ملخص موجز
ولدت دولة جنوب السودان وسط آمال عظيمة بقيام دولة نامية ومستقرة ومزدهرة وقد صوت مواطني الدولة الوليدة بصوت رجل واحد لنيل استقلال البلاد التى تنعم بثروات وموارد طبيعية هائلة. أدت المساعي الحميدة التى قدمها المجتمع الدولي إلى تحقيق مساعدات تنموية دولية كبيرة وكان من المتوقع ان تتحول الدولة الوليدة في زمن وجيز الى مصاف الدول المكتفية ذاتياً على أساس أن لديها مواردها النفطية الذاتية. وبدلاً عن ذلك، إنغمست دولة جنوب السودان الوليدة في حرب أهلية ضروس ودخلت في انهيار اقتصادي موجع وارتكست لعزلة دولية خانقة. أقامت الطبقة السياسية في دولة جنوب السودان سلطة فاسدة ومتسلطة تسيطر على جميع قطاعات الاقتصاد وأضاعت فرصة تاريخية لإقامة دولة نامية ومزدهرة. تلعب شبكات النهب والسلب المالي دوراً رئيسيا فى الحرب الأهلية الجارية الآن نظراً لأن الصراع الدائر حالياً تقوده نخب تسعى للمساومة والتفاوض لنيل نصيبها من امتيازات السلطة والثروة عن طريق العنف.
يهدف هذا التقرير إلى تسليط الضوء على الفساد ونظام تمويل الصراع في دولة جنوب السودان ويوضح القنوات الخفية للتدفقات النقدية والصفقات المالية المشبوهه. ويتمثل الهدف الرئيسي لهذا التقرير في التركيز على آليات نظام الفساد بدلاً من التركيز على أفراد محددين أو الشبكات أو الجهات التى تساعد في تسهيل عملياتهم. بينما يبدو أن التقرير يركز على الحكومة فهو يقر بأن المتمردين كانوا في الماضي جزءا من السلطة الفاسدة المتسلطة ومن المحتمل ان يتورطوا مجدداً في الفساد في حالة التفاوض على تسوية. لقد أجرت "منظمة سنتري" تحريات واسعة النطاق فيما يتصل بالأساليب والصفقات المالية الخفية وبتدفقات التمويل وسلسلة شبكات توريدات المعارضة المسلحة.
يحدد هذا التقرير أربعة مصادر رئيسية يتم منها توجيه ثروات وموارد البلاد للمصالح الفردية والجماعية للنخب السياسية في دولة جنوب السودان:
1. قطاع وصناعة النفط: يمثل أكبر مورد للدخل القومي وهو قطاع غير مدار بكفاءة ولا يتمتع بالشفافية.
2. الحكومة العسكرية: يسيطر الجيش على الاقتصاد بشكل مباشر من خلال أخذ نصيب الأسد من الميزانية ومن خلال شركات وعقود متحكم فيها بشكل كبير.
3. الإنفاق الحكومي: نظام المشتريات معرض للفساد ولإهدار الموارد ولعدم تحقيق نتائج ملموسة، كما أن الموردين مرتبطون بمصالح النخب السياسية ويتم منحهم عقود كبيرة بشكل منتظم.
4. وكر غسل الأموال: تم استغلال القطاع المالي الناشئ في دولة جنوب السودان بواسطة النخب السياسية التى استخدمته كأداة لغسل وجني الأموال.
يواجه اقتصاد دولة جنوب السودان حالياً انكماشاً كبيراً بتراجع ايرادات النفط والصراع السياسي والفساد الذى يعيق جدوى الاستثمارات الأجنبية والمساعدات الإنسانية. وبتدهور الوضع الاقتصادي توسعت دائرة المؤسسات الاقتصادية الخفية والوهمية وحافظت النخب والمجموعات السياسية الرئيسية على مصادر تمويلها والمناصب الاقتصادية المهيمنة، بينما تسعى المجموعات الأخرى لتنويع مقتنايتها ومكتسباتها الاقتصادية لمواجهة الواقع الجديد. إن تفهم المحفزات المالية للصراع ودوافع اللاعبين الرئيسيين يعتبر أمراً مهماً لتحقيق تسوية سلمية متفاوض عليها ويجب على المجتمع الدولي واللاعبين الإقليميين، إضافة إلى تبني استراتيجية سياسية واضحة المعالم، اتباع استراتيجية مدروسة بشكل كبير لتقليص المحفزات والموارد المستخدمة في تمويل واشعال الصراع الدائر حالياً. يجب أن تشمل هذه الاستراتيجية: تعزيز الشفافية فيما يتصل بالإنفاق الحكومي والميزانية العامة والملكيات الفردية غير المشروعة وكذلك تقييد المنح والمساعدات المالية الدولية وربطها بالتحسن الملموس فيما يتعلق برقابة المشتريات والعقود الحكومية وصياغة الأسس السليمة فيما يتصل بالمقاطعة الاقتصادية وتبنى معايير مالية فعالة لتجميد واستعادة الأصول من أولئك الأشخاص الذين جنوا الأرباح والفوائد من الصراع الجاري حالياً.
منهجية إعداد التقرير
تم إعداد هذ التقرير بناء على مصادر متنوعة شملت تقاريراً من حكومة دولة جنوب السودان ومن وسائل الإعلام والمؤسسات الأكاديمية ومن القطاع الخاص بالإضافة إلى 50 مقابلة جرت ميدانياً وعن بعد في جوبا ونيروبي والقاهرة. وقد تم التأكد من معلومات المستقاة من المقابلات، حسب أفضل ما لدينا من مقدرات، باستخدام سجلات المصادر الحكومية العامة بما في ذلك استخدام أكثر من 300 سجل وقيد مرتبط بأعمال تجارية وممتلكات خاصة وسجلات ضرائب ومعلومات مرتبطة بالتجارة الخارجية وقواعد بيانات مرتبطة بعمليات شحن وبيانات من سكان محليين بلغاتهم المحلية بما في ذلك سجلات محاكم وتقارير محلية ومعلومات من وسائل التواصل الاجتماعي. وهذا التقرير لا يدعي شمولية الإستقصاء ولكنه يهدف لإظهار إتجاهات الفساد المتفشية في دولة جنوب السودان.
و ما لم ينص صراحة فإن ذكر أي كيان أو فرد في التقرير أو مرفقاته لا يعني ذلك إنتهاك أي قانون أو تشريعات أو أي اتفاقيات دولية ولا يجب أن يفسر بناء على ذلك.
ومع أن المعلومات الواردة في التقرير تم استقاؤها والتأكد من مصداقيتها بشكل كبير فنحن نقر بأن الغياب التام للتقارير الشفافة والإفصاح الكامل في دولة جنوب السودان ينطوى على تحديات كبيرة في مجال جمع المعلومات. إحتلت دولة جنوب السودان المركز رقم 171 من بين 175 دولة في المؤشر الدولي لممارسات الفساد لعام 2014م ويواجه الصحفيون الإستقصائيون قمعاً شديداً. أورد "بيت الحرية" و "صحافيون بلا حدود" و "لجنة حماية الصحفيين" أوردوا جميعاً بأن حرية الصحافة تراجعت بشكل كبير في السنوات الماضية. وقد قام المسئولون الحكوميون بالضغط على "الصحافة الوطنية الحرة" مما أدى إلى قيام الصحفيين والناشطين في مجال محاربة الفساد بممارسة الرقابة الذاتية لأجل تفادي الإعتقال والتوقيف والعدوان الجسدى. إضافة إلى ذلك، فإن المبادارت الحكومية المرتبطة بالشفافية لا يتم تمويلها بشكل كامل وهي تتلقى فقط جزءاً يسيراً من الاعتمادات والمخصصات المالية المرصودة لها. في الربع الأول من عام 2015م، تلقت مفوضية محاربة الفساد فقط 64% من مخصصات الميزانية المرصودة لها، كما أن هيئة المراجعة القومية - التى نشرت سلسلة من تقارير المراجعة الأمينة والمفصلة - تلقت فقط 17% من المخصصات المرصودة لها في الميزانية.
إن التحقق من المعلومات المرتبطة بالشركات هو كذلك أمر في غاية الصعوبة ومن الصعب كذلك الحصول على معلومات من مسجل الشركات بدولة جنوب السودان حيث يتطلب الأمر مصادقة وزارية حتى بالنسبة للطلبات الرسمية والتى يمكن رفضها بشكل استثنائي. تنشر الوزارات والهيئات الحكومية الأخرى تقارير غير منتظمة وبشكل بدائي جداً. ويتفاقم انعدام الشفافية في حقيقة أن معدل تعليم الكبار بلغ 27% فقط. وفي مسح تم إجراؤه بعد الاستقلال إتضح أن ما يقارب نصف الموظفين في الخدمة المدنية تلقوا تعليماً ابتدائياً فقط. وعندما تلقت البلاد أولى ايرادات النفط كانت الدولة تفتقد البنية التحتية للمؤسسات المالية مثل البنك المركزي ووزارة المالية. إن انعدام البنية التحتية للمؤسسات المالية يعتبر دليلاً على إنعدام قدرات إعداد التقارير المؤسسية وإجراءات الرقابة الداخلية ويجعل ذلك من الصعب للحكومة القيام بإجراءات الرقابة الذاتية وأن يتم محاسبتها وتحميلها المسئولية فيما يتصل بأنشطتها المختلفة. ومتى ما اقتضت الضرورة فنحن سنقدم إحصائيات موثقة وسنستشهد بعدة مصادر.
خلفية تاريخية
نشأ الصراع الدائر حالياً في دولة جنوب السودان بشكل كبير من تنافس محموم طويل الأجل بين النخب السياسية لأجل الحصول على امتيازات السلطة والثروة. فقط ما بين 10 إلى 20% من ايرادات البلاد يتم إنفاقها على الولايات والمناطق الريفية بينما باقي الإيرادات تبقي في جوبا لتصبح الجائزة الثمينة للفرقاء المسلحين والمتشاكسين في دولة جنوب السودان. لقد أصبح الفساد شريان الحياة في المسرح السياسي في دولة جنوب السودان وهو يوفر وسائل الدعم للفرقاء المسلحين ويؤمن المحافظة على توازن القوة السياسية ويمول عمليات إستقطاب المناصرين. وبرغم إنهيار النظام الاقتصادي الرسمي يستمر النشاط الاقتصادي غير المشروع في الازدهار. كانت هناك توقعات مختلفة فيما يتعلق بالأموال التى تم توجيهها لقنوات غير مشروعة ولكن العديد من المراقبين يزعمون أن هذه الأموال تبلغ بلايين الدولارات. في عام 2012م إتهم الرئيس سالفا كير 75 وزيراً ومسئولاً حكومياً باختلاس أربعة (4) بلايين دولار من أموال الدولة وطلب إرجاع تلك الأموال المختلسة ولكن طبقاً لتقارير الأخبار تم فعلياً إرجاع 1.5% فقط من ذلك المبلغ المختلس. إضافة إلى ذلك، فقد تم فعليا إعادة استثمار جزء بسيط جداً من المبلغ المسترجع في البلاد ومن النادر جداً إعادة استثمار ايرادات قطاع البترول في القطاعات الحيوية في الإقتصاد حسب ما إتضح من عدم تطبيق مشروع قانون إدارة ايرادات البترول الذى طالب بتخصيص ايرادات البترول للقطاعات الاقتصادية غير البترولية. إن انعدام التنمية في القطاعات الاقتصادية غير البترولية جعل من دولة جنوب السودان من بين أفقر الدول على مستوى العالم. فبينما كان لدى النخب السياسية في طرفي النزاع الموارد لمواصلة صراع مسلح بدأ في ديسمبر 2013م وأدى إلى مقتل مئات الألآف من الأنفس ونزوح ما يزيد عن مليوني مواطن وترك حوالى 4.6 مليون أو تقريباً 40% من السكان لويلات المسغبة والمجاعة.
منذ استقلال البلاد أهدرت حكومة دولة جنوب السودان بشكل كبير مواردها الاقتصادية وأضاعت سمعتها السياسية واصبحت سلطة متسلطة وفاسدة حيث يتم استغلال السلطة السياسية لتحقيق الثروة. تبع توقيع إتفاقية السلام الشامل في 2005م بين حكومة السودان والجيش/الحركة الشعبية لتحرير السودان زيادات كبيرة في إيرادات الحكومة. في عام 2004م كان إجمالي الإيرادات التى تديرها وزارة المالة التابعة للجيش/الحركة الشعبية لتحرير السودان 120,000 دولار أمريكي لكن في عام 2006م ازدادت الإيرادات لتبلغ 1,7 بليون دولار أمريكي وفي الفترة ما بين عام 2008م و 2014م بلغ إجمالي ميزانية دولة جنوب السودان 52 بليون جنيه جنوب سوداني أو ما يعادل 18,2 بليون دولار أمريكي. كانت البلاد متلقي رئيسي للمساعدات الدولية التى تقدر تقريباً بحوالي 130 دولاراً أمريكياً للفرد الواحد حتى عام 2013م. سمحت هذه المساعدات ببلوغ مستويات الإنفاق الحكومي لدولة جنوب السودان ثلاثة أضعاف مستويات الإنفاق الحكومي في كينيا برغم أن حجم اقتصاد دولة جنوب السودان يعادل فقط خمس حجم الاقتصاد الكيني. يتوقع أن تكون إيرادات مبيعات البترول المستقبلية والمحتملة كبيرة جداً. حسب إحدى التقديرات، لو تم تخصيص واستثمار 15% في من ايرادات مبيعات البترول المستقبلية في صندوق الأجيال المستقبلية - طبقاً لتوصية مشروع قانون إدارة إيرادات البترول الصادر في عام 2013م – سوف يسمح ذلك للحكومة تحصيل ما يتجاوز 50 بليون دولار أمريكي وإنفاقها في مشاريع الرعاية الإجتماعية خلال فترة الستة وثلاثين (36) عاماً المخططة لإنتاج البترول. لم يوجد هناك دليل حتى يوليو 2015م على أنه تم رسمياً إنشاء صندوق الأجيال المستقبلية بحسب مشروع القانون. وقد يكون مبلغ الخمسين (50) بليون دولار أمريكي مجرد توقعات متفائلة ومبالغ فيها. على أية حال، ونظراً لأن الإتجاه العام يشير إلى تدهور مستويات انتاج البترول وتراجع الإحتياطيات إلا إنه بغض النظر عن الرقم الحقيقي فإن معظم هذه الثروات إنتقلت إلى أيدى قليلة وتعرضت لتسرب كبير من النظام وإهدار وسرقة مباشرة.
منذ الاستقلال تمت السيطرة على دولة جنوب السودان بواسطة مجموعات صغيرة من النخب السياسية تتنقل بلا مصداقية بين المناصب الحكومية وجبهات القتال مع المتمردين حسب تغيرات الوضع السياسي. في يوليو 2013م قام الرئيس سالفا كير بإعادة تشكيل كامل طاقمه الوزاري وأزاح شخصيات قيادية مثل نائب الرئيس الأسبق ريك مشار كما قام بفصل وزراء ومسئولين حكوميين كبار من عرقيات مختلفة. لعب معظم هؤلاء الأشخاص القياديين أدواراً مهمة في اتخاذ قرارات سياسية واقتصادية في حكومة ما بعد الاستقلال وبعد فصلهم من المناصب الحكومية التحق العديد منهم بجبهة المعارضة السياسية التى تطورت لتصبح معارضة مسلحة. بينما سعى الرئيس سالفا كير لتعزيز سلطته من خلال أهل الولاء خاصة أولئك المتحدرين من ولاية واراب – مسقط رأسه. وبرغم تنوع التمثيل في الدوائر الحاكمة لا يستفيد المواطنون في أغلب الأحوال وتظل واراب أكثر الولايات تخلفاً في البلاد. في دراسة تفصيلية نشرت عام 2013م إتضح أن 93% من أسر الولاية "تعاني بشدة من نقص الغذاء". وفي ذات الوقت يبدو أن استراتيجية المعارضة المسلحة مصممة لتحقيق صفقة جيدة لها في طاولة التفاوض وأن أفضل طريقة لتنفيذ ذلك تتمثل في إهدار الثروة التى جنتها الحكومة من انتاج النفط، وفي العديد من الأحيان قامت المعارضة المسلحة بمهاجمة البنيات التحتية الرئيسية لقطاع النفط لإجل إيقاف انتاج النفط الأمر الذى سيساعدها على تحقيق مكاسب جيدة في طاولة التفاوض. استمرت جميع أطراف النزاع الدائر حالياً في التسلح والحصول على السلاح. قامت الحكومة بعقد عدة صفقات لمشتريات أسلحة من الخارج وقد أكدت التحريات الميدانية التى أجراها "مركز ابحاث تسليح النزاعات" أن المعارضة المسلحة تحصلت على أسلحة وذخائر من خلال الإلقاء بالطائرات. اعتمدت هذه التحريات على تحليلات عن الشركات الصانعة والموديل وسنة الصنع ويعتقد المركز أن هذه التحريات تقدم دليلاً ملموساً على توريدات مباشرة للأسلحة من السودان للمعارضة المسلحة في عام 2014م.
يعتقد بعض الخبراء أن الصراع الدائر حالياً غير الأوضاع بشكل ملموس، فقد تعطلت المصالح السياسية والاقتصادية التى كانت سائدة قبل الصراع بشكل مؤقت ويتم الآن التفاوض حولها من خلال العنف.
قطاع وصناعة النفط
يعتبر النفط المصدر الرئيسي للعملات الصعبة لدولة جنوب السودان، كما يعتبر ضمانة للديون والقروض الأجنبية ويسهم في تسيير الإقتصاد. يمثل النفط 98% من ايرادات دولة جنوب السودان بعد الاستقلال ولكن تقلصت حصته بنسبة 70% في ميزانية 2014/2015م نتيجة للخلافات مع حكومة الخرطوم والحرب المستمرة. في الفترة بين 2008م و2011م بلغت ايرادات النفط 8.24 بليون دولار أمريكي أي ما يعادل 96% من إجمالي الايرادات و 77% من اجمالى الإنفاق بينما بلغت مبيعات النفط الخام في الفترة من أبريل 2013م ومايو 2014م 3,3 بليون دولار أمريكي تم بيعها من خلال 46 شحنة. نصيب حكومة جوبا من هذه المبيعات غير محدد بدقة بسبب إن حكومة جوبا دائماً ما تشتكي بأن حكومة الخرطوم تأخذ أكثر من حصتها المتفق عليها وهو إدعاء تدعمه حقيقة وجود معظم تجهيزات البنية التحتية للقطاع تحت سيطرة حكومة الخرطوم وحتي مقاييس حساب التدفقات الفعلية للنفط تسيطر عليها الخرطوم. تعتمد الأرقام التى توردها حكومة دولة جنوب السودان على تقديرات متفائلة تبالغ في تضخيم القيمة الحقيقية للمبيعات، فعلى سبيل المثال تم إعداد الميزانية الأخيرة بافتراض أن سعر برميل البترول سيبلغ 101 دولار أمريكي في حين أن برميل خام برنت كان يباع بسعر 63 دولار أمريكي في يونيو 2015م وعندما تضاف التكاليف الإضافية مثل رسوم العبور التى تبلغ 26 دولاراً أمريكياً للبرميل فإن حكومة دولة جنوب السودان تتحصل على مبلغ ضئيل يبلغ 9-12 دولار أمريكي للبرميل وهو يعتبر أقل سعر للنفط الخام في العالم.
تعتبر ايرادات النفط أمراً مهماً في الصراع الدائر حالياً في دولة جنوب السودان نظراً لأن الحكومة تحتاج لهذه الإيرادات في المحافظة على الجهد الحربي بينما تدرك المعارضة المسلحة إن إستغلال ايرادات البترول يعتبر عاملاً مؤثراً وحاسماً. ونتيجة لذلك جرت المعارك والعمليات الحربية الأخيرة حول المواقع الإستراتيجية للنفط. تبادلت ملكال عاصمة ولاية أعالي النيل والمعبر لحقول النفط في بالوش وبانتيو عاصمة ولاية الوحدة الغنية بالنفط الأدوار عدة مرات حيث جرت العديد من المذابح في المدن الرئيسية التى تم تدميرها تماماً. لقد توقفت حقول النفط في ولاية الوحدة عن الإنتاج نتيجة للقتال الذى جرى في العام الفائت. وبحسب تقارير وسائل الإعلام المحلية فإن المخاوف الأمنية أدت إلى قيام المشغل الرئيسي لحقول النفط، الشركة الصينية الوطنية للنفط، بسحب جميع عمالها وموظفيها الأمر الذى أدى إلى تراجع كبير في الإنتاج من مستوى 150,000 برميل في اليوم في مارس 2015م، وفي أبريل 2015م، أدى القتال المتجدد في ولاية أعالي النيل وإنشقاق مليشيات الشلك بقيادة الجنرال جونسون أولوني من جانب الحكومة إلى تهديد سيطرة الحكومة على الحقول البترولية المنتجة المتبقية في دولة جنوب السودان.
هناك توجه آخر مقلق يتمثل في رغبة الحكومة الدائمة في القيام برهن مبيعات النفط المستقبلية لاستيفاء متطلبات الإنفاق قصير الأجل وتحقيق الأهداف الأمنية. طبقاً لتقارير صندوق النقد الدولي ومع تراجع ايرادات النفط لجأت حكومة دولة جنوب السودان بشكل كبير لرهن مبيعات النفط المستقبلية بهدف توفير العملات الصعبة وذلك بأسعار فائدة كبيرة، كما قامت باقتراض ديون لتمويل شراء الأسلحة. في ديسمبر 2014م أورد صندوق النقد الدولي أن حكومة دولة جنوب السودان قامت بالفعل باستدانة 328 مليون دولار أمريكي من اعتمادات إئتمان بلغت واحد بليون دولار أمريكي قدمتها شركات النفط الأجنبية العاملة في دولة جنوب السودان. تم تخصيص 59 مليون دولار أمريكي من هذا المبلغ علانية لشراء أسلحة في النصف الأول من عام 2014م. بينما تم تخصيص مبلغ 158 مليون دولار أمريكي وهو قرض قصير الأجل لمشروع تشييد مطار جوبا الذى يعتبر أحد أقدم المطارات العاملة في البلاد وأحد أكثر المشاريع مؤجلة التنفيذ والأكثر تكلفة. بالإضافة لاستدانة القروض من شركات البترول الأجنبية قامت حكومة دولة الجنوب في الماضي بالاستدانة من المؤسسات المالية الدولية بفوائد تتجاوز معدلات الفائدة السائدة وبضمانة احتياطيات البترول ومبيعات النفط المستقبلية. كان التأثير المباشر لهذه القروض هو تخفيضات رواتب موظفي الخدمة المدنية وتقليص النفقات الأساسية الأخرى. في عام 2013م، أوردت وسائل الإعلام المحلية أن الحكومة أخرت سداد رواتب موظفي الخدمة المدنية لمدة شهرين بينما تم استخدام ايرادات البترول لتسديد القروض غير المسددة لشركات النفط الأجنبية. تحصلت حكومة جوبا، كما في شهر مايو 2015م، على قرض بقيمة 500 مليون دولار أمريكي من بنك قطر الوطني حسب تصريحات المتحدث الرسمي للرئيس بعد أن تحصلت قبل ذلك على اعتمادات إئتمان بمبلغ 250 مليون دولار امريكي تم تقديمها في عام 2014م بسعر فائدة كبير بما لا يقل عن "ستة في المائة ". أقر الرئيس سالفا كير فى خطاب جماهيرى ألقاه في 8 يوليو 2015م بحقيقة إعتمادات الائتمان وبتقديم بنك قطر الوطني لها وبأن أفرادا لم يسمهم استغلوا اعتمادات الإئتمان. بعد فترة قصيرة من الخطاب الجماهيري أضاف الرئيس بأنه أمر بفصل الأفراد الفاسدين.
الحكومة العسكرية
يعتبر الإنفاق العسكري لدولة جنوب السودان هو الأكبر على نطاق المنطقة. تجاوزت ميزانية جهاز الأمن القومي التابع لمكتب الرئيس في عام 2014م - والتى كانت تمثل فقط 6% من إجمالى ميزنية الأمن –إجمالى تكلفة مشاريع البنية التحتية وهي تعادل تقريباً ميزانية المؤسسات الرقابية التي تشمل الهيئات الرقابية الرئيسية مثل ديوان المراجعة ومفوضية محاربة الفساد والمكتب القومي للاحصائيات وصندوق إعادة التعمير والتنمية. يعتبر الجيش الشعبي لتحرير السودان إحدى المؤسسات القليلة التى لا تمولها حكومة دولة جنوب السودان بالقروض والمنح، ونتيجة لذلك فإن الجيش يستنزف كامل الميزانية ويترك أولويات التنمية بشكل حصري للمانحين الأجانب. قام المانحون الأجانب في عام 2012م بتمويل 75% من ميزانية قطاع الصحة. اعتماد دولة جنوب السودان على المانحين الأجانب لتمويل مشاريع التنمية أمر يثير القلق نظراً لقيام المانحين الأجانب بإعادة توجيه المنح والعون للمساعدات الإنسانية والإغاثة. في ذات الوقت تنامى بشكل كبير الإنفاق على الأمن وهو يمثل حالياً 40% من الميزانية حسب ما اتضح بشكل رسمي في البيانات المالية لعام 2015م بينما تم تخصيص 5% من الميزانية للتعليم. على أية حال، لا تعبر هذه الأرقام عن تصوير الفارق الحقيقي بين الإنفاق الحكومي على القطاع العسكري والقطاعات غير العسكرية.
يقوم الجيش الشعبي لتحرير السودان والوزارات الحكومية عادة بتجاوز اعتمادات ومخصصات الميزانية السنوية بشكل كبير ويتلقون مخصصات اضافية "خارج الميزانية". تجاوز مكتب الرئيس في الربع الأول من عام 2015م الاعتمادات المخصصة له في الميزانية بنسبة بلغت 349% وتجاوزت وزارة الدفاع الإعتمادات المخصصة لها في الميزانية بنسبة بلغت 150% كما تجاوزت وزارة شئون قدامي المحاربين الإعتمادات المخصصة لها في الميزانية بنسبة بلغت 113%. وقد تم سحب هذه الاعتمادات المالية من الهيئات الحكومية مثل مفوضية آرامل الحرب والأيتام التى تلقت فقط 5% من الإعتمادات المخصصة لها في الميزانية ومفوضية حقوق الإنسان التى تلقت فقط 29% من الإعتمادات المخصصة لها في الميزانية وحتى وزارة الزراعة والغابات التى يعمل فيها 80% من السكان تلقت فقط 56% من الإعتمادات المخصصة لها في الميزانية. لا يقوم الجيش الشعبي لتحرير السودان بتقديم معلومات عن الاعتمادات السنوية المخصصة له في الميزانية حتى عندما يطلب منه ذلك رسمياً. في عام 2013م كشفت مراجعة حسابات عام 2008م أن 7 إدارات فقط من 40 إدارة في الجيش الشعبي لتحرير السودان قدمت كشوفات رواتبها بحسب ما هو مطلوب من المراجع العام بعدما طلب منها ذلك مراراً وتكراراُ.
جيش دولة جنوب السودان مؤسسة كبيرة جداً تضم في عضويتها قوات تقليدية وقوات نظامية مدنية منظمة بطريقة عسكرية ومليشيات عديدة من خلال نظام اشراف معقد ومتسع يتطلب تمويل واعتمادات مالية كبيرة للمحافظة عليها. في مرحلة التحول للاستقلال في عام 2011م لم يكن هناك أكثر من ثمانية عشر (18) مجموعة مسلحة تم "إلحاقها" ودمجها في الجيش الشعبي لتحرير السودان. ازداد أفراد كشوفات قوات الأمن من 40,000 فرد تقريباً في عام 2004م ليبلغ 240,000 جندى في الجيش فقط في عام 2011م معززين بإحتياطى مكون من 90,000 فرد مسلح جيداً من القوات النظامية والشرطة وحرس السجون والصيد. أصبح قادة التمرد ضباطاً بمناصب كبيرة في الجيش: كان لدى الحكومة على الأقل 745 ضابطاً بمنصب كبير في عام 2011م كل له قواته التى يشرف عليها. وحتى بفصل 100 ضابط بمنصب كبير في أوائل عام 2013م تعتبر كشوفات رواتب كبار ضباط الجيش أكبر بنود النفقات الحكومية. فعلى سبيل المثال، بين عام 2008م و 2013م تم صرف حوالى 40% من كامل ميزانية دولة جنوب السودان على نفقات الرواتب وقد تم صرف 73% من الميزانية على الأمن و قدامي المحاربين ومعظم هذه المبالغ تم صرفها بدون أدنى رقابة، وذلك بالاضافة لمبلغ 3.97 بليون جنيه جنوب سوداني تم تخصيصها لقطاع الأمن والدفاع وهي تعادل 35% من ميزانية عام 2014/2015م. من النادر جداً أن تقدم وزارات الأمن، الدفاع والداخلية، معلومات عن نفقات الرواتب حتى عندما يضغط عليها المراجع العام، بينما قامت وزارة الداخلية التى تضم الشرطة والسجون والمطافئ بتقديم أقل من 20% من نفقات رواتبها وأقل من 30% من إجمالى نفقاتها و مصروفاتها التشغيلية للمراجعة.
يُظهر الفساد في نفقات رواتب الجيش الشعبي لتحرير السودان مدى تخلخل النظام. تعتبر المحافظة على صرف رواتب الجنود - خاصة الجنود الذين تم دمجهم في الجيش من المليشيات - أمراً ضرورياً واستراتيجياً لأن الفشل في القيام بذلك سيخلق حافزاً قوياً للتمرد. تظهر أهمية "مدفوعات الولاء" في حجم الرواتب المخصصة للجنود، ففي عام 2014م كان جندى المشاة التابع للجيش الشعبي لتحرير السودان يتقاضى 320 جنيه جنوب سوداني في الشهر ( 107 دولار أمريكي تقريباً) بينما تم زيادة راتب العريف في الجيش اليوغندى في عام 2013م ليبلغ 310,000 شلن يوغندي في الشهر (93 دولار أمريكي تقريباً). ورغم اهمية صرف رواتب الجنود فهناك العديد من الحالات التى قامت فيها وزارة الدفاع بتأخير صرف الرواتب وقام فيها القادة باختلاس رواتب الجنود. وبحسب ما أورد الأكاديميون والصحفيون والرئيس سالفا كير، يعتقد أن المشكلة المرتبطة بـ"الجنود الوهميين" أو الجنود الموجودين فقط في كشوفات الرواتب ما هي إلا أداة لتحويل هذه الرواتب لمنفعة ومصلحة ضباط القوات النظامية. أظهرت إدارة المراجعة الداخلية التابعة للجيش الشعبي لتحرير السودان أنه تم إكتشاف 40,000 "جندى وهمي"، وأقر وزير الداخلية علانية بوجود 11,000 "شرطي وهمي" في عام "2013م مقارنة بما يقدر أن هناك 52,000 شرطياً في الخدمة.
خارج الوزارات الأمنية تم اعادة تعيين العديد من القادة العسكريين السابقين في مناصب وزارية أو في القطاع الخاص وكانت النتيجة بحسب وصف معهد السد - وهو مركز أبحاث جنوب سوداني مستقل - "تراتيبية التحرير". في هذه التراتيبية ما يزال ضباط الجيش يشغلون المناصب التى يتم فيها اتخاذ قرارات صعبة وهم يفضلون استخدام مناصبهم العسكرية بدلاً عن المناصب المدنية ويتم التعيين للوظائف على أساس الأقدمية زمن الحرب بدلاً من القدرات التكنوقراطية. وبتولي مناصب مدنية وعسكرية في ذات الوقت يجنح القادة العسكريون السابقون لاستخدام المناصب العسكرية لأنه من السهل جداً لضباط الجيش الشعبي لتحرير السودان السابقين المعينين في مؤسسات غير عسكرية اختلاس اعتمادات ميزانيات تلك المؤسسات حيث يبدو أنهم يقومون بذلك رسمياً. وبحسب ملاحظة مستشار إقليمي "يقوم المستشارون الفنيون بالمساعدة في إعداد اعتمادات الميزانية ولكن يتدخل ضباط الجيش في مكتب الوزير ويقومون بوضع الإعتمادات الفعلية". يشمل هذا التدخل إعادة تخصيص اعتمادات الوزارة التى يشغلونها واستخدام الاعتمادات الأخرى للوزارة في صفقات عسكرية وهمية. في إحدى الفواتير التى تم مراجعتها بواسطة المراجع العام تم تخصيص 1,8 مليون جنيه جنوب سوداني، أو ما يعادل 630,000 دولار امريكي، لشراء صهاريج مياه لوزارة المالية ولكن خطاب التصديق لتسوية الفاتورة أوضح أن الغرض هو تقديم خدمات نقل لوحدات الجيش الشعبي لتحرير السودان.
لم تخضع حكومة جوبا لعقوبات اقتصادية دولية وقد قامت منذ عام 2005م بعقد صفقات مشتريات أسلحة بمبالغ كبيرة في نطاق الميزانيات المعتمدة بما في ذلك شراء دبابات تي - 72 الأوكرانية بتكلفة معلنة بلغت 260,000 دولار أمريكي للدبابة الواحدة. وعلى أية حال، ما تزال مشتريات الأسلحة مرتبطة بماضى تاريخ الجيش الشعبي لتحرير السودان القريب باعتباره جيش حرب عصابات. كانت اجراءات اقتناء الأسلحة إجراءات عشوائية وتتسم بالفساد وبتكاليف مبالغ فيها ومستندات غير سليمة وعدم شفافية. في عام 2014م تم اكتشاف شحنتي أسلحة صينية كبيرة بعد أن حصل أحد المحررين الإستقصائيين من بلومبيرج على صور بواليص الشحن والمستندات الأخرى المرتبطة بالصفقتين التى بلغت قيمتيهما 38 مليون دولار أمريكي وشملت مدافع آلية رشاشة ومنصات اطلاق متفجرات وزخائر ومتفجرات وأنظمة مضادة للدبابات وقد تم شحن هذه الأسلحة في الفترة ما بين مايو ويونيو 2014م.
على أية حال، تمثل مصروفات الأسلحة المعتمدة في الميزانية جزءاً ضئيلاً من الإنفاق العام للتسليح. يعتبر مكتب الرئيس أحد الهيئات المهمة والموازية للوزارات وهو يمتلك ميزانية انفاق عسكري خاصة به. في ميزانية 2013-2014م التى اعدت قبيل اندلاع الحرب الأهلية بقليل، وكما أوردت التقارير فقد تم تخصيص اعتمادات لمكتب الرئيس في الميزانية العامة بلغت 201 مليون جنيه جنوب سوداني (70,35 مليون دولار أمريكي)، وقد قام مكتب الرئيس فعلياً بانفاق 800 مليون جنيه جنوب سوداني (280 مليون دولار أمريكي) أو ما يعادل 297% من الميزانية المعتمدة له. تضاعفت اعتمادات ميزانية الأمن الشخصي للرئيس بمعدل بلغ 10,000% وحتى ميزانية البنود المكتبية النمطية مثل "الأجهزة والمواد والمعدات المكتبية" تضاعفت بعشرة أضعاف الإعتمادات المخصصة والمحددة بـمبلغ 343 مليون جنوب سوداني (15,05 مليون دولار أمريكي). أخبر مصدر لم يسمي نفسه ويعمل في وزارة المالية جريدة سودان تربيون في مايو 2005م بأن إعتمادات بند المواد المكتبية أثار عدة تساؤلات لدى مراقب وزارة المالية وأن الإعتقاد العام أن هذه الإعتمادات تم استخدامها لإخفاء نفقات عسكرية مباشرة. كان الإنفاق المرتبط بمكتب الرئيس يخضع بشكل روتيني لرقابة شكلية، وقد تم بذل بعض الجهود لمتابعة استخدام الاعتمادات المخصصة لمكتب الرئيس.
يشمل المستفيدون من هذه الاعتمادات والمخصصات غير المدرجة في الميزانية معظم قوات الأمن الحكومية وبشكل خاص قوات الحرس الرئاسي التي يقودها الفريق ماريال جانونق يول - المفروض عليه المقاطعة من الولايات المتحدة الأمريكية - والتي تعد بشكل عام القوات الأكثر تجهيزاً بالأسلحة والأكثر ولاء للرئيس سالفا كير. تم الزعم أن تمويل هذه المجموعة يتم مباشرة من ميزانية أمن الرئيس بدلاً من ميزانية الدفاع والأمن. أشارات التقارير أن المليشيات التى يتمويلها بشكل خاص - وخاصة المليشيا التابعة لمثيانق أنيور الأكثر ولاء للرئيس سالفا كير - قد ارتكبت معظم المذابح التى جرت للمواطنين النوير في جوبا. لقد أوردت التقارير أن هذه المليشيا تم تدريبها في أكاديمية بانتيت للتدريب العسكري في أويل وفي مواقع أخرى ومرت عامدة برئاسة الجيش الشعبي لتحرير السودان والمزرعة الخاصة للرئيس كير في لوري قبل الوصول لمدينة جوبا. وقد صرح الرئيس سالفا كير بنفسه في تصريح علني أنه تم إنشاء وتدريب هذه القوات بدون الحصول على أى موارد مالية من الجيش الرسمي وأضاف أنه "يتم إطعامها بواسطة الشعب". وقد قام الرئيس سالفا كير بتبرير استخدامه للمليشيات الخاصة في حديث مقتضب قائلاً: " أنا لو لم أحضر ماثيانق أنيور من بحر الغزال، هل كنا سنكون في جوبا الآن؟". إلى جانب الاعتمادات والمخصصات المالية غير المدرجة في الميزانية اعتمد الرئيس سالفا كير على اللاعبين الإقليميين الآخرين، وعلى وجه الخصوص احتفظت حكومة دولة جنوب السودان بعلاقات عسكرية وثيقة مع يوغندا. يبدو أن قوات الدفاع الشعبي اليوغندية قد قامت بابرام مذكرة تفاهم لنشر قوات عسكرية في دولة جنوب السودان. لقد أقر كبار المسئوليين اليوغنديين بما فيهم الرئيس موسيفينى ووزير الدفاع كيونقا في تصريحات جرت مؤخراً أن قوات الدفاع الشعبي اليوغندية متواجدة في دولة جنوب السودان، وقد أكدت الحكومة اليوغندية انتشار قوات عسكرية تضم 3,000 جندي يتم دفع رواتبها من حكومة جوبا لاستيفاء متطلبات الإنتشار. إضافة إلى ذلك، أوردت التقارير مؤخراً وفي أكتوبر 2014م أن حكومة دولة جنوب السودان تسعى لشراء أجهزة عسكرية من يوغندا.
الإنفاق الحكومي
يكاد أن يكون أى بند من بنود الإنفاق الحكومي مرتبطاً بالتزوير والإهدار وسوء الإدارة. يتم بشكل روتيني ومنتظم ترسية المشتريات والعقود الحكومية لشركات ذات علاقة جيدة مع المسئولين الحكوميين بدون القيام بإتباع الإجراءات السليمة والضروية للمناقصات الحكومية و بأسعار متضخمة ومبالغ فيها وبدون الحد الأدني من المستندات والرقابة. تعتبر مشاريع تشييد الطرق واستيراد السيارات أكبر مصادر لتجاوز بنود الميزانية المعتمدة. خلال سريان ميزانية عام 2012 - 2013م تجاوزت وزارة الطرق والجسور اعتمادات الميزانية المخصصة لها بما يعادل 1513%. أنفقت حكومة دولة جنوب السودان ملايين الدولارات الأمريكية في مشروع توسعة مطار جوبا ولكن لا يظهر للعيان أي نتائج ملموسة. وبحسب مصدر صحفي، وكما في 2015م، قامت حكومة دولة جنوب السودان باقتراض مبالغ اضافية تبلغ 158 مليون دولار أمريكي لمواصلة مشروع توسعة المطار. وقد تحسر الرئيس سالفا كير بشكل علني بأن المشروع "منذ عام 2005م استنزف الكثير من الأموال".
أحد الجوانب السلبية في الإنفاق الحكومي في دولة جنوب السودان هو الانتشار الواسع لتجاهل معايير إعداد التقارير وانعدام توثيق المشتريات بالمستندات المرتبطة بملكية الجهات المستفيدة والشركات المستفيدة والأصول المشتراة وعدم تسجيلها في البلاد. نظرياً، تمتلك دولة جنوب السودان أنظمة وقوانين عديدة سارية المفعول. يتطلب تأسيس شركة جديدة ثلاثين إجراءاً محدداً وهي اجراءات تتجاوز متوسط إجراءات الدول المنضوية في منظمة التعاون والتنمية الدولية بثلاثة أضاعف بما في ذلك الحصول على تراخيص من مسجل الشركات والسلطات المحلية (بيام) ووزارة المالية والغرفة التجارية ووزارة العمل وفتح حسابين مصرفيين على الأقل. نظرياً يجب أن توفر هذه الإجراءات معلومات هامة وتتيح الفرصة للرقابة وضوابط الحيطة والحذر. على أية حال، كانت النتائج مختلفة جداً في أرض الواقع و بكل بساطة أضفت هذه الإجراءات المزيد من الحواجز البيروقراطية. ويتطلب التصديق من مسجل الشركات الحصول على العديد من الموافقات الوزارية وغالباً ما تكون المستندات المتحصل عليها مزورة ويقال أن الأرانيك والنماذج غير متوفرة وأن نماذج الطلبات لا تحتوي أسماء المالكين والمساهمين. إضافة إلى ذلك، يعتقد بشكل عام أن النخب في دولة جنوب السودان بما في ذلك الأفراد المشتغلين بالسياسة يمتلكون بشكل غير موثق أسهماً في الشركات ويتحصلون على عمولات مقابل قيامهم بتسهيل معاملات الشركات. طبقاً لإلتزاماتهم بموجب الدستور الإنتقالي لعام 2011م يجب على جميع المسئولين الحكوميين وشاغلى المناصب الدستورية في دولة جنوب السودان تقديم إقرارات سرية توضح ثرواتهم وأصولهم والتزاماتهم بما في ذلك ممتلكات زوجاتهم وأولادهم. تتطلب مفوضية محاربة الفساد تقديم تقارير افصاح مالي على أساس سنوي. وطبقاً لتصريح المتحدث الرئاسي كان آخر تقرير افصاح مالي قدمه الرئيس سالفا كير قد تم في عام 2012م ولا يمتلك الرئيس حساب مصرفي في داخل أو خارج البلاد. على أية حال، من الصعب جداً التحقق والتأكد من تلك العلاقات المالية ولكنها يمكن أن تقدم للشركات "المحمية" امتيازات تفضيلية للحصول على العقود وحصانه من النظام القانوني. حالياً يطلب من الشركات العاملة في قطاع النفط والمصارف فقط تقديم تقارير افصاح فيما يتعلق بالمعلومات المرتبطة بحقوق الملكية.
يتم وبمستوى كبير استخدام شركات وهمية لتوجيه الموارد المالية للدولة. خلال أزمة انعدام الذرة في الفترة بين 2008 و2009م، سعت الحكومة لتخزين احتياطي من الذرة للتحوط ضد المجاعة. تم ترسية عقود بمبالغ كبيرة في هذا الخصوص ولكن لم يتم أبداً توريد كميات الذرة المطلوبة. وبشكل واضح لم تكن العديد من الشركات المكلفة تمتلك امكانيات توريد كميات الذرة المطلوبة بينما كانت بعض الشركات الأخرى عاجزة وأثارت اهتمام وملاحظة الجهات المسئولة. من المحتمل أن العديد من الشركات المتورطة في عمليات توريد الذرة كانت شركات وهمية تم تأسيسها قبل أيام بل وفي بعض الحالات قبل ساعات من عمليات ترسية العقود.
وكر غسل الأموال
كان اقتصاد دولة جنوب السودان – كما في يوليو 2015م – في وضع متردى، وأدى تراجع ايرادات النفط إلى تقلص كميات العملات الصعبة المتاحة للحكومة بشكل كبير. وبينما بدأت آليات الإقتصاد الحقيقي تنكمش بدأت آليات الإقتصاد الخفي تتوسع. وبلغ الإنفاق العسكري مستويات غير مسبوقة سواء في حد ذاته أو كحصة من الميزانية الحكومية. إضافة إلى ذلك، استمر الفساد في مجال العقود والعطاءات وظهرت العديد من الفضائح المرتبطة بالمشتريات التى تورط فيها وزراء الحكومة وأشارت وسائل الإعلام المستقلة في الفترة ما بين 2014م و2015م إلى العديد من حالات الفساد في مجال المشتريات والعطاءات المرتبطة بقطاع الإتصالات ومشاريع الإنشاءات والتشييد.
قام اللاعبون المتخفون في دولة جنوب السودان بتنويع عملياتهم لتغطي القطاعات الاقتصادية المربحة القليلة المتبقية بطرق ستسبب الأذى الجسيم للإقتصاد على المدى البعيد، كما ستسبب كذلك في الحاق الضرر وتكبد خسائر بشرية كبيرة ومكلفة. أكثر الظواهر التى تم ملاحظتها مؤخراً هي تورط العديد من أفراد النخبة السياسية في العديد من عمليات الفساد في القطاع المالي خاصة في المضاربات في سوق العملات الصعبة بواسطة بعض افراد النخبة من ذوى النفوذ مما أدى الى تراجع قيمة العملة المحلية وتسبب في تنامي التضخم. إن تحويل الدولارات لسوق العملة الموازي أدى إلى ضغط كبير على إحتياطيات العملات الصعبة لدى البنك المركزي. في ديسمبر 2014 م حذر صندوق النقد الدولي حكومة دولة جنوب السودان من أن احتياطيات البنك المركزي لا تكفي لتغطية احتياجات واردات ثلاثة شهور. وكرد فعل لتحذير صندوق النقد الدولي لجأ البنك المركزي للاقتراض وزيادة طباعة العملة المحلية مما أدى إلى إزدياد التضخم. في ذروة أزمة النفط في مايو 2012م أدى تراجع قيمة الدولار الأمريكي إلى تضخم سنوي بمعدل 80% وبعد فترة قليلة من الاستقرار النقدى تراجعت أسعار صرف الدولار الأمريكي مجدداً بسبب الحرب الدائرة حالياً ووصلت إلى ما يقارب 25% طبقاً للإحصائيات الحكومية الرسمية وإلى معدلات أعلى من ذلك حسب التقديرات غير الرسمية. وتضخمت أسعار المواد الغذائية ووصلت أرقاماً فلكية حيث ارتفع سعر الدقيق في المناطق الريفية بمعدلات تجاوزت 300% وأشارات إحصائيات جرت مؤخراً بأن أكثر من 85% من دخل أسرة متوسطة الأفراد ينفق الآن لشراء المواد الغذائية مما يهدد بمجاعة محتملة على مستوى كبير. وقد يستمر هذا التوجه نظراً لقيام البنك المركزي في التوسع في طباعة كميات كبيرة من العملة المحلية. لقد إزدادت معدلات طباعة العملة المحلية بنسبة بلغت 56% في عام 2014م وكان التركيز في طباعة العملة المحلية في الشهور الثلاثة الأخيرة من ذلك العام.
رغم أن القطاع المالي في دولة جنوب السودان ما زال في بداياته إلا إنه توسع بشكل كبير في السنوات الأخيرة وإزداد عدد المؤسسسات المالية. بحلول شهر نوفمبر 2013م كان هناك 28 بنكاً تجارياً مرخصاً قدر صندوق النقد الدولي بأنها تتداول 97% من رأس المال في دولة جنوب السودان، وتشمل هذه البنوك مجموعة من البنوك الأجنبية. أشارات التقارير إلى أن توفر الخدمات البنكية أدى الى تقليل الصعوبات المرتبطة بخدمات التحويلات المالية المشبوهة لأنها توفر للمتعاملين بهذه الخدمات مجالاً واسعاً للوصول للنظام المالي خارج دولة جنوب السودان. توفر خدمات البريد السريع لنقل الأموال الورقية خدمات سريعة وآمنة مقارنة بالتحويلات البنكية وهي متاحة لبعض الناس بدون تقديم اقرارات الافصاح المالي أو القيام بتقديم أى مستندات. إضافة إلى ذلك، فإن بعض البنوك بحسب ما تحتوى قوائم مجالس إدارتها يتم التأثير عليها لمراعاة مصالح النخبة السياسية.
تعتبر المضاربات في العملات أحدى أفضل المعاملات المالية المشبوهة والمتاحة للأشخاص من ذوى النفوذ. رسمياً لم يتغير معدل صرف الدولار الأمريكي منذ الإستقلال وحالياً في عام 2015م مازال الدولار يعادل رسمياً 3.16 جنيه جنوب سوداني. تضخم سعر الصرف في السوق الأسود بشكل كبير خاصة في الشهور القليلة الماضية. خلال زيارة لمدينة جوبا في نوفمبر 2014م كان سعر صرف الدولار الأمريكي في السوق الأسود يقارب 5 جنيهات جنوب سودانية وأشارات التقارير بأن سعر صرف الدولار في مارس 2015م بلغ 9 جنيهات جنوب سودانية بينما تراوح سعره في شهر يونيو 2015م بين 12 إلى 15 جنيه جنوب سوداني. إن أولئك الأشخاص الذين يستطيعون اغتنام الفرصة للمضاربة في العملات يمكن ان يحققوا أرباجاً هائلة، فمثلاً يمكن حالياً صرف الدولار الأمريكي في السوق الأسود والحصول على 15 جنيه جنوب سوداني وبهذا المبلغ يمكن الحصول على 5 دولارات أمريكية بشراءها بالسعر الرسمي بسعر صرف يبلغ 3.16 جنيه جنوب سوداني مقابل الدولار الأمريكي الواحد بربح يبلغ 400%.
اصبحت الصرافات ومكاتب صرف العملات تجارة رابحة في دولة جنوب السودان، وأشارات تقارير صندوق النقد الدولى بأن تدني الرقابة على الصرافات ومكاتب صرف العملات ينطوي على مخاطر كبيرة تتضمن غسل الأموال وتنفيذ صفقات مشبوهة. أوردت وزارة الخارجية الأمريكية أنه من المفترض أن يوزع البنك المركزي بدولة جنوب السودان 1.3 مليون دولار أمريكي أسبوعياً للبنوك التجارية واتضح أنه يتم توزيع 450,000 دولار أمريكي فقط من إجمالي هذا المبلغ ويتم توجيه المتبقي للسوق السوداء. تم اتهام العديد من أفراد النخبة السياسية بامتلاك صرافات ومكاتب صرف عملات خاصة أو لديهم حصص ملكية في الصرافات ومكاتب صرف العملات، وإذا كان هذا الأمر صحيحاً فهو يمثل تضارب مصالح واضح. في إشارة إلى جاذبية هذا القطاع أورد تقرير صدر عام 2014م بواسطة صندوق النقد الدولي أوضح بأن هناك 79 صرافة مرخص لها في دولة جنوب السودان في منتصف عام 2013م وهذا عدد كبير وغير عادي بالنظر لصغر حجم القطاع المالى في دولة جنوب السودان. وللمقارنة، في كينيا هناك 86 صرافة ومكتب صرف عملات مرخص لها رغم أن حجم اقتصاد كينيا يعادل تقريباً خمسة أضعاف حجم اقتصاد دولة جنوب السودان.
خاتمة
إن الصراع الجاري حالياً في دولة جنوب السودان ما هو إلا وسيلة لغاية: وهي اعادة التفاوض لتحقيق توازن السلطة السياسية في البلاد واقتسام الامتيازات الاقتصادية المرتبطة بها. على أية حال، تتطلب الجهود لإنهاء الحرب الأهلية الأكثر عنفاً في دولة جنوب السودان النظر لما هو خلف مدبري الحرب والمتورطين المباشرين والإقرار بالرابط وثيق الصلة بين الفساد المنظم الذى يكتنف هيكل الحكم في دولة جنوب السودان والدوافع التى أدت إلى نشوب الصراع الحالي. حالياً، صعد مدبري الحرب والمتورطين المباشرين ومسانديهم الصراع وساعدهم في ذلك نظام حكم متسلط وفاسد قام بالاستيلاء والسيطرة على جميع موارد الدخل في البلاد. وعلى نطاق النظام السياسي توجد هناك بعض النخب السياسية - المرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالعنف - استمرت في الاستفادة من الحرب بينما يحارب الآخرون الذين تم نبذهم خارج النظام السياسي للتفاوض حول حصصهم وامتيازاتهم المرتبطة باقتسام السلطة والثروة.
يمكن الوصول إلى طريق مأمون للسلام في دولة جنوب السودان لكنه يتطلب الإقرار بالمسببات الرئيسية التى قادت البلاد إلى التدهور السريع والوقوع في مستنقع العنف. تتمثل هذه الأسباب في تحالف نخب سياسية حولت اقتصاد البلاد للمصالح الشخصية وجعلت من السلطة حكم تسلط وفساد وقامت بتسميم النظام السياسي في البلاد. يبدو اليوم أن تفاوض النخب السياسية هو الطريق الوحيد لإيقاف دوامة العنف. لأجل ايقاف دوامة العنف من الضروري تفكيك النظام المتسلط في دولة جنوب السودان وتجفيف الإمتيازات التى خلقها والتى من خلالها تتسرب ثروات وأموال كثيرة لمجموعة محدودة من النخب السياسية. فقط بالقيام باصلاح وإجبار دولة جنوب السودان للقيام فعلياً بخدمة مواطنيها بدل خدمة قادتها يمكن توجيه البلاد فعلياً لسلام دائم ومطرد. تتطلب المعالجة الفعالة للصراع في دولة جنوب السودان التركيز على الدوافع الرئيسية للصراع وبشكل خاص المسببات المختلفة التى تتمثل جميعاً في السلطة المتسلطة الفاسدة والعنيفة في دولة جنوب السودان.
الضغط على الجهات المستفيدة الرئيسية في السلطة المتسلطة والفاسدة بدولة جنوب السودان وتجفيف ثرواتها المالية المستلبة من الدولة هو المفتاح الرئيسي ذو التأثر الكبير في حسم الصراع المسلح الدائر الآن في دولة جنوب السودان. يبدو من المناسب جداً فرض سلسلة اجراءات عقابية من جانب المجتمع الدولي لإيقاف نزيف الحرب. في الغالب يعتبر القادة الميدانيين والاعبين المحليين الآخرين المحصنين نسبياً من ضغوط المجتمع الدولي هم المتورطين المباشرين في العنف. وتشمل دائرة مسانديهم ومناصريهم المسئوليين الحكوميين وضباط الجيش ورجال الأعمال والمستثمرين وكالات ومكاتب تحويل العملات ووكالات الشحن وجهات آخرى لها ارتباط مباشر ووثيق الصلة بالنظام المالي العالمي والتجارة الدولية والاستثمار عبر القارات والتى تتأثر بالضرورة بضغوط المجتمع الدولي. تعتبر هذه الدوائر المتداخلة - حيث تعتمد الصفقات المالية المشبوهة على البنية التحتية للنظام المالي العالمي الشرعي - هي الجهات الأكثر استفادة من الحرب والمرتبطة بالصراع والتى يجب تركيز جهود فرض الإجراءات القانونية والعقوبات والرقابة الدولية عليها.
* مبادرة سنتري هى مبادرة برعاية منظمة كفاية الأمريكية وشركاؤها المساندين C4ADS and Not On Our Watch (NOOW)) و يشرف عليها الممثل الأمريكي جورج كلوني والسيد جورج برندرجاست رئيس منظمة كفاية. تم إعداد التقرير الكامل بواسطة فريق من المحررين الإستقصائيين في يوليو 2015م. الهدف من مبادرة سنتري هو تغيير المحفزات والدوافع المرتبطة بتمويل والتربح من العنف المرتبط والمتولد من ويلات الحروب الأهلية ويقدم دعماً كبيراً لإجراءات المساءلة والمحاسبة كما يوفر رافعة لجهود السلام التى تهدف لإنهاء الصراعات الدامية في أفريقيا.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.