عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

    تمهيد

    هذا الاسم عنوان لمجموعة من ثلاثة كتب تتناول بالتحليل الموضوعي تاريخ وجغرافية والتحولات الديموغرافية لسكان ما يعرف بدولة السودان وهي دراسات - كما ذكر المؤلف - عبارة عن مقدمات عامة تسعى للتعرف على المجتمع السوداني والمؤثرات التى أدت إلى تكوينه عبر العصور. وقد أوضح المؤلف في الكتاب الثاني من المجموعة أنه لكي يتسنى لنا إدراك هويتنا وفهم واقعنا المعاصر فهماً صحيحاً علينا إعادة قراءة تاريخنا بتأن وصبر وللقيام بذلك ينبغى تضافر جهود الباحثين فى التاريخ والجغرافيا والآثار والأنثروبولوجيا والأدب والثقافة وكل ما يتعلق بتراثنا الماضي لكي نتعرف على ذواتنا وربطها بذلك التراث وبتراب هذه الأرض التى احتضنت تراث ورفات أجدادنا منذ القدم.

    تأملات في الهوية

    بعد تعريف وتأصيل مفهوم الهوية والمواطنة – في الفصل الأول من الكتاب الثاني من المجموعة -  تناول المؤلف بالتحليل الموضوعى أصل ومعنى ومفهوم مصطلح "سوداني"  وقدم إجابات رصينة عن السؤال المتكرر والمثير للجدل: هل نحن عرب أم أفارقة؟ كما قدم أطروحات مفيدة ومبتكرة فيما يتعلق بإعادة صياغة وبناء الأمة. وفي إجابته عن السؤال المرتبط بالهوية القومية (السودانية) وكيفية تم اكتساب الهوية الحالية وهل هي هوية زائفة؟ استعرض المؤلف تأريخ وواقع الممالك التى قامت في السودان قبل الحكم التركي (سنار ودارفور والمسبعات وتقلي)  والاحساس بالانتماء العام والهوية المشتركة بينهم.

    الهوية الزائفة

    أوضح المؤلف أنه عندما استقل السودان واجه آباء الإستقلال مشكلة الاسم، ما اسم هذا الكيان السياسي الوليد؟ الإسم الذى وجدوه هو (السودان) ولا صلة لهذا الاسم بأية دولة قامت على تراب هذه الأرض في تاريخها. هل يأخذوا هذا الاسم أم يرجعوا للاسماء التى عرفت في تاريخنا؟ هل يأخذوا اسم سنار أم كوش أم ماذا؟ ويبدو أنهم لم يكونوا قد درسوا الأمر دراسة مسبقة، ولم يعطوه ما يستحقه من الإهتمام إلا عندما واجهتهم المشكلة. وأخيراً رجحت الأغلبية الأصوات التى نادت باختيار اسم السودان، وهو الاسم الذى اختاره الانجليز لمستعمرتهم التى وضعوا حدودها السياسية وأطلقوا عليها اسم السودان الانجليزى المصري، وكانت هناك مستعمرة أخرى فرنسية اسمها (السودان الفرنسي) إلى الغرب من السودان الانجليزي، كانت لا تزال تحمل ذلك الاسم عندما حقق سكان السودان الانجليزي استقلالهم.

    وهكذا اخترنا لدولتنا القومية الاسم الذى اختاره الاستعمار الانجليزي وهو (السودان) بحدوده السياسية التى رسمها الاستعمار الانجليزي. وبحكم مفهوم الدولة القومية التى تربط المواطن بحدود دولته، فقد أصبحنا سودانيين، هويتنا سودانية. من أين جاءتنا هذه الهوية؟ أو من أعطانا هذه الهوية؟ أو كيف اكتسبنا هذه الهوية؟ الإجابة بسيطة وسهلة وهي: الإستعمار الانجليزي. هل نحن فخورون جداً بهذه الهوية؟

     أصل ومعنى ومفهوم مصطلح هويتنا "سوداني"

    استطرد المؤلف قائلاً: دعونا نتعرف على هويتنا في كلمة سوداني التى وصفناها بالزائفة. لماذا أطلق الإنجليز على مستعمرتهم اسم (السودان الانجليزي المصري)؟ ولماذا أطلق الفرنسيون على مستعمرتهم – في غرب أفريقيا – اسم (السودان الفرنسي)؟ كلنا يعلم أن اسم السودان هو المقابل العربي لكلمة (Ethiopians) ذات الأصل اليوناني التى أطلقت على الشعوب ذات اللون الأسود، وأصبحت علماً على كل سكان أفريقيا جنوب الصحراء ما بين المحيط الأطلنطي غرباً والبحر الأحمر والمحيط الهندي شرقاً. وعندما جاء العرب بعد الإسلام أطلقوا كلمة السودان (جمع سود) علماً على كل سكان أفريقيا السود وعرفت بلادهم ببلاد السودان.

    ولذلك، أطلق الفرنسيون على الجزء الذى احتلوه من بلاد السودان اسم السودان الفرنسي. وبعد هزيمة الانجليز للدولة المهدية أطلقوا على مستعمرتهم اسم (السودان الإنجليزي المصري)، فالإنجليز كانوا مسيطرين على مصر، وأدخلوا اسم مصر معهم في حكم السودان لأسباب معروفة. وهكذا أصبح اسم السودان علماً على المناطق التى كانت تحت حكم سلطنات دارفور والمسبعات وتقلي وسنار، إلى جانب مناطق الشمال حتى وادى حلفا ومناطق جنوب السودان.

    وقد ارتبطت كلمة السودان في المصادر والكتابات العربية، في فترة ما قبل الاستقلال، بالرقيق الأسود. فقد عرف العالم في تلك الأوقات الرقيق الأبيض والرقيق الأسود. واشتهر الرقيق الأسود بين العرب، وبخاصة في المناطق الوسطى والجنوبية لشبه الجزيرة العربية، لقربها من سواحل أفريقيا الشرقية، فكان أغلب رقيقهم من من اللون الأسود، ولذلك ارتبط هذا اللون في أذهان العرب بالرق. وأعتقد أن أغلب السكان في سوداننا الحالي – وبخاصة خارج المدن – لم يكونوا على علم بأن الأنجليز أطلقوا على بلدهم هذا الإسم، وربما لم يكن اسم (السودان) يعنيهم كثيراً في بداية الأمر، فكان تعريف المواطن في هذه المناطق – إن احتاج الى ذلك – عن طريق قبيلته أو منطقته، مثل هندندوي، أو حلفاوي.

    وكانت كلمة سوداني في الشمال – جتى بعد العقد الأول بعد الاستقلال وصيرورتها هوية للمواطنين – لا تزال تعني للبعض (الرقيق). فكبار السن من أجيال ما قبل الإستقلال – في الشمال – لم يكونوا متحمسين لتعريف أنفسهم بـ"سوداني" لما تحمله هذه الكلمة من دلالات الرق في مخيلتهم، ولم يكونوا يحبون وصفهم بالسوداني. ولم ير بعض سكان الشمال أنهم يندرجون تحت هذه الهوية (السوداني) رغم تبعيتهم لحدودها الجغرافية فمثلاً كنا نسمع من أهلنا الحلفاويين عندما كنا طلبة في طريقنا إلى مصر في ستينيات القرن الماضي حين يصل قطار الخرطوم إلى حلفا يقولون:"قطر السودان وصل".

    هكذا كان فهم واحساس كثير من سكان شمال السودان بهويتهم الجديدة التى اختارها أولاً الانجليز اسماً لمستعمرتهم ثم اختارها من بعدهم آباء الإستقلال علماً لهويتهم. اسم هذه الهوية الجديدة لم يكن مرغوباً فيه عند البعض ومحتقراً عند البعض الآخر. وكان محور عدم قبول ذلك الاسم هو عدم الاحساس بالانتماء إليه أو بتعبيره عنهم. صحيح أن ألوانهم سوداء، ولكن ليس هذا بالأمر الذى يجذبهم للإنتماء اليه. لم يكونوا يحسون برابط آخر أو صلة أخرى تربطهم بهذا الإسم، وأظن أن موقفهم ذلك يمكن فهمه، فلا يعقل أن تقول لشخص أنت تنتمي الى "السودان" لأن الإنجليز اختاروا هذا الاسم لهذا المكان ولأن لونك أسود كما يدل عليه الاسم. هذا على كل حال ما آراه أنا (المؤلف)، إذ لم ار أي رابط يقنع ذلك الجيل بقبول اسم السودان هوية له، ولو قلنا له سنار أو دارفور أو النوبا أو علوة لوجدنا رابطاً نستند اليه في اقناع ذلك الجيل بما يربطه بالهوية الجديدة التى اخترناها له، لكن (السودان أو السود) ليس فيه ما يربط بالتراث أو ما يقنع أو ما يجذب. هذا كان حال الأجيال حتى منتصف القرن العشرين. فكيف كان وضع جيل ما بعد الاستقلال؟ أنا لا ألوم من اختاروا تلك الهوية، ولا أقصد أنهم لم يحسنوا الإختيار أو لم يبحثوا عن اسم يرتبط بتراث الناس وله صلة قوية بالأرض التى يعيشون عليها، كل ما أوده هو أن أنظر إلى واقع الأمور كما حدثت لمحاولة فهمها في ذلك الوقت ومحاولة التعرف على ما صاحب بروز الهوية (السوداني) من ملابسات ومدى تأثيرها على مفهوم الهوية وقبولها في ذلك الوقت.

    اللامنتمي وانفصام الهوية

    ويقول المؤلف: اقتطعت صفة (سوداني) جزءاً من مفهوم ذى دلالة عامة – وهو السودان الكبير الممتد ما بين المحيط الأطلسي والبحر الأحمر – لتكون هوية لمجموعة صغيرة من ذلك الإمتداد الجغرافي الواسع، وهم السكان الذين كانوا تحت الاستعمار الانجليزي المصري، فأصبح السودان علمأً لدولتنا وهويتنا. قبل الشعب هذه الهوية اقراراً بالأمر الواقع، إذ لم يكن هناك استفتاء أو تداول وجهات نظر أخرى بصورة يشترك فيها سكان المنطقة عامة. لم يكن لهذه الهوية الجديدة عمق زماني يرتبط بالشعب الذي كونته الحدود السياسية بعد الاستقلال. فللسودان عمق زماني ومكاني يرجع الى أكثر من ألفى سنه، لكنه ارتبط بكل سكان افريقيا جنوب الصحراء، فكان علماً لسكانها. فما هي الخصوصية التى جعلت صفة "السوداني" ترتبط فقط بسكان سوداننا الحالي؟ لا أرى أن هناك أي خصوصية، فكل سكان أفريقيا جنوب الصحراء ما بين المحيط الأطلسى والبحر الأحمر يحملون ذلك الاسم ويعرفون بالسودان، ويدين بعضهم بالاسلام ويتحدثون اللغة العربية إلى جانب لغاتهم ودياناتهم الأخرى، كما هي الحال عندنا في الدولة التى تسمت باسم السودان.

    والشعوب الأفريقية جنوب الصحراء عندما استقلت اتخذت هويات خاصة بها عبرت عن خصوصياتها المحلية التى ارتبطت بتراثها وتاريخها، أو بمعالم مناطقها الطبيعية مثل السنغاليين والماليين والنيجيريين والغانيين وغيرهم. والشعبان الوحيدان في أفريقيا جنوب الصحراء اللذان تمسكا باسم السودان – دون خصوصيات محلية – هما شعب السودان الحالي والشعب الأثيوبي. إختار أهلنا الاسم العربي "السودان" واختار أهلنا في اثيوبيا الاسم الأفرنجي لكلمة السودان وهو "أثيوبيا"، مع ملاحظة أن الشعبيين في كلا القطرين لم يشاركا في اختيار هذه الاسم، بل جاء اختياره عن طريق قياداتهما العليا. وعل كل حال، فإنه من الواضح أن اسم السودان لا يحمل شيء خاص بسكان السودان الحالي يميزهم ويؤهلهم أو يميز منطقتهم بأخذ هذا الاسم دون غيرهم من السودانيين ومناطقهم في أفريقيا جنوب الصحراء. فاسم مالي – مثلاً – اختاره السودانيون في تلك المنطقة وأصبح اسماً لدولتهم وهوية لهم لما يتضمنه من عمق زماني ومكاني وارتباطهم بذلك. فاسم مالى يرجع الى المملكة الاسلامية المشهورة، التى ظهرت صورة ملكها على خرائط أوروبا المبكرة كأغنى ملك في العالم. وعندما حقق السودانيون في ما كان يعرف بالسودان الفرنسي استقلالهم عام 1960م اختاروا اسم مالى لدولتهم التى قامت على بعض أراضى تلك المملكة الاسلامية الكبري، فظهرت دولة مالي إلى الوجود. فالمواطنون السودانيين هناك اختاروا اسم مالى لارتباطه بتاريخهم وتراثهم في تلك المنطقة، فهويتهم الجديدة ارتبطت بعمق زماني ومكاني على الأرض التى يعيشون عليها. فالإحساس بالانتماء إلى المكان والارتباط به قوي، مما جعل للهوية مكانة سامية في نفوس المواطنيين يحترمونها ويلتفون حولها. وإذا أخذنا دولة غانا كمثال آخر للسودانيين في افريقيا جنوب الصحراء وكيف بحثوا عن هوية تربطهم بالتراث والتاريخ بعد الاسقلال، نعرف بأن المنطقة التي كانت تعرف بساحل العاج قبل الاستقلال، اختارت اسم غانا: المملكة المشهورة في التاريخ الأفريقي التى سبقت مالى في قيامها وازدهارها. ورغم بعد حدود مملكة غانا القديمة عن منطقة ساحل العاجل إلا أنهم رأوا فيها ارتباطاً بتاريخهم الأفريقي بعمقه الزماني وهو تراث يفتخرون بالانتماء إليه.

    أما الهوية التى اخترناها (السوداني والسودان) فهي ذات عمق زماني ومكاني - كما ذكرنا - منذ أكثر من ألفي سنة، لكن ذلك البعد يتعدى حدودنا الجغرافية ويدخل معنا كل سكان أفريقيا جنوب الصحراء. فنحن نتبع لهوية لا خصوصية لها، لا ترتبط بتراب أرضنا ولا تخلق فينا الإحساس بالانتماء إليها، فهي هوية بلا أصالة. هذا الإحساس بفقدان الأصالة والتراث أدى بالمواطن في سوداننا الحالي إلى البحث عن العمق الزماني والمكاني. قبل المواطن صفة السوداني لكنه وجدها خاوية لا خصوصية لها ولا ارتباط مباشر لها بالمكان وتاريخه وتراثه، ولم يجد فيها ما يشده إلى التراث ويربطه بالأرض، ولم يتضح لها أصل ومصدر الإنتماء. أصبحت الهوية مهزوزة في داخله ولم يحدث الإنسجام الداخلى للمواطن. يرى المواطن التاريخ والتراث أمامه فلا يدري هل تعبر هويته عن ذلك التراث؟ وماهي الصلة بين هويته والمكان؟ هل كون لونه أسود فقط يكفي ليعطيه الإنتماء إلى السود الذين عاشوا على هذه الأرض منذ آلاف السنين؟ برزت مثل هذه الأسئلة في أذهان الكثير من المواطنين، واختلفت الإجابات عليها، واختلفت ردود الفعل الناتجة عن ذلك، وتطور عدم الإنسجام الداخلي تجاه الهوية والشعور بعدم الإنتماء، وبدا ما يمكن أن نصفه بظاهرة انفصام الهوية في التفشي بين كثير من المواطنين، فأصبح المواطن لا منتمياً كما زاد شعوره بذلك الإنفصام.

    عرب أم أفارقة؟

    أورد المؤلف أنه: زاد انتشار التراث المحلي الذي يدعي الانتساب إلى العرب الفجوة بين معنى الهوية وواقع حال المواطن. وازداد توسع الفجوة بانضمام السودان إلى جامعة الدول العربية، فعززت الشعور بالإنتماء إلى العرب، وأصبح أغلب الشعب السوداني يبحث عن هويته وأصوله خارج حدود اقامته. عمق كل ذلك ضعف الإنتماء والإحساس بالهوية الداخلية، وأدى إلى البحث عن الإنتماء إلى بروز التساؤل عند كثير من المواطنين – ما عدا القليل من المناطق – هل نحن عرب أم أفارقة؟ وارتبط الإنتماء في الأذهان بين هذين الخيارين، عربي وأفريقي. وزاد المشكلة تعقيداً عدم الوعي الكامل بمعني أفارقة، أذ أن أغلب الناس يعتقدون أن الأفريقي هو ذو اللون الأسود، ولما كان اللون الأسود يرتبط في الأذهان بالرق – كما وضحنا – فقد أصبحت صفة الأفريقي غير جاذبة، أو قل غير مستحبة، والإنتماء إليها غير مرغوب فيه. وبحث أغلب المواطنين عن الإنتماء بعيداً عنها، وذهبوا تلقائياً إلى الخيار الثاني وهو الانتماء إلى العرب. فإذا كان الإنتماء الى العرب يعني الانتماء إلى الجنس العربي، فإن الإنتماء إلى الأفريقي لا يعنى الإنتماء إلى جنس محدد، لأن الأفريقية ليست جنساً ينتمي إليه. الأفريقي صفة لسكان القارة الأفريقية مثل الآسيوي صفة لسكان قارة آسيا. ففي آسيا الكثير من الأجناس مثل العرب والهنود والصينيين والأتراك وغيرهم. وفيها الألوان الأصفر والأبيض والأسمر، وكلهم آسيويون، وكل منهم ينتمي إلى جنسه الخاص، ولا يوجد جنس آسيوى واحد. وكذلك الأفريقي صفة لسكان القارة الأفريقية الذين يتكونون من أكثر من جنس ولون واحد. فيوجد في أفريقيا الجنس الزنجي، والجنس الذي اصطلح على تعريفه بالجنس الحامي وخليط من هذين الجنسين وغيرهما وتتفاوت ألوان الأجناس في افريقيا، فيوجد اللون الأبيض واللون الأسمر واللون الأسود. فإذا ألقينا نظرة سريعة وعامة على سكان أفريقيا لوجدنا الجنس الزنجي الذي يتميز بقصر القامة وطول الأطراف والأنف الأفطس والشفاه الممتلئة إلى جانب الشعر الشعر الصوفي واللون الأسود. وأعداد الزنوج في القارة الأفريقية قليلة جداً مقارنة بالأجناس الأخرى، وهم محصورون في آماكن قليلة في الغابات الإستوائية. والغالبية العظمي من سكان أفريقيا تتكون ممن يعرفون بالحاميين وخليط من الحاميين والزنوج، وهم الذين يمثلون شعوب مناطق شمال أفريقيا والصحراء الكبرى وشعوب ما بين الصحراء والغابات الإستوائية وجنوبها. وهم متداخلون في كل هذه المناطق، مثل السنغاليين والماليين والنيجيريين والشلك والنوير والدينكا والأثيوبيين والماساى والأمازيغ في شمال أفريقيا والطوارق والزغاوة والمحس والبجا والصوماليين والإريتريين، ولون كل هؤلاء يتدرج بين الأسمر والأسود والأبيض. فالسود والبيض والسمر في أفريقيا كلهم أفارقة ينتمون للقارة، ولهم أجناسهم الخاصة بهم، وسكان السودن أفارقة بوصفهم سكان القارة الأفريقية مثل المغاربة والمصريين واليوغنديين والكينيين والصوماليين، وينتمون إلى الجنس الأسمر الذى سكن منطقة وادى النيل منذ آلاف السنين، وحفظت لنا الآثار المصرية والسودانية القديمة سماته، فالمقابلة ين عرب وأفارقة مقارنة خاطئة، لا ينبغى أن نقول هل نحن عرب أم أفارقة؟ ينبغى أن نحذف كلمة أفارقة ونضع في مكانها اسم جنس مثل حامي أو زنجي أو خليط من هذا وذاك. ويقودنا ذلك إلى البحث عن الجنس الذي ننتمي إليه في افريقيا. ومن الجانب الآخر فإن (سوداني) ليست جنساً، وإنما صفة لأجناس كثيرة يجمعها اللون الأسود، كما أوضحنا سابقاً. نحن في الواقع لا ندري بالتحديد ما ننتمي إليه! وما هي هويتنا؟ وإلى أي جنس ننتمي؟

    البحث عن الجذور وإعادة صياغة وبناء الأمة

    أوضح المؤلف أن البحث عن الإنتماء يعني البحث عن الأصول والجذور، هل لنا جذور على تراب الأرض التى نعيش عليها؟ وما هي؟ ويضيف المؤلف:" يقودنا ذلك إلى ضرورة التعرف على من عاش على تراب هذه الأرض وهل هناك صلة تربطنا بهم؟ وهل تمتد جذورنا إليهم؟ وهذا مبحث آخر استفاض المؤلف في شرحه بمنهجية صارمة في ثنايا الكتب الثلاثة. ولم يقتصر المؤلف على تعريف وتوضيح وتأصيل الهوية بل قدم المؤلف اطروحات لمقاربة دراسة مسار التاريخ في السودان عبر العصور في ثلاث مراحل: 1) المرحلة المبكرة ما قبل عصر كوش، 2) عصر كوش وحتى العصر المسيحي و3) من دخول الاسلام وحتى العصر الراهن. ولمن اراد الإستزادة عليه الرجوع لهذه المباحث في الكتب الثلاثة.

    خاتمة

    لا بد لى من الإشادة بجهد المؤلف المقدر في تأليف هذا السفر العظيم وتناول تاريخ السودان بمنهجية ومقاربة جديدة كما لا بد لى من أن أقرظ تناوله لمسألة الهوية بعمق موضوعي وأصالة علمية فله مني كل التقدير.

    اختطت مجموعة من المفكرين والمثقفين والسياسيين السودانيين – ومنهم الراحل الدكتور جون قرنق – طريقا ثالثاً للهوية أسمته "السودانوية"، ومثلما فند الدكتور أحمد الياس مزاعم الإنتماء للعرب والأفارقة فبنفس المعطيات يمكن دحض مرتكزات مدرسة "السودانوية".

    يجرى الآن تداول مسألة الهوية في مؤتمر الحوار الوطني وإنني أرى أنه لا ينبغى ترك مسألة الهوية للسياسيين فهى أكبر من بطانية السياسة بل ينبغى أن تلتحف مسألة الهوية بلحاف الثقافة وتتوسد زرابي الأكاديميا.

    إننى أوصى كل مثقف وسياسي ومهتم وباحث في الشئون السودانية بمطالعة واقتناء هذا الكتاب لأهميته في تشكيل الوعي بالذات وتأصيل الهوية القومية.

     

    * الدكتور أحمد الياس حسين: يحمل دكتوراة بمرتبة الشرف من قسم التاريخ بمعهد الدراسات الأفريقية – جامعة القاهرة (الأم)، وهو أستاذ مشارك متخصص في التاريخ الإسلامي وزميل قسم التاريخ بكلية التربية – جامعة الخرطوم، وعضو اتحاد المؤرخين العرب، وقام بنشر العديد من الأبحاث في دوريات ومجلات علمية متخصصة، وصدرت له مجموعة من الكتب منها: السودان: الوعي بالذات وتأصيل الهوية (ثلاثة أجزاء).