أسطورة "أمريكا الدولة الوحيدة الفاضلة": وهم أمريكي سخيف لا يمكن تصديقه!!!

بقلم: استيفن إم. والت*

ترجمة: غانم سليمان غانم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
خلال العقدين الماضيين، وصف العديد من الأمريكان المشاهير "الولايات المتحدة الأمريكية" بأنها: "دولة الحرية"، "دولة الإشعاع الثقافي"، "آخر أفضل أمل في الأرض"، "زعيمة العالم الحر" و "الأمة التي لا غني عنها". توضح هذه الأوصاف المجازية لماذا يضطر المرشحون للرئاسة الأمريكية لإضفاء قدسية لعظمة أمريكا. في حملته الانتخابية صرح الرئيس باراك أوباما بأن: "الولايات المتحدة الأمريكية دولة فريدة". وبالرغم من ذلك لا يختلف تفرد الولايات المتحدة الأمريكية عن "تفرد بريطانيا" أو "تفرد اليونان" أو أي دولة أخري تدعى التفرد والتميز عن الدول الأخرى.
إن معظم الادعاءات التي تحكى عن "تفرد الولايات المتحدة الأمريكية" تفترض أن القيم والنظام السياسي والتاريخ الأمريكي متفرد ويستحق الإعجاب والتقدير العالمي، وكلها تزعم بأن الولايات المتحدة الأمريكية مؤهلة ومخولة للعب دور مميز وإيجابي في المسرح العالمي. إن الأمر الوحيد الخاطئ في هذه المزاعم والدور العالمي لأمريكا هو أنه مجرد وهم وأسطورة. وبالرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية لديها بعض الخصائص الفريدة - ومنها نسبة التدين الكبيرة والثقافة السياسية التي تقدر الحرية الشخصية – فإن السياسة الخارجية الأمريكية يقررها بشكل أساسي قوتها النسبية وطبيعة التنافس في السياسة العالمية. إن الأمريكان بتركيزهم على مزاياهم الفريدة المزعومة فإنهميغضون أبصارهم عن أوجه تشابههم مع الآخرين.
الاعتقاد الراسخ  بتفرد الولايات المتحدة الأمريكية يجعل من الصعب على الأمريكيين فهم عدم حماسة الآخرين لاستكباروطغيان الولايات المتحدة الأمريكية الذين دائما ما تزعجهم السياسات الأمريكية ويثيرهم نفاق الولايات المتحدة الأمريكية  فيما يتعلق بامتلاك الأسلحة النووية أو مخالفة النظام العالمي أو ميل أمريكا لإدانة الأخرين بينما تتجاهل هي انتهاكاتها ومخالفاتها الصريحة والواضحة. وللمفارقة، فإن السياسة الخارجية الأمريكية كانت ستكون أكثر فعالية لو أن الأمريكيين كانوا أقل اقتناعاً بمزاياهم وخصائصهم الفريدة المتميزة وأقل فخراً بها. إنما نحتاجه في هذا الصدد، وبشكل مختصر، تقييم نقدى أكثر واقعية لشخصية وممارسات أمريكا الحقيقية. وبهذه الروح أقدم في هذا المقال الأساطير الخمسة الأكثر شيوعاُ عن "التفرد الأمريكي".
الأسطورة الأولي:
هناك شيء استثنائي في "التفرد الأمريكي":
عندما يشير الزعماء الأمريكيين إلى "تفرد" المسئوليات الأمريكية، فانهم يقولون ذلك زاعمين أن الولايات المتحدة مختلفة عن القوى الأخرى وأن هذا الاختلاف يقتضى منهم تحمل أعباء خاصة.
ومع ذلك، ليس هناك جديد في هذه المزاعم المتغطرسة. وبالطبع، فإن الذين يصرحون بهذه المزاعم يسيرن في طريق مبتذل. إن معظم القوى الكبرى اعتبرت نفسها أرفع مقاماً وأكثر تميزاً من نظيراتها وكانت تعتقد أنها تقدم شيئاً مفيداً بفرض خياراتها على الآخرين. كان المستعمرون البريطانيون يعتقدون أنهم كانوا يتحملون "عبء الرجل الأبيض" بينما ادعى المستعمرون الفرنسيون انهم يؤدون "رسالة الحضارة" لتبرير توسعهم الاستعماري. كما أن البرتغاليين الذين كانت أنشتطهم الاستعمارية أقل تميزاً اعتقدوا أنهم كذلك يؤدون نوعاً من "رسالة الحضارة". وكذلك، فإن بعض المسئولين في الاتحاد السوفياتي السابق اعتقدوا بصدق أنهم يقودون العالم إلى جنة الاشتراكية رغم الفظاعات الكثيرة التي ارتكبها النظام الشيوعي. وبالطبع، فإن الولايات المتحدة الأمريكية –بالقياس - أفضل بادعائها الفضيلة من ستالين وورثته. وكان الرئيس أوباما محقاً عندما ذكرنا بأن جميع الدول تفتخر بمزاياها الخاصة.
لذلك، عندما يدعى الأمريكيون بأنهم أكثر تميزاً وتفرداً ولا غنى عنهم، فإنهم ببساطة الأمة الأخيرة التي تتغنى بأنشودة قديمة معروفة. وعندما تعتقد دولة وهى في "نادي الدول العظمي" بأنها متفردة ومتميزة فهذه أمر عادي وليس استثناءً.
الأسطورةالثانية:
الولايات المتحدة الأمريكية تتصرف بشكل أفضل من الدول الأخرى:
تعتمد المزاعم بالتفرد الأمريكي على الاعتقاد بأن الولايات المتحدة الأمريكية دولة فاضلة تحب السلام وترعى الحريات وتحترم حقوق الإنسان وتمارس حكم القانون. ويميل الأمريكيون إلي الاعتقاد بأن دولتهم تتصرف بشكل أفضل من الدول الأخرى وبالتأكيد بشكل أفضل من الدول العظمي الأخرى.
ولو كانت هذه المزاعم حقيقية وصادقة لما كانت الولايات المتحدة الأمريكية الدولة الأكثر وحشية مثل الدول الرديئة والسيئة الأخرى في التاريخ العالمي. إن النظرة المتزنة لسجلها التاريخي تكذب معظم المزاعم حول تميز أمريكا الأخلاقي.
إن الولايات المتحدة الأمريكية كانت أحدي أكثر الدول التوسعية في التاريخ الحديث. لقد بدأت كدولة مكونة من 13 ولاية منتشرة على نطاق الساحل الأمريكي الشرقي ولكنها توسعت تدريجياً على نطاق أمريكا الشمالية لتضم تكساس وأريزونا ونيومكسيكو وكاليفورنيا منتزعة إياهم من دولة المكسيك في عام 1846م. كما إنها استأصلت معظم السكان الوطنيين (الهنود الحمر) وعزلت الأحياء منهم في محميات فقيرة وبائسة. وفى منتصف القرن التاسع عشر أجبرت البريطانيين على الخروج من أمريكا وعززت هيمنتها على الجانب الغربي من أمريكا.
لقد خاضت الولايات المتحدة الأمريكية عدة حروب منذ ذلك التاريخ - مبتدئة عدة حروب منها- وكانت ممارساتها خلال هذه الحروب بعيدة عن القيم والأخلاقيات المتبعة في الحروب. وفى خلال احتلالها لدولة الفلبين (1899م-1902م) أبادت أمريكا حوالى 200-400 ألف فلبيني معظمهم من المدنيين. كما قامت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها بقصف حوالي 305,000 مدني ألماني و 330,000 مدني ياباني من خلال حملات قصف جوية بزعم قصف مدن الأعداء. وليس من عجب أن يقول الجنرال كيرتسليماي، الذى قاد حملات القصف بالقنابل على اليابان، لأحد مساعديه: " لو خسرت أمريكا الحرب، كان يمكن أن يحاكمونا كمجرمي حرب". لقد ألقت الولايات المتحدة أكثر من 6 ملايين طن من القنابل خلال الحرب الهندية الصينيةمشتملة عدة أطنان من قنابل النابالم الحارقة والقنابل المشَوِهة الأخرى وهي مسئولة بشكل مباشر عن موت العديد من المدنيين الذين يقدر عددهم بحوالي مليون نفس ماتوا بسبب تلك الحرب.
ومؤخرا قام ثوار الكونترا في نيكاراجوا المدعومين بواسطة أمريكا بقتل حوالي 300 ألف مواطن نيكاراجوي، وهي نسبة من السكان تعادل قتل حوالى 2 مليون أمريكي. إن الغزو العسكري الأمريكي أدى بشكل مباشر أو غير مباشر إلى قتل 250 ألف مسلم خلال الثلاثين سنة الماضية (وهذه تقديرات منخفضة لا تشمل الموتى بسبب المقاطعة الاقتصادية للعراق في تسعينيات القرن الماضي) وذلك لا يشمل 100 ألف عراقي مسلم ماتوا بعد احتلال العراق في عام 2003م. وفى الوقت الراهن، تلاحق الطائرات بدون طيار والقوات الخاصة الأمريكية أشخاص مشبوهين بالإرهاب في أكثر من خمس دول وقتلت عدداً غير معروفاً من المدنيين الأبرياء في هذه العمليات. وبعض من هذه العملياتتمت بزعم أنها كانت ضرورية لجعل الأمريكان وأمريكا أكثر ازدهاراً وأمناً. وربماقد يعتبر الأمريكان مثل هذه العلميات غير مبررة لو هاجمت دولة أجنبية أمريكا،  ونادراً ما قام أي سياسي أمريكي بانتقاد هذه العمليات، وبدلاً من ذلك يتساءل الأمريكان: "لماذا يكرهوننا؟".
تتحدث الولايات الأمريكية كثيرا عن حقوق الإنسان والنظام العالمي وهي قدرفضت توقيع معظم المعاهدات والمواثيق المرتبطة بحقوق الإنسان،كما إنها ليست عضواً في محكمة الجنايات الدولية وكانت طوال الوقت تساند وتدعم الحكام المستبدين، (تذكروا صديقنا حسنى مبارك!!)، الحافلة سجلاتهم بانتهاكات حقوق الإنسان. وإذا كان ذلك ليس كافياً، فإن الانتهاكات في سجن أبو غريب واعتماد إدارة الرئيس جورج بوش على أخذ الاعترافات القسرية والتوقيف الاستثنائي والتوقيف التحوطي يجب أن يهز قناعة أمريكا بأن تصرفاتها منسجمة مع الأخلاق الرفيعة.
لم تقم الولايات المتحدة على الإطلاق باستعمار أراضي واسعة فيما راء البحار أو تسببت في موت الملايين من خلال تخبط الحكام المستبدين في مشاريع مثل "مشروع القفزة الكبيرة للأمام" الذى نادي به الزعيم الصيني ماو تسىتونج أو "مشروع النهضة الجماعية" الذى نادي به الزعيم السوفيتي ستالين.وبالنظر للقوة الجبارة التي كانت تحت تصرف أمريكا في معظم سنوات القرن الماضيفبالتأكيد قامت واشنطن بأسوأ من ذلك: حيث قام قادة أمريكا بالتصرف بما اعتقدوا أنه واجب التنفيذ عندما واجهتهم الأخطار الخارجية ولم يلقوا بالاً للقيم والمبادئ طوال الوقت. إن الفكرة المرتبطة بأن أمريكا دولة فاضلة وفريدة قد تكون مريحة نوعاً ما للأمريكيين ولكنها في واقع الأمر سيئة جداً وغير صحيحة.
الأسطورةالثالثة:
نجاح الولايات المتحدة الأمريكية يعزى لعبقريتها الفذة:
لقد حققت الولايات المتحدة الأمريكية نجاحات كبيرة وباهرة، ويميل الأمريكيون إلى عزو نهضتهم وصعودهم كقوة عالمية عظمي باعتباره نتيجة مباشرة لبعد النظر السياسي للآباء المؤسسين، ومزايا الدستور الأمريكي والأولويات المرتبطة بالحرية الفردية والعمل الخلاق والبديع للشعب الأمريكي. ويعتقد الأمريكيون أن الولايات المتحدة الأمريكية تتمتع اليوم بوضع عالمي استثنائي بسبب أنها دولة فريدة.
لا يوجد هناك مثقال ذرة من حقيقة في هذه الرؤية للتاريخ الأمريكي، لأنه ليس من الصدف أن جاء المهاجرون إلى أمريكا في موجات بحثاً عن الفرص الاقتصادية و أن أسطورة "بوتقة الانصهار" سهلت صهر ودمج كل موجة من الأمريكيين الجدد. في حقيقة الأمر، تستحق الإنجازات العلمية والتكنولوجية الأمريكية المدح والإشادة ويرجع جزء منها لانفتاح وحيوية النظام السياسي الأمريكي، لكن نجاحات أمريكا السابقة ترجع بشكل كبير إلى الحظ وليس لأى مزية أمريكية فريدة. كانت الدولة الجديدة محظوظة لأن القارة كانت محبيه بالعديد من الموارد الطبيعية وبالأنهار المهيأة للملاحة، وكانت أمريكا محظوظة لأنها تأسست بعيداً عن القوي العظمي حينذاك، وكانت أكثر حظاً لأن السكان المحليين كانوا أقل تطورا وأكثر قابلية للأمراض الأوروبية. كان الأمريكيون محظوظين لأن الدول الأوربية العظمي كانت في حروب أثناء معظم فترة ولادة أمريكا مما ساعد بشكل كبير على توسعها في القارة، وقد تعززت هيمنتها بعد أن خاضت الدول العظمي الأخرى حربين عالميتين مدمرتين. إن هذا السرد لنهضة أمريكا لا ينفى أن الولايات المتحدة الأمريكية قامت بالعديد من الأشياء الصحيحة ولكنه يبين كذلك أن المكانة الحالية لأمريكا ترجع بشكل كبير إلى الحظ الطيب وليس لـ "عبقرية خاصة" أو "هدف واضح".
الأسطورةالرابعة:
الولايات المتحدة الأمريكية مسئولة عن معظم الخير في العالم:
الأمريكان مغرمون بالإشادة وبمدح أنفسهم فيما يتعلق بمساهمتهم في التطورات الإيجابية في العالم، وكان الرئيس الأمريكي بيل كلنتون يعتقد بأن الولايات المتحدة الأمريكية لا غني عنها فيما يتعلق بـ "إقامة وتوطيد العلاقات السياسية المستقرة". كما أن صامويل بي. هنتنجتونالأستاذ المتخصص في العلوم السياسية بجامعة هارفارد كان يعتقد أن "التفوق العسكري الأمريكي أمر أساسي بالنسبة لـ" مستقبل الحريات والديمقراطية واقتصاد السوق والنظام العالمي على مستوي العالم"، ومضى الصحفي ميشال هيرش إلى أبعد من ذلك في كتابه: "الحرب مع أنفسنا"، بقوله إن دور أمريكا العالمي " أكبر هبة حصل عليها العالم في العديد والعديد من القرون وربما في جميع حقب التاريخ المسجل". وتركز العديد من الكتابات الأكاديمية، مثل كتاب توني اسميث: "رسالة أمريكا" وكتاب جي. جون ايكنبرى: "الدولة الليبرالية"، على إسهام أمريكا في نشر الديمقراطية والترويج لعالم ليبرالي حر. وبالنظر إلى القادة الأمريكان الخمسة الأكثر شهرة فليس من العجب أن يرى الأمريكيون دولتهم باعتبارها القوة العظمي الإيجابية بالنسبة لشئون العالم.
مرة أخري، هناك إضافة لهذا المسار من الجدال ليست كافية لأنه تجعله صحيحا بشكل شامل،حيث يدعى الأمريكان بأن لولايات المتحدة الأمريكية قامت بإسهامات غير منكورة بالنسبة للسلام والاستقرار العالمي خلال القرن الماضي، ويشمل ذلك خطة مارشال الاقتصادية لدعم أوروبا بعد الحرب العالمية، وابتكار وإدارة نظام بريتونوودز المتعلق بالنظام النقدي العالمي، ودعمها المتكلف للمبادئ الأساسية للديمقراطية وحقوق الإنسان، وتواجدها العسكري المعزز للاستقرار في أوروبا والشرق الأقصى. ولكن الاعتقاد بأن كل الأمور الخيرة تنبع من "حكمة واشنطن" يتجاوز إسهامات أمريكا بشكل كبير.
وبالرغم من إن الأمريكيين الذين شاهدوا فيلم "إنقاذ العريف ريان" وفيلم "باتون" قد يستنتجون أن الولايات المتحدة الأمريكية لعبت دورا أساسياً في هزيمة ألمانيا النازية  لكن معظم القتال كان في أوروبا الشرقية وقد تحمل الاتحاد السوفيتي معظم العبء في دحر ماكينة هتلر الحربية. وبالرغم من أن خطة مارشال الاقتصادية وحلف الناتو لعبا دورين مهمين  في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية فإن الأوربيين يستحقون معظم الثناء لقيامهم بإعادة إعمار بلدانهم وإقامة نظام اقتصادي وسياسي جديد وتجاوز أربعة عقود من العداوة والخصومة المريرة.
ويميل الأمريكيون إلى الاعتقاد بأنهم كسبوا الحرب الباردة بقدراتهم ومقدراتهم وهي نظرة تتجاهل إسهامات خصوم الاتحاد السوفياتي الآخرين والمنشقين الشجعان الذين بمقاومتهم للحكم الشيوعي حققوا " الثورات المخملية" في عام 1989م.
أضافة إلى ذلك، وبحسب ما ذكر جوود فري هودجسن في كتابه الموضوعي: "أسطورة التفرد الأمريكي"،فإن انتشار الأفكار اللبرالية هو ظاهرة عالمية تمتد جذورها إلى عصر التنوير وقد قام الفلاسفة والقادة السياسيين الأوروبيين بجهد كبير في تطوير الفكر الديمقراطي. كما أن محاربة الرق والجهد المتواصل لتحرير المرأة يرجع الفضل فيه إلى بريطانيا والدول الديمقراطية الأخرى أكثر من الولايات المتحدة الأمريكية حيث أن تطورها في هذين المجالين يأتي في ذيل العديد من الدول الأخرى. ولا يمكن للولايات المتحدة الأمريكية الادعاء اليوم بقيامها بدور قيادي عالمي في مسائل العدالة الجنائية أو العدالة الاقتصادية حيث تبنت أوروبا هذه المسائل سابقة الجميع.
على كل، فإن أي تقييم أمين لمنجزات نصف القرن الماضي يجب أن يقر بتراجع التفوق الأمريكي. لقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية المنتج الرئيس للغازات الصناعية في السنوات المائة الأخيرة وبذلك هي المسبب الأكبر للتغيرات السلبية في المناخ والبيئة العالمية. ووقفت الولايات المتحدة الأمريكية في الجانب الخاطئ بالنسبة للصراع الطويل في مكافحة التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا. كما دعمت وساندت العديد من الحكام المستبدين الطغاة – بما في ذلك صدام حسين – عندما أملت عليها المصالح الاستراتيجية الآنية قصيرة الأجل ذلك. قد يكون الأمريكيون فخورين بدورهم في القيام بإنشاء والدفاع عن دولة إسرائيل ومكافحة العداء العالمي للسامية، ولكن سياستها الأحادية أطالت معاناة الفلسطينيين وأخرت إقامة دولة فلسطين ودعمت الاحتلال الإسرائيلي الوحشي لغزة.
يفخر الأمريكيون كثيراً بدورهم بالنسبة للتطور العالمي و لا يتقبلون اللوم بالنسبة للمجالات التي فشلت فيها السياسة الأمريكية. إن الأمريكيين يغضون النظر عن نقاط ضعفهم وممارساتهم التي انطوت على نتائج سالبة على العالم. تَذَكْر أن المسئولين في وزارة الدفاع الأمريكية كانوا يعتقدون أن القوات الأمريكية سيتم استقبالها في بغداد بالزهور وبالمواكب المؤيدة وبدلاً عن ذلك تم استقبالهم برشاشات "الآر بي جي"والسيارات المفخخة.
الأسطورةالخامسة:
الرب يساندنا ويقف إلى جانبنا:
أحد أهم العناصر المهمة في أسطورة "التفرد الأمريكي" هو الاعتقاد بأن الولايات المتحدة الأمريكية لديها رسالة إلهيه مقدسة لقيادة بقية دول العالم. ادعى الرئيس السابق رونالد ريجان في احدى خطبه الجماهيرية: "إن هناك إرادة إلهيه" جعلت أمريكا هنا، وفى مرة أخري استشهد بقول البابا بيوس الثاني عشر: "لقد وضع الله في أيدي أمريكا مصائر البشر المعذبين". وفى عام 2004، صرح الرئيس بوش قائلاً: "سمعنا نداء من فوق السموات السبع للدفاع عن الحرية". وتم التعبير عن نفس الفكرة، ولو بأسلوب غير مهذب نوعا ما، في النكتة الساخرة لأتو فون بسمارك: " بأن الله له عناية خاصة بالحمقى والسكارى والولايات المتحدة الأمريكية".
الثقة مزية لا تقدر بثمن لأى دولة ولكن عندما تبدأ دولة ما في الاعتقاد بأنها تتمتع بتفويض الهي مقدس وتعتقد بأنهالن تفشل أو تقاد إلى الضلال بواسطة الأوغاد والأشخاص غير المؤهلين،فعندئذٍ تتراجع تلك الدولة بسرعة رهيبة. لقد انهارت اليونان القديمة وفرنسا النابليونية واليابان الاستعمارية والعديد من الدول الأخرى بسبب مثل هذه الثقة الزائدة والمفرطة بالنفس وبنتائج كارثية.
وبالرغم من إنجازات ونجاحات أمريكافهي مع ذلك دولة غير محصنة ضد الانتكاسات والحماقات والأخطاء الفاضحة. وإذا كان لديكم شك في ذلك فتذكروا كيف أن السياسات الخاطئة بالنسبة لتخفيض الضرائب وحربين مكلفتين وغير ناجحتين (حروب العراق وأفغانستان) والأزمة المالية الأخيرة، التي حركها جميعا الجشع والفساد، أدت إلى اهتزاز وتضعضع مكانة الولايات المتحدة الأمريكية التي اكتسبتها بنهاية القرن العشرين. وبدلاً من أن يفترض الأمريكيون أن الرب يساندهم ويقف إلى جانبهم كان من المتوجب عليهم تنفيذ وصية الرئيس إبراهام لنكلون التي تقول: "ينبغي أن يكون اهتمامنا الكبير متركزا في هل نقف نحن إلى جانب الرب؟".
بالنظر إلى العديد من التحديات التي يواجهها الأمريكيون اليوم والتي تشمل مستويات العطالة الحالية غير المسبوقة وعبء إنهاء حربين مكلفتين، فمن المستغرب حقاً أن يجد الأمريكان أن فكرة تفردهم أمراً مريحاً وأن يدعي قادتهم السياسيين المتطلعين ذلك بحماس متزايد. إن هذه الروح الوطنية لها نصيبها من الفوائد والمنافع ولكن ليس عندما تقود إلى عدم فهم دور أمريكا في للعالم، وهذه الروح  تؤدي إلى إصدار قرارات وسياسات جانحة وطائشة تماماً.
للولايات المتحدة الأمريكية خصائصها الذاتية المميزة مثلها مثل بقية الدول الأخرى ولكنها مع ذلك تظل دولة رهينة لنظام عالمي تنافسي. إن الولايات المتحدة الأمريكية أكثر قوةً وغنيً مقارنة بالعديد من الدول، كما أن وضعها الجيوسياسى متميز جداً. هذه المزايا والخصائص تعطي الولايات المتحدة الأمريكية نطاقاً واسعاً من الخيارات لممارسة الشئون الخارجية ولكنها لا تضمن أن تكون هذه الخيارات جيدة. وبدلاً من أن تكون الولايات المتحدة الأمريكيةدولة متفردة تتمتع بسلوك مغاير ومختلف عن سلوك الدول العظمي الأخرى، فإنها تتصرف كمثل بقية الدول الأخرى متبعة مصالحها الذاتية أولاً وتبحث - فى الغالب - عن تحسين وضعها ومكانتها طوال الوقت وتكرس قليلاً من الجهد والمال للقيم المثالية البحتة. ومع ذلك فمثلها مثل الدول العظمي السابقة أقنعت الولايات المتحدة الأمريكية نفسها بأنها متفردة وأفضل من أي دولة أخري.
السياسة الدولية هي لعبة تماس واحتكاك، ولذلك حتى الدول العظمي ينبغي أن تسعي إلى التوفيق بين مبادئها السياسية لمصلحة الأمن والازدهار.إن الوطنية قوة جبارة وهي بلا شك تعزز فضائل البلاد وتحلي جوانبها الأقل إشراقا.ولكن إذا أراد الأمريكان التميز والتفرد يجب عليهم إعادة النظر في فكرة "التفرد الأمريكي" بنظرة أكثر موضوعية.
* استيفنام. والت، محرر مشارك في مجلة شئون خارجية الأمريكية، وهو أستاذ متخصص في الشئون العالمية بجامعة هارفارد ومدرسة كينيدي لشئون الحكم.