عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

نوندينق بونق – متنبئ النوير – ولد فى أربعينيات القرن التاسع عشر (1840م) وتوفي فى عام 1906م وهو ينتمي إلى بطن من بطون "نوير بول" القاطنين غرب أعالي النيل (ولاية الوحدة). هاجر أبوه بونق من منطقة "نوير جيكاني" قبل 200 سنة إلي ولاية أعالي النيل الحالية التي ولد فيها نوندينق وتنتمي والدة نوندينق إلي "نوير اللاو" (المقيمين بمنطقة جونقلي). نوندينق هو الابن الوحيد لأم كانت عقيمة لفترة طويلة.

 

أدعي نوندينق الذي يعني اسمه "هبة الرب" أنه نبي مرسل من الرب وأكد بأنه ليس برب أو إله. كما ادعي بأن له اتصال مباشر مع الرب وقد ظهر ذلك من خلال سلسلة من الرؤى  التي سوف تحدث لأهل السودان وبخاصة أهل جنوب السودان، وقد ادعي كذلك بأنه كان يلبس نظارة الرب لمشاهدة المستقبل عندما قال فى أغانيه بلغة النوير: "جوك مي كا كام نيني وانجي يينق"، بما يعني: "النبي الذي مُنِحَ نظارة الرب". وكان نوندينق يؤمن بالرب الذي يسميه النوير "دينق تاث"، إله الخلق، والمعروف روحانيا بـ " كوث". وقد تنبأً بدخول المسيحية إلي الجنوب كديانة جديدة ستحل محل الديانات القديمة. كان نوندينق يستخدم العصا وقد قام باستخدامها كرمز لسلطته الدينية (الروحانية). وهناك أسطورة شائعة بين النوير تقول بأنه فى ذات مرة استخدم عصاه لمنع القوات البريطانية من الوصول إلى مكان إقامته. ويزعم كبار النوير بأنه متى ما رفع نوندينق عصاه علي أية قافلة وقوات بريطانية تمتطي الخيول فإن الخيول تثبت و تتوقف عن السير حتى يحل الظلام ومن ثم تعود إلي قواعدها.

 

عرف نوندينق بمساعيه وجهوده فى صنع السلام وقد نجح فى إيقاف الحملات العدوانية والمذابح بين النوير وجيرانهم من قبائل الدينكا والمورلي والشلك والبورون والأنواك حتى وفاته فى عام 1906م. كثير من أبناء جيله ومعاصريه لم يؤمنوا بنبوته ونبوءاته ولكن بعضهم بدأ يؤمن بما قال لهم عندما شاهدوا النبوءات تتحقق أثناء حياتهم. ونظراً لأن النوير فى ذلك الوقت كانوا يعتقدون بأنهم الشعب الوحيد الذي خلقه الله فى الأرض إلي جانب القبائل المجاورة لهم فقد اعتبروا نوندينق كاذباً عندما أخبرهم بان الرجل الأبيض سيأتي ويقيم معهم فى أرض النوير. اتهمه احد معاصريه بتضليل الناس بأكاذيبه الشائنة وقد اخبر نوندينق ذلك الشخص بأنه سيكون أول من سيشهد مجيء الرجل الأبيض. وللمفارقة فقد أصبحت ابنة ذلك الرجل لاحقاً أول امرأة من النوير يتزوجها بريطاني عندما جاء البريطانيون إلي السودان بعد رحيل نوندينق.

 

تنبأ نوندينق بالعديد من الأحداث المستقبلية بالنسبة لعلاقات الشمال والجنوب والمصير السياسي والاقتصادي لمواطني جنوب السودان، كما تنبأ بالعديد من الصراعات والحروب بين القبائل فى جنوب السودان وقد تنبأ نوندينق بأحداث معينة حدثت خلال الفترة الممتدة من انتفاضة الجنوب فى عام 1955م وحتى وقتنا الراهن. وأشار نوندينق إلى صراعات مؤقتة بين بطون قبيلة النوير وبينها وبين القبائل الأخرى وحتى بين بطون تلك القبائل.

 

ومن نبوءاته الخاصة بالعلاقات بين الشمال والجنوب تنبأ نوندينق بأن جنوب السودان سيصبح يوماً ما دولة مستقلة يعيش شعبها فى رخاء ورفاهية. وتنبأ بل رفض استخدام علم السودان وعلم الجنوب فى الأهزوجة التي تقول بلغة النوير: "كا بيرا دي مات كني بير رول" والتي تعني: "يجب عدم استخدام علمي مع علم الشمال". وتنبأ نوندينق بولايات الجنوب العشر عندما قال بلغة النوير سيكون هناك: "ويي وال" وهذا يعنى بلغة النوير إما عشر ولايات أو عشرة دول لأنه لا يوجد فصل فى لغة النوير بين الولاية والدولة. وفى كيفية حدوث استقلال الجنوب فقد زعم نوندينق بان طريق الاستقلال سيكون مؤلماً تكتنفه حروب طويلة وينتهي بحرب قصيرة يهزم فيها الـ "الرول ماك"  (الشمال) عسكرياً. و"الرول ماك" تعني حرفيا بلغة النوير: "الناس الملونين الذين يحملون البنادق". وتنبأ نوندينق بمصير دولة السودان حيث توقع انهيار وتفكك الدولة حسبما ذكر فى أهزوجته بلغة النوير: "كانجو با لياك نكو أي با دي كي رت بنيو اوا جات كول دينج شيا نين كار كواس هة سي دينج بين"، والتي تعني: "يوم أن يتم قتل المرأة الحامل بالتوأمين ويبقر بطنها ويخرج التوأمان يا بني كول دينج الذين كنتم نائمين ولا تعرفون أن الرب قد تنزل وقتئذٍ"، والمرأة الحامل بالتوأمين قد تكون إشارة إلي حكومة الوحدة الوطنية الحالية.

 

وتنبأ نوندينق بحدوث مذابح فى العاصمة الوطنية الخرطوم  فى الأيام الأخيرة التي تحدد مصير السودان عندما قال بلغة النوير: "رول خرتوم بار، رول باجانق وانج دي لوني ريم مواك وي يا؛ مادا ني كور"، والتي تعني: "عندما أري الخرطوم تنهمر الدماء من عيني عندها سيصبح أصحابي متوحشين". وأشار فى أغنية أخري إلى أن الحروب الأهلية سوف تعم البلاد عندما قال بلغة النوير: "ويك أي نينو مو بي ريم مي وي كاو أي بي بيري مول، بي بار كي ثيل ويك" والتي تعني: "الأرض التي تراها سوف تعمها حمامات الدماء التي ستفيض  في ربوع البلاد كما لو أنه لا توجد دولة هناك".

 

وفيما يتعلق برفاهية ورخاء جنوب السودان فقد زعم نوندينق بان: "جنوب السودان سيكون مثل البقرة الحلوب التي لا نفع منها بسبب الحروبات وحذر الناس من أنه حتى لو كانوا داخل (المدن أو المناطق المحمية بواسطة الحكومة) أو فى الريف (القرى والغابات أو المناطق التي يسيطر عليها المتمردون) لن تسير الأمور علي ما يرام فى الحالين". حيث قال بلغة النوير: "مي تا ريك سي بي جوا كا ويا رار مي سيا ثوك، جوك ثيانق دينج سي جات كاكي بي كام، كا يانج كور" والتي تعني حرفياً: "إذا أقمتم داخل المدن لن تسير أموركم علي ما يرام وان أقمتم خارج المدن سوف تموتون لأن لبن البقرة لن ينعم به الأطفال: لقد أصبحت بقرة حرب". وفى أهزوجة أخري تنبأً برخاء دولة جنوب السودان بعد الاستقلال برؤية الأرض الخضراء ذات المحاصيل الوفيرة عندما قال بلغة النوير: "ويك مي سي بيلي تانج تول: والتي تعني:" أن محاصيلها الزراعية ستكون وفيرة وثقيلة حتى أنها ستحطم عيدانها وسيقانها".

 

علي كل، يجب ان لا تعتبر هذه النبوءات من المسلمات أو أنها ستتحقق حتماً. لقد قمت باستعراض نبوءات المتنبي نوندينق فقط بغرض تفهم الأنثروبولوجيا الاجتماعية وفولكلور قبيلة النوير. 

 

 

* ترجمة بتصرف من مقال بقلم الأستاذ/جاتكوث دينق بعنوان: "مذاكرة بعض نبوءات نوندينق" نشر فى موقع سودان تربيون بتاريخ 27/8/2009م.