أمام منصة ترأسها البروف محمد المهدي بشرى و على يساره الأستاذان عـزالدين ميرغني و مصطفى الصاوي و بحضور مميز و نوعي جرى تدشين رواية السفير جمال محمد إبراهيم الجديدة ( دفاتر القبطي الأخير ) و ذلك أمسية الخميس 8 /12 بالنادي الدبلوماسي العريـق و الأنيـق .
بطل الرواية الحقيقي هو الدبلوماسي القبطي النابه الراحل ماريو أوتو أنطون الذي انتقل للدار الآخرة في أوائل التسعينيات بعد صراع طويل و مرير مع المرض في بكين و القاهرة - ولا غرو فإن معظم الحضور كانوا من قبيلة الدبلوماسيين وفاءاً لزميلهم المهذب و الخلوق و إحياءاً لذكراه .
الأستاذ عزالدين ألمح في كلمته إلى أن تفاصيل حياة ماريو الحقيقية( عزيز في الرواية ) و سيرته المهنية و ظروف مرضه و الطريقة التي تناولتها الرواية بها ينبغى ألاّ تؤثر على التقييم الفني للرواية كما إن إشارة الكاتب في مثل هذه الروايات إلى أنه إذا حدث بعض التطابق بين شخصيات الرواية مع شخصيات آخرين أمر لا معنى له لأن عالم الرواية بطبيعته ينبغي أن يختلف عن عالم الواقع .
و من ناحية أخرى فقد اتفق الأستاذ عز الدين مع كاتب هذه السطور بأنه كان من الجائز أن يطلق على الرواية إسم ( مأساة عزيز ) مثلاً لما جاء فيها - خاصة في صفحاتها الأخيرة - من أحداث اتسمت بكثير من خيبات الأمل و الحسرة و الحزن الشديد لبطلها عزيز .
قدمت الرواية معلومات قد تكون جديدة بالنسبة لكثيرين من الذين اطلعوا عليها عن تأريخ الأقباط عامة و عن تأريخهم الاجتماعي في السودان و بأم درمان على وجه الخصوص وعن درجة انصهارهم و اندغامهم في المجرى الرئيسي لحياة بقية سكان ( مدينة التراب ) و قدمت لنا معارف جديدة عن حضارتهم وأسلوب حياتهم في أحياء المسالمة و الركابية و حي العرب – كما قدمت شواهد حيّة عن مشاركة عدد من قادة الطائفة في الحياة السياسية و الاجتماعية بالإضافة لبروز أعداد منهم في كثير من المهن الرفيعة - ربما منذعهد الخليفة التعايشي الذي عين أحد شخصياتهم البارزة " مستشاراً ماليا " له كما خصص لهم حيّاً في أم درمان عرف ب ( المسالمة ) .
في تقديري أن الثيمة الرئيسية للرواية هي ( التسامح ) كما عبرت – و تعبر به – أم درمان و قد ذكر لنا جمال في ثنايا الرواية كيف أن قبيلتين سودانية مسلمة و هندية بوذية قد اتفقتا على مراسم زواج بين إبن الأولى و كريمة الثانية بدون خلافات كبيرة .
و قبل اصابته بالمرض العضال فإن أحد أعمام بطلة الرواية ( زينب ) قد وقف حائلاً دون اتمام زواجها ب ( عزيز ) على أساس ديني لكن بالرغم من هذا الاعتراض فإن ( التسامح ) يبقى هو السمة الغالبة في ( مدينة التراب ) حيث تجد إحدى الكنائس تجاور مسجد الحي كما ورد في الرواية .
و في ظني أن جمالاً - بتكرار صفة ( مدينة التراب ) باستمرار - قد أراد أن يستدعي إلى أذهاننا أصداء كتابات علي المك البديعة و الأصيلة و ذكراه الحبيبة إلى عشاق الأدب خاصة و الرواية تدور أحداثها في مدينته المصنوعة من تراب .
أثنى الناقدان – عزالدين و الصاوي – و أغلب الذين قدموا مداخلات من الحضور على لغة الرواية التي وصفت بأنها جاءت سلسة و جميلة وشاعرية - ولا عجب في ذلك فالكاتب بجانب أنه روائي فهو شاعر مطبوع و له عدة دواوين .
كما خلص الناقدان إلى أن جمالاً قد استطاع في هذه الرواية أن يعالج ببراعة فنية عالية مسألة التماهي بين الوقائع الحقيقية لحياة ( عزيز ) بطل الرواية و المطلوبات الفنية للخيال الروائي .. وهو بذلك يكون قد ثبت نفسه و قلمه كأديب و روائي متمكن جدير بالانضمام لقائـمة كتابنا الكبـار .

الخرطـوم في:
12 / 12 / 2016 م

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.