فرغت لتوي من قراءة كتاب السـفير د. عز الدين حامد ( في رحـاب الدبلوماسية – أوراق و تجربة حياة )  الذي صدر  في  منتصف العام الحالي 2012 م عن المركز القومي للدراسات الدبلوماسية : كتاب مرجع ليس فقط للمعنيين بالعمل الدبلوماسي أو العلاقات الخارجية بل لكل أولئك الذين يتوقون للمعرفة و الإستنارة في شتى موضوعات القضايا العامة .
الذين يعرفون الصديق و الدبلوماسي القدير  عز الدين لا يتوقعون كتاباً أو مذكرات أقل من هذا الكتاب - المرجع من حيث الأصالة و الدقة و الشمول - بل لا أتردد في وصفه بالموسوعية خاصة فيما يتعلق بمسائل العلاقات الخارجية و الممارسة الدبلوماسية على مختلف المستويات و القضايا .
فبعد مرور سريع على تجاربه الثرة في محطات عمله الدبلوماسي الرسمي التي امتدت لأكثر من 37 عاماً عرج السفير عزالدين علي تجربته في العمل الوزاري وزيراً للدولة بمجلس الوزراء ثم وزيراً للصناعة  لفترة قصيرة  و من بعد خبيراً بمجلس الصداقة الشعبية العالمية لينتهي إلى عمله الحالي محاضراً بالمركز القومي للدراسات الدبلوماسية بوزارة الخارجية و مركز الدراسات الدبلوماسية بجامعة الخرطوم - متعاوناً في ذات الوقت مع عدد من الجامعات و مراكز البحوث السودانية .
مع عدم التقليل من أهمية أجزاء الكتاب الأخرى ( الكتاب مقسم إلى ثلاثة أجزاء رئيسية ) ، فإن أهم جزء – في تقديري  --  هو الثالث الذي يحوى دراسة متعمقة عن مفهوم الدبلوماسية المعاصرة  و مرجعياتها في ظل المتغيرات و المستجدات في العلاقات الدولية ركز فيه على ضرورة إدراك أن الدبلوماسية علـم و فـن  و أداة علمية تخصصية .
يقول سعادة  السفير :
"  الدبلوماسية المعاصرة صارت علمية تعتمد على المعرفة الشاملة بأحوال البلد المضيف و على المعرفة بقواعد و أصول الممارسة الدبلوماسية .. و في هذا الإطار تأتي عملية التدريب و التأهيل و التخطيط العلمي للمهام الدبلوماسية و الألمام بمنهجية الإتصال و التفاوض  " .
يشتمل هذا الجزء من الكتاب على عدد من المسائل المستجدة في مجال العمل الدبلوماسي :  أهمية التعاون مع المحيط الإقليمي و  التنسيق مع الدول النامية في القضايا المشتركة مثل مسائل  التجارة الدولية  و قضايا البيئة و التعامل مع و الاستفادة من منظمات المجتمع المدني  و التعامل مع المجتمع الدولي لتحقيق الأهداف الإنمائية للألفية  الثالثة ( M D G’s ) .
بالإضافة لما ذكرت فإن المعلومات التي جاءت  في هذا الجزء عن دبلوماسية المؤتمرات ،                  و الدبلوماسية البيئية، بصفة خاصة ، قلّ - في تقديري -  أن تتوفر  في مكان واحد . فعلى سبيل المثال يشير الكتاب في مجال الدبلوماسية البيئية :
" إنعقد في عام 1992م بريو دي جانيرو مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة و التنمية تم الإقرار فيه لما سمّي ( أجندة القرن الحادي و العشرين في مجال البيئة ) و اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية حول تغير المناخ  UNFCCC ) ) و تأسيساً على هاتين الوثيقتين انطلق توجه جديد لمواجهة مشاكل تغير المناخ و حماية البيئة على أساس مفاهيم جديدة حولت القضية من قضية تلوث بيئي إلى مفهوم أوسع يشمل الإستخدام الراشد لمصادر الثروة الطبيعية و تحقيق التنمية المستدامة – أي تلك التي تضمن الاستجابة لاحتياجات الجيل الحاضر مع الحفاظ على حقوق الأجيال القادمة  ".
فضلاً عن ذلك  يعرج الكتاب- في معرض الحديث عن دبلوماسية البيئة – إلى المؤتمرات العديدة التي أعقبت ريو دي جانيرو :  مؤتمر بـالي ، بروتوكول كيوتو ، ثم قمة كوبنهاجن و يعرض للمواقف القوية التي وقفتها الدول النامية لإجبار الدول الغربية لتحمل مسئولياتها في التقليل  من  ظاهرة إنبعاث الغازات الضارة  و في إجراءات  التكيّف مع الآثار السلبية لتغير المناخ  مثل : تآكل المساحات الزراعية ، تدمير الغابات ، التصحر ، تهديد طبقة الأوزون و ما يترتب عليها من كوارث بيئية .
في هذا المنحى أحب أن أقف عند الفقرة التالية :
"  من آثار تغير المناخ تواتر الكوارث المناخية المتسارع كموجات الجفاف و الفيضانات و العواصف   و غيرها أزمات لم تواجه البشرية سابقاً مثلها .. ومن السخرية أن الدول النامية التي تقع عليها مسؤولية أقل عن تغير المناخ - هي التي ستعاني من أسوأ عواقبه . "
و في معرض حديث السفير عز الدين عن فترة عمله بمصر ( 89 -1994 م ) أشار إلى المشكلة المزمنة التي ما فتئت تعكر صفو العلاقات بين البلدين كلما مر بها  شيء  من التوتر : مشكلة حلايب . و أستطيع أن أقول أنني لم أجد شرحاً و توضيحاً شافياً للجوانب القانونية و التأريخية و السياسية للقضية من قبل مثلما  جاء في كتاب السفير عز الدين.  و يكفي أن أقتبس مما ذكره هذه الجملة المفتاحية :
" شهدت الفترة التي كنت فيها سفيراً بمصر سلسلة من الاجتماعات للجنة مشتركة من الطرفين برئاسة وكيلي وزارة الخارجية طرح فيها الجانب السوداني مقترح الإحتكام لمحكمة العدل الدولية لحسم الخلاف لكن مصر إعترضت على المبدأ إذ أنها تعرف قوة الحجة السودانية عن تبعية حلايب للسودان"
(  الكتاب في صفحتي  48 و 49 ) .
في آخر صفحات هذا الكتاب ، الذي يتسم بقدر كبير من العمق و الموضوعية ، و تحت عنوان السودان و المنظمات الدولية ، يقول السفير عز الدين أننا في سياستنا الخارجية جعلنا من محور التعاون الدولي محوراً أساسياً في التخطيط الإستراتيجـي لتحقيق مصالح جماعية مشتركة.  و أشار في هذا الصدد إلى :
-     تقويةالصلة بمؤسسات التمويل الإنمائي الدولية و الإقليمية إنفاذاً للأهداف الإنمائية الدولية للألفية الثالثة .
-    تخفيف الضغوط التي يتعض لها السودان داخل مؤسسات التعاون الدولي و على رأسها مجلس الأمن و تطبيع  العلاقات مع بعض المنظمات الدولية كمجلس حقوق الإنسان .
-    الإرتقاء باستفادة السودان من عضويته في بعض المنظمات الدولية و الإقليمية بهدف تعظيم دور  البلاد على المستوى الدولي .


( استدراك :
-    لم يتطرق سعادة السفير عن دورنا و مسؤوليتنا الذاتية في هذه الضغوط نتيجة لبعض الأخطاء التي شابت معالجتنا لبعض الأزمات الداخلية المعروفة ذلك أن تطبيع العلاقات مع تلك المنظمات – بالضرورة -  طريق ذو مسارين .. بمعنى ألاّ نعطيهم الفرصة و المبرر  لممارسة الضغوط علينا .
-    لاحظت أن دور السودان في العمل الأفريقي المشترك – ماضياً و حاضراً و مستقبلاً - لم ينل مساحة مقدرة في الكتاب أسوة بما جاء فيه بشأن مشروعات العمل العربي المشترك وأخشى أن يقول قائل ( No Wonder )   فهذا خلل هيكلي موروث في سياستنا الخارجية ! )
الخلاصة :
التهنئة الخالصة للسفير عزالدين على الجهد الكبير الذي بذله  في هذا الكتاب النافع  الذي يعد إضافة حقيقية و ثمينة للمكتبة السودانية.  و هو  - في تقديري  - كتاب لا غنى عنه ليس فقط للعاملين في المجال الدبلوماسي بمختلف أشكاله و مستوياته ،  بل لكل من يريد الإستزادة من  العلم و المعرفة بالقضايا المستجدة في مجال العلاقات الخارجية.. 
مع  دعواتنا الصادقة لسعادة السفير  بأن يمد الله في أيامــه و يمنحه تمام الصحة و العافية ليقدم للمكتبة مزيداً  من مثل هذا  العطـاء  المتميز .

ملحوظة :  تعتزم رابطة سفراء السودان بالتعاون مع منتدى أبناء أم درمان تدشين كتاب ( في  رحاب الدبلوماسية ) في أمسية محضورة إن شاء الله بالنادي الدبلوماسي في الثلاثين من شهر أغسطس الحالي  بإعتبار عضوية السفير عز الدين حامد في كلٍ من الرابطة و المنتدى.

*****

Salah Ali [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
//////////////////