عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
ابن اياس أبو البركات محمد أحمد الذى تتلمذ على المؤرخ السيوطي ولد بالقاهرة سنة 852 هـ/1448م وترجع شهرته إلي تصنيفه كتاب "بدائع الزهور في وقائع الدهور"، وهو كتاب يؤرخ لمصر من أقدم العصور وحتي عام 928هـ/1522م، ولقد تناول ابن اياس في هذا الكتاب الحوار الذى دار ما بين ملك النوبة والأمير الأموي عبد الله بن مروان الذى هرب إلى بلاد النوبة عندما طارده الخليفة العباسي وأمر بإلقاء القبض عليه ففر إلي القاهرة بعد أن أخذ معه أموالاً طائلة وفرشاً وفرقة من الجيش. ولما وصل الأمير الأموي عبدالله بن مروان أرض النوبة وجد مدائناً خراباً وبها قصور محكمة البناء فنزل في بعض تلك القصور وأمر غلمانه بكنسها وفرشت فيها الفرش الفاخرة التى كانت معه، وأرسل غلمانه لطلب الأمان من ملك النوبة، وعادوا ومعهم مبعوث من ملك النوبة. قال مبعوث ملك النوبة أن الملك يقرئك السلام ويقول لك أجئت محارباً أم مستجيراً؟ فقال له الأمير الأموي عبد الله بن مروان رد السلام على الملك وقل له: "قد جاءك مستجيراً من عدو له يريد قتله". فمضى مبعوث الملك بالجواب وغاب ساعة ورجع للأمير الأموي وقال له: الملك قادم إليك في هذه الساعة. فقال الأمير الأموي عبد الله بن مروان لغلمانه افرشوا ما معنا من الفرش الفاخرة، وجعل مجلسه في صدر المكان في معية ملك النوبة، وعندما أقبل ملك النوبة ـ وكان رجلاً أسوداً طويل القامة نحيف الجسد وله بردان قد اتزر باحدهما وتلفح بالآخر – في صحبته عشرة من السودان (النوبيين) حوله ومعهم حراب، فلما رآه الأمير الأموي استصغر أمره واحتقره، فلما قرب الملك النوبي من المكان الذى جلس فيه عبد الله بن مروان أتاه من عسكره نحو عشرة ألف رجل في ايديهم حراب، فلما دخل ملك النوبة على الأمير الأموي عبد الله بن مروان وأحاط ذلك العسكر بالمكان ووقعت عين ملك النوبة على الأمير الأموي عبدالله بن مروان بادر إلي يد الأمير الأموي وقبلها، فأشار إليه عبد الله بن مروان بأن يجلس على الفراش الذى وضعه له فأبى ملك النوبة الجلوس وصار يدفع بالفرش الفاخرة برجله.فقال الأمير الأموي عبد الله بن مروان للترجمان لِمَ لا يجلس الملك على ذلك الفراش الذى وضعناه له؟ فقال له الترجمان في ذلك. فقال ملك النوبة: قل للأمير:" كل ملك لا يكون متواضعاً لله فهو جبار عنيد متكبر"، ثم جلس على الأرض وأخذ يمسح الأرض باصبعه طويلاً ثم رفع رأسه للأمير الأموي وقال له: "كيف سُلبتم من ملككم وأًخِذ منكم وأنتم أقرب الناس إلي نبيكم؟"، فقال عبد الله بن مروان:"إن الذى سلب ملكنا أقرب إلي نبينا منا..."، فقال له ملك النوبة:"كيف أنتم تلوذون الي نبيكم بقرابة وأنتم تشربون ما حرم عليكم من الخمور؟ وتلبسون الديباج وهو محرم عليكم وتركبون في السروج الذهب والفضة وهي محرمة عليكم، ولم يفعل نبيكم شيئا من هذا! وبلغنا إنك لما وليت مصر كنت تخرج للصيد وتكلف أهل القرى ما لا يطيقون وتفسدون الزرع على الناس وتروم الهدايا والتقادم من أهل القرى وكل هذا من أجل كركي تصيده!". وصار ملك النوبة يعدد على الأمير الأموي عبد الله بن مروان جملة ذنوب والأمير الأموي ساكت لا يتكلم بحرف واحد، ثم قال له ملك النوبة: فلما استحللتم ما حرم الله عليكم سلبتم ملككم وأخذ منكم وأوقع الله بكم نقمة لم تبلغ غايتها وأنا أخاف على نفسي إن أنزلتك عندي أن تحل بي تلك النقمة التى حلت بكم، والبلاء عام والرحمة مخصوصة!!!". فقال الملك النوبي للأمير الأموي عبد الله بن مروان:" أرحل من أرضى بعد ثلاثة أيام وإلا أخذت جميع ما عندك وقتلتك شر قتلة"، ولما سمع الأمير عبد الله بن مروان ذك خرج من أرض النوبة في يومه ورجع إلي مصر فقبض عليه عمال الخليفة المنصور العباسي وبُعث به إلي بغداد فسجنه المنصور حتى مات في السجن، وكان الأمير الأموي عبد الله بن مروان آخر من تولي على مصر في دولة الخلفاء الأموية من العمال.
خلاصة
يظهر هذا الحوار الأخلاق النبيلة والتدين الصادق لملك النوبة الذي استقبل الأمير الأموي عبد الله ابن مروان وقبل يده تقديراً لمكانته ولا يفعل ذلك إلا إنسان متواضع وقد أظهر الحوار تدين وتقوي ملك النوبة ومعرفته بنبي الإسلام – محمد صلى الله عليه وسلم ومعرفته بتعاليم الدين الإسلامي التى تحض على العدل والاستقامة والتحلي بمكارم الأخلاق كما أظهر الحوار قوة شكيمة وحسم ملك النوبة بطرد الأمير الأموي من مملكته خوفاً على نفسه من غضب الله ونقمته إن قام باستجارة الأمير الأموي.