عند سماع موت فلذات أكبادهن بدلا من ذرف دموع الثكالى! بمثل هذا الجنون، أثبت "هؤلاء الناس" بأنهم يعتقدون، و يطبقون، بما هو ليس فقط ضد تعاليم ديننا الحنيف، و إنما أيضا ما هو ضد طبيعة النفس البشرية السوية !؟

إن أسوأ ما فى هذه التجربة المريرة هو "نجاحهم" فى إستغلال أدعياء الدين الحنيف من بعض ضعاف النفوس ممن زعموا بأنهم من أئمة  المسلمين، و هم فى حقيقتهم لا يمتون لذلك بأدنى صلة سوى لحاهم المسدلة، وجلابيبهم القصيرة، وغرة "العتبة" التى تعلو جباههم، و التى لاتعدو فى مجملها من أن تكون "عدة شغل" فقط لا غير، لا يبتغون من ورائها مرضاة الله سبحانه و تعالى، و إنما يقصدون بها مكاسب دنيوية رخيصة ليرضوا بها نفوسهم المريضة، و العياذة بالله! و قد نجح هؤلاء " العلماء" المزيفين فى جر عشرات الآلاف من شبابنا الى محرقة الحرب  التى لم يكن فيها خاسر أو منتصر، بل كان الخاسر الأكبر و الوحيد من إندلاعها هو الشعب السوداني المغلوب عل أمره.

المأساة العاشرة

مجزرة شباب السودان فى معسكر العيلفون

تمثل أحد أخطر نتائج تلك الحرب الدينية العبثية فى "الكشات" المنظمة التى مارستها سلطات التوجه الحضاري لشباب السودان و زجت بهم فى معسكرات للتدريب، ولفترات قصيرة لا تكفى حتي للتدريب علي بنادق للصيد، و من ثم إرسالهم الى مناطق العمليات ليواجهوا مصيرهم المحتوم و ليلقوا حتفهم، دون حتى إعدادهم الإعداد الكافي لتلك المهام. بل الأسوأ و أضل فى تلك الممارسة الظالمة هو جر هؤلاء الشباب الى تلك المعسكرت حتى دون إخطار ذويهم، أو أولياء أمورهم بذلك، ناهيك عن مشاورتهم أو أخذ رأيهم! فهل يا تري يمكن مجرد تصور جريمة نكراء أكبر من ذلك ؟!

لقد كانت تلك المعسكرات أشبه بمعسكرات النازية، و دليلنا على ذلك هو ما حدث فى الثاني من أبريل من عام 1998 من مآسي. صادف ذلك اليوم عشية عيد الأضحى المبارك، و كان من الطبيعي أن يمنح هؤلاء الشباب، المغلوب على أمرهم، عطلة تمتد لفترة ثلاثة أيام، أسوة بالعطلة الرسمية الممنوحة لجميع المؤسسات و الدوائر الحكومية. لكن شيئا من ذلك لم يحدث من سلطات المعسكر. و حينما قارب موعد العيد، تقدم هؤلاء الشباب بطلب مشروع من الناحيتين الدينية و الإدارية لعطلة العيد، واثقين تماما بالموافقة عليه من قبل سلطات الدولة الرسالية.

 لكن بدلا من ذلك أتاهم الرد بما لم يكن فى الحسبان، العطلة الرسمية ليوم واحد فقط، وهو يوم العيد. لم يصدق اولائك الشباب أنفسهم من أنهم سوف يحرمون من تمضية يوم وقفة عرفات مع أهلهم و ذويهم، و إنما سوف يمضون ذلك اليوم المقدس داخل معسكرات النكد تلك. عندها قرروا الهروب الجماعي. ماذا كان رد فعل مسؤولي المعسكر؟ لم يتردد "هؤلاء" الرساليين من إطلاق الرصاص الحي على صدور أولائك الشباب، فإستشهد العشرات منهم. أما البقية الباقية فقد توجهت نحو النيل الأزرق، علها تجد مخرجا يصد عنها رصاص "هؤلاء" القتلة، و ألقت بنفسها داخل مياهه العذبة، و التي تحولت فى لحظة كحامض قاتل "أحرق" معظمهم غرقا، حيث أنهم لا يجيدون السباحة أصلا، ناهيك السباحة فى مياه الأنهار!!

 ألم أقل لكم بأنها أسوأ من معسكرات النازية، يقوم عليها رجال غلاظ شداد، ليس فى قلوبهم ذرة من رحمة أو شفقة ، يشرفون على شباب يفع لم يتجاوز معظمهم سن الثامنة عشر من أعمارهم، فهم أطفال بكل المعايير الدينية منها و الدنيوية. إن إبادة أولائك الشباب، و بتلك الطريقة المقززة و المخيفة، التى تخالف جميع الشرائع السماوية منها و الوضعية، تستوجب المساءلة القانونية لمن أمر بها و من قام بتنفيذها، لأنها من نوع الجرائم التى لا تسقط بالتقادم.

المأساة الحادية عشر

إشعال الحروب الأهلية فى بقية أجزاء السودان

لم يتعلم قادة التوجه الحضاري من مآسي حروبهم الجهادية فى جنوب البلاد، أو يستخلصوا الدروس المفيدة التى تقيهم شرور إشعال الحروب فى فيافي السودان البعيدة و أقاليمه المختلفة. بدلا من إستخلاص هذه الدروس، فقد بلغ بهم الغرور حدا بعيدا ووصل بهم جنون العظمة مرحلة أعلن رئيسهم على إثرها، و من فوق رؤوس الأشهاد، بأنه قد أخذ السلطة بقوة السلاح، و من أرادها فليس من سبيل أمامه سوى إتباع النهج نفسه، أي حمل السلاح و خوض غمار الحرب لتحقيق ما يصبو إليه. أليس هذا هو جنون العظمة بعينه ؟!

لقد نتج عن هذا الموقف غير العقلاني، و الذى يتصف بالتحدى، أن إشتعلت الحروب فى الأجزاء الآمنة من أرض الوطن. نقلت الحركة الشعبية لتحرير السودان معاركها العسكرية الى مناطق جديدة خارج حدودها التقليدية، حيث شملت مناطق كجنوب النيل الأزرق، و جبال النوبة. كما إمتدت الحركات المسلحة لتشمل العديد من مناطق شرق السودان. لكن أخطر الحركات المسلحة برزت فى غرب السودان، و بالتحديد فى إقليم دارفور المنكوب بقادته!

شكلت الحرب الأهلية فى دارفور علامة فارقة فى تاريخ الصراع السياسي فى البلاد حيث أدخلت السودان فى أنفاق و دهاليز السياسة العالمية من أوسع أبوابها، بحيث أصبحت حرب دارفور قضية داخلية بين مرشحي الرئاسة الأمريكية، ووصلت الى مجلس الأمن، فى الوقت الذى لم تصل فيه الحرب الأهلية فى الجنوب الى ذلك المجلس، منذ إندلاعها فى خمسينات القرن المنصرم! ليس هذا فحسب، بل وصلت حرب دارفور الى المحكمة الجنائية الدولية، لتصدر هذه المحكمة أمرا بإعتقال رئيس السودان،فى إجراء يعد الأول من نوعه لرئيس لا يزال على سدة الحكم، متهمة إياه بإرتكاب جرائم حرب و جرائم ضد الإنسانية فى إقليم دارفور!!

أنظر كيف ترد حماقات بعض الحكام بشعوبهم الى موارد التهلكة. رئيس همام يفتخر أمام العالم بأنه "سرق" السلطة السياسية بقوة السلاح، و يتحدى شعبه، أمام العالم أيضا، بأن من يريد هذه السلطة عليه حمل السلاح، الى أن ينتهى به الأمر كمتهم من قبل المحكمة الجنائية الدولية، و ببلاده فى حالة حروب أهلية طاحنة، و بشعب محاصر عالميا،دون ذنب جناه سوى أنه يعتبر بمثابة الرعية لتلك الدولة الرسالية!!؟؟

المأساة الثانية عشر

التفريط فى السيادة الوطنية

كان من أكثر مآخذ الإنقاذ على حكومة الديمقراطية الثالثة، أنها قد فرطت فى السيادة الوطنية. إنها لعمرى لفرية و كلمة حق أريد بها باطل. إن الأدهى و الأمر من ذلك هو حديثم، حتى كتابة هذا المقال، عن أنهم هم الوحيدون القادرون على المحافظة على إستقلال البلاد و سيادتها الوطنية. صحيح فعلا أن الإختشوا ماتوا!! يقولون مثل هذا الحديث و البلاد تدنسها أرجل المئات، بل الآلاف من الجنود الأجانب الذين أتوا إلينا من أركان الدنيا الخمسة. ليتهم أتوا من بلدان يستفاد من و رائها ماليا، أو تقنيا، أو حتي سياسيا. بل أتونا من بلدان لا طعم لها و لا رائحة، و لا وزن لها بمعايير السياسة الدولية. بلدان مثل بنجلاديش، وحتى رواندا ... فتأمل !!

فإذا ما قبلنا بوجود قوات أجنبية لمراقبة تنفيذ إتفاقية نيفاشا، فى المناطق التى حددتها تلك الإتفاقية، فما هو مبرر وجو الآلاف من القوات الأجنبية فى إقليم دارفور، حتى قبل التوصل الى إتفاق سلام شامل، او حتى مجرد إتفاق لوقف إطلاق النار بين الأطراف المتصارعة، ليبرر وجود هذا الكم الهائل من القوات الأجنبية. السؤال إذن، هل يحق لمن حقق كل تلك "الإنجازات"، وسهل إحتلال البلاد من قبل الجيوش الأجنبية، مجرد الحديث عن السيادة الوطنية !؟

حينما نال السودان إستقلاله، قال الزعيم الأزهرى، مفاخرا بهذا الإنجاز العظيم حقا، أنه قد أتى بالإستقلال مثل "صحن الصيني.. لا شق و لا طق"! أي أنه إستقلال كامل الدسم لم يربط السودان بأى أحلاف عسكرية، و من دون وجود عسكري واحد من دولة أجنبية على أراضيه. إذن يحق لأمثال هؤلاء القادة فقط الحديث عن الإستقلال و حماية السيادة الوطنية، و ليس لمن باعوا سيادتنا الوطنية فى أسواق النخاسة الدولية، و بأبخس الأثمان!!

(نواصل)

5/4/2010

 

Ibrahim Kursany [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]