يحكى عن المرحوم زين العابدين محمد أحمد عبد القادر أنه قال متهكما على قادة الإنقاذ عند تسلمهم مقاليد الحكم، عن طريق الإنقلاب العسكري، إن هؤلاء الذين يقضون جل وقتهم فى المساجد، و ليس الحانات، فلن يسلموا السلطة إلا للسيد المسيح ! يبدو أن قادة الإنقاذ قد صدقوا هذه الدعابة و أصبحوا يتصرفون وفقا لها. و ما ساعدهم على ذلك طول فترة حكمهم التي تجاوزت العقدين من الزمان، كان لهم فيها مطلق التصرف فى بلاد السودان و ما تحتويه من أرض و بحر وجو، و بشر كذلك !؟

بالفعل قد كان لهم ما أرادوا، ذلك أن إنقلابهم قد إختلف نوعيا عن الإنقلابات العسكرية التى سبقته، حيث أن الإنقلابات السابقة كانت تتم بواسطة عناصر من الجيش، يتم دعمها لاحقا بواسطة بعض القوى السياسية، أو فى أسوأ الفروض، بالتنسيق المسبق مع تلك القوى قبل التنفيذ، حيث لن يتعدى هذا التنسيق إطار التعاون فقط. لكن تجربة الإنقاذ كانت مختلفة عن تلك التي سبقتها، و بكل المقاييس!

إن إنقلاب الإنقاذ قد تم تخطيطه و تنفيذه بواسطة الجبهة الإسلامية القومية. أتخذ قرار الإنقلاب من قبل أعلى هيئاتها القيادية. كما تم التخطيط له بواسطة هيئاتها المختلفة، مع الحفاظ على عنصر السرية الذى يتطلبه هذا النوع من العمليات. و تم تنفيذه بواسطة عناصرها المدنية، مدعومة بمليشياتها المسلحة، و بعض العناصر الموالية لها من داخل الجيش. فقط تأمل، عزيزي القارئ، سيناريو الإنقلاب الذي أوردناه عاليا لتري الفرق بين إنقلابهم و بقية الإنقلابات السابقة له!؟

لقد إتضح لاحقا بأن معظم الوجوه التى عينت فى مجلس الإنقلاب لم تتبوأ هذه المناصب سوي للتمويه فقط، و إبعادا لأي شبهة أو شك فى طبيعة إنقلابهم، و لفترة زمنية وجيزة، ريثما يرسخوا أقدام سلطتهم. و بالفعل فقد تمت إزاحتهم من السلطة لحظة إستنفدهم الأغراض المرسومة لهم. و من أجل بلوغ هذا الهدف فقد لجأ قادة الجبهة الإسلامية الى كل الحيل الضرورية التي تؤمن لهم طريق نجاح الإنقلاب، الحلال منها و الحرام، بما في ذلك الكذب على الشعب السوداني، كما أعترف لاحقا وعلى الملأ، كبيرهم الذي علمهم السحر.

يكمن الإختلاف الجوهري بين إنقلاب الإنقاذ و بقية الإنقلابات العسكرية السابقة له، أنه قد سيطر على جهاز الدولة بكل موارده، و مؤسساته، و أنظمته، و أجهزته، و هيئاته، و حوله من جهاز وطني قومي الى جهاز حزبي خالص، و سخره الى خدمة أهداف التنظيم، و مصالح عضويته، و الموالين لهم ، و المؤلفة قلوبهم، حتي الذين أتوا من كل فج عميق، من أمثال بن لادن و كارلوس، بعد أن كان جهازا مسخرا لخدمة جميع السودانيين، بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين.... فتأمل !!

حينما نجح إنقلابهم المشؤوم فى تحويل جهاز الدولة السوداني من جهاز الوطن الواحد الى جهاز الحزب الواحد، فقد كان ذلك يعني من الناحية العملية سيطرة الجبهة الإسلامية المطلقة، و دون أدني مساءلة من أي جهة كانت، على الآتي:

* نصيب الحكومة من الموارد البترولية التى تم إكتشافها.

* الموارد المالية المتوفرة لدى أجهزة الدولة بكافة مسمياتها و مستوياتها و فى جميع أنحاء السودان.

* جميع أصول البنك المركزي، بنك السودان، و السيولة المتوفرة لديه.

* جميع أصول المصارف التجارية و السيولة المتوفرة لديها.

* جميع إحتياطيات السودان من النقد الأجنبي، على قلته.

* جميع الأراضي الحكومية و المباني و المنازل و الدور المملوكة للدولة.

* جميع أصول المؤسسات التعليمية، بما فى ذلك مؤسسات التعليم العالي.

* جميع أصول المستشفيات و المؤسسات الصحية الحكومية على مستوى السودان.

* جميع وسائل المواصلات البحرية و البرية و الجوية المملوكة للدولة.

* جميع مشاريع البنية التحتية، بما فى ذلك مشاريع المياه و توليد الطاقة الكهربائية.

* جميع المشاريع الزراعية المملوكة للدولة، بما في ذلك مشروع الجزيرة العملاق.

* جميع المشاريع الصناعية المملوكة للدولة.

* جميع الهيئات و المؤسسات الخدمية المملوكة للدولة.

* جميع الأجهزة الإعلامية المملوكة للدولة، بما في ذلك هيئة الإذاعة و التلفزيون، القومية منها و الإقليمية.

* جميع الصحف ودور النشر المملوكة للدولة.

* جهاز الأمن الوطني بجميع مؤسساته و الأصول المملوكة له.

* تصفية المؤسسة العسكرية السودانية، بما فى ذلك الجيش و الشرطة و السجون، من معظم العناصر الوطنية، و جعلها ملكا خالصا للجبهة الإسلامية القومية و تحت تصرف عناصرها الملتزمة، و تحويل جميع مواردها لخدمة الأجهزة العسكرية التى قامت بإستحداثها، من قبيل الدفاع الشعبي.

بإختصار شديد لم يتبقى لهم شيئا لم يتملكوه فوق تراب الوطن، بعد نجاح إنقلابهم فى الثلاثين من يونيو 1989 ، سوي الهواء الطلق الذى يتنفسه الشعب السوداني، و لو وجدوا الى ذلك سبيلا لما ترددوا للحظة واحدة فى تعبئته، فى عبوة ذات قوة ثلاثية، و بيعه لهم!؟  بمعني آخر فقد سيطرت الجبهة الإسلامية على السودان الوطن سيطرة تامة طيلة العقدين المنصرمين دون أدني منازع. لم تتزحزح الجبهة الإسلامية/ المؤتمر الوطني عن هذه السيطرة قيد أنملة، حتي بعد دخول الحركة الشعبية السودانية كشريك فى الحكم بموجب إتفاقية نيفاشا للسلام فى العام 2005.

دخول الحركة الشعبية كشريك فى الحكم لم يتم برضاء المؤتمر الوطني، إنما فرضته عليه قوى إقليمية و دولية، لم يتمكن، و بكل ما عرف عنه من زوغان من الإتفاقيات، ونقض للعهود المبرمة، لم يتمكن من الإفلات منها، على الرغم مما عرف به من حيل و مكر فى الإلتفاف حول القضايا، و قدرة على تغيير الجلد، ليتواءم مع كل الظروف، مهما كانت درجة تعقيدها، كما الحرباء تماما.

لقد ظل المؤتمر الوطني يمتلك كل هذه الأصول و الموارد و الأجهزة، ملكية مطلقة و دون أدني منازع، لفترة عشرين عاما متواصلة، دون أن يتعرض خلالها لأي تحد حقيقي من أي جهة سياسية، و دون أن يستمع لأي رأي مخالف، أو وجهة نظر معارضة، حتي ظن تماما بأنه ليس سوي ظل الله فى الأرض، يتصرف فى موارد و شؤون الشعب السوداني كما يحلو له، دون خوف أو وجل، حتى من رب العزة نفسه، علي الرغم من أنه يزعم الحكم بإسمه، و لا يبغي من ذلك سوى جنة عرضها السماوات و الأرض، كما صم آذاننا صباح مساء بشعاره الكاذب و المضلل بأنها ليست سوي، " هي لله... هي لله.... لا للسلطة و لا للجاه"... فتأمل!؟

لم يكن المؤتمر الوطني يضع فى حساباته أي إحتمال لسماع رأي مخالف، أو وجهة نظر أخرى، فى الشأن الوطني، و من أي مصدر سوي مصادره الخاصة، أو من أؤلائك الموالين له. لذلك فقد تفاجأ تماما من الحملات الإنتخابية الأخيرة التى بدأت تدشنها أحزاب المعارضة، بمختلف أسمائها و أوزانها، كبيرة كانت أو صغيرة. بل فى الحقيقة أن الإنتخابات نفسها قد فرضت عليه بموجب إتفاقية نيفاشا، و لولا تأكده من الفوز بها، و لو عن طريق التزوير و الإبتزاز، لما أقدم علي إجرائها منذ البداية.

و بما أن المؤتمر الوطني قد سكر حتي الثمالة من نبيذ السلطة المطلقة حتى فقد وعيه تماما، فإنه لم يتوقع مطلقا أن يواجهه أحد برأي مخالف، أو بقولة حق، و من فوق منابره الإعلامية نفسها، التى يعتبرها بمثابة الرئة التى يتنفس من خلالها هواء الشمولية الملوث، و يبث من خلالها كذلك سمومه الدعائية الغثة التى أصابت معظم أفراد الشعب السوداني بحالة إكتئاب و طني شامل، وصلت مرحلة من الخطورة، لا يعادلها فيها سواء أسلحة الدمار الشامل. لذلك فعندما وقف العميد عبد العزيز خالد فوق منبر "مجهر سونا"، و بهدوئه المعروف، و الرزانة المشهودة له، مفندا لجميع الحجج التى ساقها فى حقه و حق حزبه، مقدم البرنامج السمج، الذى تجاوز حدود الإحترافية المهنية، فقد فقد أعصابه، بل وعيه تماما، و لم يصدق أنه لم يسمع مديحا لرئيسه الهمام طيلة فترة البرنامج. بل فى حقيقة الأمر لقد سمع نقدا لاذعا لحكم الإنقاذ لم تتعود عليه أذنيه التى صدئت من كثرة سماعها المديح الكاذب للإنقاذ من قبل المنافقين و الإنتهازيين، من أمثاله، من كل صنف ولون.

لكن ثالثة الأثافي، و التى شكلت الضربة القاضية بالنسبة لمقدم هذا البرنامج، فقد أتت في الليلة التالية للقاء العميد عبد العزيز خالد مباشرة وذلك حينما إعتلي المنبر السيد مبارك المهدي كمرشح لرئاسة الجمهورية. لقد حول السيد مبارك الحلقة بأكملها من محاولة لمحاكمة حزبه، كما كان يفعل مقدم البرنامج مع كل الذين سبقوه، ما عدى العميد عبد العزيز خالد، الى محاكمة حقيقية لنظام الإنقاذ و رموزه و قادته، و قام بفضحهم وتعريتهم بلغة فصيحة وواضحة، لا تقبل أي نوع من التأويل، و بنفس واثقة، و بلغة الأرقام و الوثائق، و باسلوب أربك مقدم البرنامج، وجميع من معه من حواريي الإنقاذ، كبيرهم و صغيرهم، مما أضطره لإنهاء البرنامج قبل وقته المحدد، مدعيا التشاور مع مخرجه ، فى حركة مسرحية لن تفوت على فطنة المشاهد الكريم، حول الزمن المتبقي له !؟

لم يسمع الشعب السوداني، المغلوب على أمره، مثل هذا الحديث، و من فوق منبر إعلامي حكومي، طيلة العشرين عاما المنصرمة، فماذا يا تري كانت ستكون النتيجة لو توفرت له الفرصة لسماع مثله خلال فترة حكم الإنقاذ؟! أكاد أجزم بأن حديث السادة عبد العزيز خالد و مبارك المهدي قد أفاق قادة الإنقاذ من سكرة السلطة المطلقة، و فتح أعينهم لما سوف يسمعوه مستقبلا من حديث. و بأن الأمور لم تعد كما كانت فى سابق عهدها، و أنهم موعودون بمنازلات إعلامية و سياسية، لا تتوفر لهم فيها الأسلحة الباترة التي كانوا يستخدمونها فى الماضي لإسكات صوت معارضيهم، مثل السجن أو بيوت الأشباح أو حتي التعذيب. بل إن الأسلحة المناسبة لهذا النوع من المعارك ليست سوى المنطق الفصيح و الحجة القوية و الدليل الدامغ، أي قوة المنطق و ليس منطق القوة. إن ما إدخروه من هذا النوع من الأسلحة، طيلة فترة حكمهم البائس، لا يساوي سوي صفرا على الشمال !

لذلك على قادة الإنقاذ أن يتخلوا عن حلمهم الواهم فى الإستمرار فى حكم البلاد و العباد كما يحلو لهم، و أن يفيقوا من سكرة السلطة المطلقة، و يهيئوا أنفسهم منذ الآن الى سكرات الهزيمة المرة و مواجهة المحاسبة الصارمة، وفقا لحكم القانون، فى كل ما إرتكبوه من جرائم فى حق الشعب و الوطن، طال الزمن أم قصر. فإن لم يأت ذلك بعد الجولة القادمة من الإنتخابات فإنه سيأتي حتما فى الجولات اللاحقة. عليهم أن يتأكدوا تماما بأن عهد الإنقاذ، كما عرفوه قد ولى الى غير رجعة، و التمسك بالحكمة القائلة، " لو دامت لغيرك لما آلت إليك"، و الدوام لله وحده الناصر للمظلومين من عباده !!

22/3/2010

 

 

 

 

Ibrahim Kursany [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]