حينما إعتلي قادة الإتجاه الإسلامي مسرح قاعة الإمتحانات بجامعة الخرطوم فى العام 1968 ل "فرتكة" رقصة "العجكو" التى كانت تؤديها فرقة الفنون الشعبية للترويح عن الطلاب، لم يفعلوا تلك الفعلة الشنعاء لأنهم "فتوات"،مع أن هذا التصرف لا يخلو من بعض أبعاد هذه الصفة، بل فعلوها لأنهم إستندوا الى أحد الفتاوي الدينية التى تخصهم،  و التى تقول بتحريم الغناء و الرقص، ناهيك عن المختلط منهما، و أنهما رجس من عمل الشيطان، و بالتالي يتوجب على كل "أخ" مسلم " و "أخت" مسلمة إجتنابهما. أزمة هؤلاء "الفتوات" تكمن فى إفتراضهم الخاطئ بان جميع طلاب جامعة الخرطوم المسلمين ، فى ذلك الوقت، هم من زمرة "الأخوان" !!؟؟ و ياله من إفتراض خاطئ و ساذج فى ذات الوقت. سوء التقدير هذا، مقرونا بسوء الظن، و التفسير الخاطئ للنصوص الدينية، قاد الى إحداث أزمة داخل جامعة الخرطوم، راح ضحيتها أحد طلابها الأبرياء، نتيجة لذلك التصرف الأحمق و الأهوج فى ذات الوقت.

لب هذا الموقف المتزمت شكله موقف طلاب الإتجاه الإسلامي من المرأة فى ذلك الزمان. فقد أفتوا بحرمة الظهور العلني للمرأة فى جميع المناشط الجماهيرية. بل ذهبوا لأبعد من ذلك، و أفتوا بأن صوتها فيه شبهة من حرام. لذلك فقد شكلت المرأة، ولا زالت، و إن كان بدرجة أقل، أس عقدتهم تجاه المجتمع بأكمله. عقلية بهذا التركيب و الفهم يستحيل عليها فهم أبعاد مضمون الفنون الشعبية السودانية التى تلعب فيها المرأة دورا محوريا، بل فى و اقع الأمر، تشكل لحمتها وسداها. فليس من المعقول تصور أداء لرقصة شعبية كالعجكو، أو الجابودي، أو الكمبلا، أو الرتروتي، و غيرها من الأغاني الشعبية ، فى مختلف أنحاء السودان، دون مشاركة المرأة. بل لمن المستحيل أداء الرقصات الشعبية دون مشاركتها. هل لكم أن تتخيلو "أخذ".. " شبال مكنتل و فى طريفو ودع"، دون رقصة من إمرأة من ديار شايق !؟ إن من يتخيل ذلك لا يخرج من صنفين من البشر: إما "جبهة"، أو لا علاقة له بشعب السودان !

لذلك حينما نجح الإنقلاب العسكري ل "الجبهة" في يونيو 1989، ودانت لهم مقاليد الحكم بالكامل، تفتقت عبقريتهم بتأسيس وزارة حديثة، لم يسمع بها من قبل طيلة تاريخنا السياسي المعاصر، أسموها وزارة التخطيط الإجتماعي. تمثلت الرسالة المعلنة لتلك الوزارة فى، "إعادة صياغة الإنسان السوداني". تصوروا معي إعادة صياغة الإنسان السوداني "حته واحده" !! و لقد علقوا آمالا كبار على تلك الوزارة، و أولوها عناية خاصة، و منحوها أهمية قصوى فى سلم أولياتهم. لذلك فقد جاءوا لها بوزير يعتبر فى المرتبة الثانية فى تنظيمهم فى ذلك الوقت. هذا الرجل هو الأستاذ علي عثمان محمد طه.

"إعادة صياغة الإنسان السوداني".. يا لها من رسالة بائسة و تصور عقيم. لقد فات عليهم، عند صياغتهم لتلك الرسالة، حقيقة بسيطة للغاية، وهي  إن وجدان الإنسان السوداني، الذى ورثوه، قد تكون عبر آلاف السنين، وقد جاء تكوينه نتيجة لتمازج و إختلاط العديد من  الأديان، و الأعراق،و الأجناس ، و الثقافات مع بعضها البعض عبر تلك الأزمنة، و لم يتكون ضربة لازب، كما صور لهم خيالهم القاصر.

لقد كانت وزارة التخطيط الإجتماعي أكثر وزارات الإنقاذ فشلا فى تحقيق رسالتها، مما قادهم الى حلها، و بصورة نهائية، و لم يتجرأوا مطلقا الى إعادة تكوينها حتى وقتنا الراهن. لماذا؟ لأنه قد تأكد لهم ، ومن واقع تجربتهم العملية، بإستحالة إعادة صياغة ذلك الإنسان الشامخ، بل فى حقيقة الأمر لقد أثبت لهم الإنسان السوداني بأنه هو الأقدر على إعادة صياغتهم، بل ردهم الى صوابهم، و إعادتهم الى الطريق الصحيح.. وقد كان !!

حدث ذلك نتيجة لتأملهم فى تجربتهم الذاتية فى مجال المناشط الإجتماعية  و شؤون المرأة، و استخلصوا منها الدروس و العبر التى أفادت بعضهم، و أخفق البعض الآخر فى استيعابها. بدأت تلك التجربة عندما رشحت الجبهة الديمقراطية الأستاذة سعاد ابراهيم أحمد، متعها الله بالصحة و العافية، ضمن قائمتها لمجلس إتحاد طلاب جامعة الخرطوم فى النصف الثاني من خمسينات القرن الماضي. حينها فقد "الإخوان"  صوابهم تماما، وقالوا فى ذلك القرار ما لم يقله مالك فى الخمر. لقد وصفوه بأقذع الأوصاف ، بما فى ذلك الخروج عن الملة، بل الخروج عن الدين نفسه !!

لكن أنظروا ماذا حدث لهم أنفسهم حينما مروا بموقف مشابه، ولكن بعد عقود من ذلك الزمان. بدءوا بترشيح "أخواتهم" ضمن قائمتهم الإنتخابية لإتحاد طلاب جامعة الخرطوم، ولكن من دون إبراز صورتها، بإعتبارها عورة ! ثم تطور موقفهم الى وضع صورة مرشحاتهم فى أوساط مرشحيهم من "الإخوان"، ثم "فلت" الأمر من أيديهم تماما حينما بدءوا فى إستغلال التقنية فى حملاتهم الإنتخابية، و إظهار "أخواتهم" فى أشرطة الفيديو، يمارسن أنشطتهن جنبا الى جنب مع "إخوانهم" من قيادات التنظيم! حدث كل ذلك دون أن يرمش لهم جفن، و دون خجل كذلك، بل حتى دون أن يكلفوا أنفسهم عناء تفسير تناقض مواقفهم مع بعضها البعض عبر الحقب الزمنية المختلفة للناخبين من الطلاب. إذن أين ذهبت فتاويهم؟ بل أين ذهب تفسيرهم القاصر للنصوص الدينية؟! بل بماذا يفسرون هذا التحول الدراماتيكي ،  الذى يفترض صحة الموقف و نقيضه فى ذات الوقت؟!

إن هذا التناقض الصارخ يثبت حقائق عديدة حول فكر و ممارسة قيادات و أعضاء هذا التنظيم بمسمياته المختلفة، الإخوان المسلمون، جبهة الميثاق الإسلامي، الجبهة الإسلامية القومية و أخيرا المؤتمر الوطني. تدل هذه " اللخبطة" على أن ما يطرحونه من فكر ليس سوى، "نبيذ معتق فى أوعية حديثة"، لا أكثر و لا أقل. لكن هذا التاقض يثبت أيضا أن حقائق التحول الإجتماعي لا يفهما قادة هذا التنظيم إلا بعد مرور عقدين من الزمان، على الأقل، على فهم نظرائهم من قادة التنظيمات الأخرى لنفس هذه الحقائق، و بالأخص التقدمية منها. إذن يمكن إعتبار هذا التنظيم متخلفا بعقدين من الزمان فى فهم التطور الإجتماعي فى السودان. بل إن هذا التناقض أثبت أيضا بأن الشعب السوداني العظيم قد نجح نجاحا باهرا فى إعادة صياغة قادة ذلك التنظيم بدلا من العكس، و هاكم الدليل القاطع.

حينما نجح إنقلاب الجبهة و دانت لهم الساحة السياسية دون أدني منازع، و ضمن خطتهم لإعادة صياغة الإنسان السوداني ، قام قادة الإنقاذ بإصدار عدة قرارت، كل منها أسوأ من الآخر. لكن أسوأها على الإطلاق تلك المتعلقة بالفنون بأنواعها المختلفة، و بالأخص الغناء و الرقص. لقد حاربوا الفنانين دون هوادة، بل إغتالوهم ، كالشهيد خوجلي عثمان، و قفلوا أمامهم أبواب الرزق، بأن منعوهم من التعامل مع أجهزة الإعلام الرسمية، كالإذاعة و التلفزيون، و أوقفوا الأغاني التي صورها لهم خيالهم المريض بأنها أغاني خليعة، مثل خالدة عثمان حسين.. القبلة السكرى !! بل حرموا إقامة الحفلات العامة المختلطة، و حددوا مواعيد الحفلات الخاصة بالساعة الحادية عشر مساءا ،حتى و إن كانت الحفلة داخل منزلك الخاص. هل هنالك ضرب من الجنون أكثر من هذا؟!

لكن نفس هؤلاء القادة، الذين أتخذوا تلك القرارات العرجاء، إرتدوا على أعقابهم و أصبحوا يمارسون الغناء و الرقص من فوق المنابر الجماهيرية، و من فوق أجهزة الإعلام الرسمية، دون أدنى خجل أو حياء. ليس هذا فحسب، بل أصبحوا يرقصون فى وجود "أخوات نسيبة" الى جوارهم فى معظم تلك المحافل. أين ذهب الفسق و المجون الذى أصموا به آذاننا حينما كانوا يصفون الحفلات الإجتماعية التى إعتاد الشعب السوداني على إقامتها، فى مختلف مناسباته و أفراحه، عبر مختلف الحقب و العصور، عند إقامة هذه الجماعة  لحفلات غنائهم و رقصهم على الملأ فى الآونة الأخيرة؟!

أنظروا للحملات الإنتخابية لمرشح المؤتمر الوطني لرئاسة الجمهورية لتروا بأم أعينكم ما تحدثت عنه سابقا من غناء و رقص، كان آخرها اللقاء الذى نظمته " اللجنة القومية لترشيح المواطن عمر البشير لرئاسة الجمهورية"، برئاسة المشير سوار الذهب بمدينة الخرطوم بحرى فى يوم الثلاثاء23/3/2010. لقد تذرع سعادة المشير بضيق الوقت لعدم شرح مبرراته لهذا الإختيار، أو الحديث عن برنامجم الإنتخابي، و لكن لسوء حظ المشير فقد توفر الوقت للغناء  و الرقص، حينما بدأت الموسيقى تعزف للفنان على ابراهيم اللحو، وسعادة المشير لا يزال فوق منصة الخطابة!؟ بئس الرئاسة!! كيف يمكن لهم التذرع بضيق الوقت عند الحديث عن البرامج الإنتخابية و السياسات، و لكن نفس هذا الوقت يكفي، بل يزيد، حينما تبدأ أغاني الحماسة، و يبدأ مرشحهم فى الرقص! يا له من إستغلال بشع لفنوننا الشعبية، التى حرموها على أبناء شعبنا فى بداية استلامهم للسلطة، لا يعادله بشاعة سوى إستغلالهم للدين الحنيف لتبرير الإنقلاب على السلطة الشرعية، و ترسيخ أقدامها فوق تراب الوطن. إنها الإنتهازية السياسية فى أوضح، بل أبشع صورها !!

لقد أثبتت الحملة الإنتخابية الراهنة أن قادة المؤتمر الوطني لا يتورعون عن اللجوء الى جميع الحيل و الأساليب لخداع الشعب السوداني عن مقاصدهم الحقيقية، بدءا من شعارهم الكاذب و القائل، "هي لله.. هي لله.. لا للسلطة ولا للجاه"، و الذى ثبت لاحقا، و من واقع التجربة العملية، بأنه محض هراء، و أن المسألة برمتها لم تكن لها علاقة بالله سبحانه و تعالى، و إنما كانت من أجل أغراض دنيوية محضة، و إنتهاءا بتحليل ما حرموه هم أنفسهم على أفراد الشعب السوداني، كالغناء و الرقص.. فتأمل! كما أثبتت التجربة كذلك أن الشعب السوداني قد نجح فى إعادة صياغة قادة الإنقاذ، بدلا من العكس، و هي على كل حال خطوة إيجابية فى طريق التطور الإجتماعي الذى لا يفهم قادة الإنقاذ مكونات تفاصيله إلا بعد مرور أكثر من عقدين من الزمان من فهم الآخرين له، كما دلت تجربة حكمهم على ذلك. اللهم خفف عنا وقع من سلطته علينا.. كما قال مرشح المؤتمر الوطني، ب "عضمة" لسانه، في أحد لقاءاته التلفزيونية فى الآونة الأخيرة !!

 

25/3/2010

 

Ibrahim Kursany [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]