بسـم الله الرحمـن الرحــيم


يقول الدكتور عبد الله الطيب فى مقدمة الطبعة الأولى لكتابه (إلتماسة عزاء بين الشعراء)  التى صدرت عام 1971 م :
"وبعد ... فقد كتبت هذه الخواطر و النفس منقبضة و نوائب الدهر ماينين .. ووجدتنى أستريح الى الشعر وحديث الشعراء حتى تناول خاطرى منهم عـدداً ..   و أقترح علىّ بعض الأخوان أن أجعل ذلك بحثاً جاداً لكى يهتم به طلاب الأدب .. فوقع الاقتراح عندى موقعاً ... و بعد أن سودت أوراقاً بدا أن السفر الذى كنت قد أتممته وهو خواطر أجدر أن يترك كما هو ...لأنه منبىء عما كانت عليه حال النفس من التماس العزاء _ و عسى أن يكون به عزاء ! " .
سأحاول هنا أن أنتقى من تلك الخواطر ما رأيت أنه يضيف الى التماس العزاء  شيئاً من ومضات العبقرية التى عهدناها تشع من كل ما يصدر عن عالمنا الجليل- عطر الله ثراه -  ولا نبتغى من وراء ذلك – فضلاً عن تعميم الفائدة و المتعة – سوى الظفر بأجر المناولة !!
وغنى عن القول أن نهج الدكتور فى الكتاب الذى بين أيدينا لا يختلف عن نهجه فى كتبه المشابهة من حيث تعدد الموضوعات و تداخلها مع بعضها البعض  وأخذه فى بعض المراحل لموضوع بعينه والإستطراد فيه ثم العودة منه الى ما كان عليه من حديث وهكذا ..
و يجدر بنا التنويه الى أنه – بالإضافة لما استشهد به من شعر لكبار الشعراء الفحول - الذين التمس عندهم العزاء – كأمرىء القيس و زهير و أبى تمام وأبى الطيب و أبى العلاء و البحترى و شوقى – قد أثبت من حين لأخر بعضاً من شعره خاصة شعر صباه الأول ( إذ النفس منطلقة العنان ونبوءات الخاطر نوافذ فى غياهب المستقبل البعيد ) .

يقول الدكتور :
" هات المدام فلات حين ملام  *** و أجعل غناءك من أبى تمام "
ويعقب:  هذا من نزق الشباب .. نسأل الله المغفرة .
وفى قصيدة أخرى : 
والشعر أنشدته فأعجبــها منــــــه نصــــــــوع الأداء والفهـــــــم
يكاد من قصتى لمأساة شيخ النحـو دمـــع الفتاة ينسجــــم
بها أقيس النجاح فى حصص الدرس ومنها الإلهام والكلم
وشيخ النحو هو سيبويه .. و ما بلغ فى السن أن يدعى شيخاً إذ مات دون الأربعين فى طريق فارس .. وقالوا مرّضه أخوه .. فلما شارف الموت قطرت منه دمعة حارة على خده .. وكان ينشد :
" يريد حيــاةً لتبقــى له        ***  فمات المؤمل قبـل الأمـل
حثيثاً يروى أصول الفسيل  *** فعاش الفسيل ومات الرجـل "
و الفسيل صغار النخل .. والرجل بصرى و البصرة بلد النخل ..  والفسيل ههنا علمه وكتابه البحر وخبر سيبويه فى الجزء السادس عشر من ياقوت ..
قال أبو العلاء :
"وردنا مـاء دجلة خير ماء  ***  وزرنا أشرف الشجر النخيـلا"


يقول الدكتور: وماء النيل أعذب من دجلة .. وكلاهما ينبعان من الجنة  ..إلا أن النيل ينبع من الجنة أكثر .. ومن راّه يجتاز الصحراء تيقن صحة هذا !!
أول مقالتك هذه يصلح للتأثير الصحفى وهى نقد هدام .. لوحظ عليك أنت على وجه الخصوص عدم الإكتراث يا فلان أفندى أنت ما بتعرف أنه المدرس لازم يكون ( تاكتفول ) أى لبقاً وليست ( فول ) بمعنى غبى فهذه لها واوان ( اللهم أرسل عليهم صاعقة ) .. الدعاء على الغبى الذى هو فول وليس بتاكتفول !
- ويقول أبو الطيب :
" فيا أبن كروس يا نصف أعمى ***  وان تفخر فيا نصف البصير
تعادينا لأنـّا غيـر لكّــن    ***    وتحسـدنا لأنا غـير عــــور
فلو كنت أمرأً يهجى هجونا   ***    ولكن ضاق فتـرعن مسير  "
وشتان ما بين الفتر و المسير لمن كان له قلب أو القى السمع وهوشهيد .. وكان لأبى الطيب قلب كبير .
هات القريض فإنه لمدامى     ***   ولعلّ ذلك ضـارح الامى
ولعلنى عنـد المليحة واجـد  ***   بعض العـزاء فإنها إلهامى
يتكاثرون علىّ فى مكروههم   ***   أحقاد كل سخيمة و ظـلام
وقد ألوذ ولا ألوذ بغيـره   ***   بكتاب ربى حين جن ظلامى
وبفيض حبك يا حبيبة إنه  ***   من فيض نور الله ذى الإكرام
وكان من ملذات العيش زجاجات عصير المنقة و كنافة السوق و كان الشباب عرمرما.. وكانوا جميعهم يفطرون رمضان و الإستقلال غير قريب .. ذلك كان أول الوهن .. ويلعبون الشطرنج فى النادى .                                                                 وصدق الفقهاء : الكعاب والشطرنج كل ذلك ميسر.. وواحد و ثلاثون ميسر خبيث!! و راج بين الأفندية لعبة الكنكان أبى أربعة عشر.. وهذا يلعب بأربع عشرة ورقة يقصد اللاعب الى مؤاخاتها ثلاثاً ثلاثاً  وأربعاً أربعاً أو فى نسق منسوق .. و " الجوكر " يسد مسد أيتما ورقـة..
ولأحد الصحفيين المصريين أرجوزة فى الكنكان يحاكى بها العلماء الأولين منها :
"   الأصل فى الكنكان الا تنزلا  ***  وجـوزوا النزول إذ لا أملا
والكرت لا تنزله فى السيريه  ***  كى ينتقى النفـع بمـا يليه "
وكان أول عهدنا بالشعر الانجليزى أوائل درسنا الانجليزية .. وكان مما تلقيناه حينئذ قصص تعليمى ثم تدرج أمر الدرس بالتلاميذ وجىء لهم بنتف ميسرة اللفظ من الكتاب المقدس كألغاز خبر شمشون .. وقصة يوسف وإخوته ..و يا بنات اسرائيل الا تبكين لشاءول .. وهذا كله انما كان  " كجلب التمر الى هجر "  !!
ثم درس الطلبة من شكسبير قطعاً مثل خطبة هنرى الخامس الحماسية :
"إن يك قد كتب علينا الموت ، فحسب بلادنا خسارةً نحن ... وإن يك قد كتب لنا النصر، فكلما قل العدد كان النصيب من الشرف أكثر !! " 
وهذا وما أشبهه كنا نحس بلاغته و نعلم أنه عند القوم شعر و كنا قد نحس النغم فى أمثال قطع رديارد كبلنج .. الا أنّا  لم نكن نجده عندنا شعراً بالمعنى الذى نفهم ... مثل :
" لكل امرىء من دهره ما تعودا  *** وعادة سيف الدولة الطعن فى العدا "
وكان بعض من يتعرض للشعر العربى من مدرسى الانجليزية ربما قال أن الوزن " مونوتونس " .. أى رتيب  وبلغهم أن له ستة عشر وزناً فقالوا هذا قليل.. وحتى لو قيل لهم فيه كذا و ثلاثون عروضاً و كـذا  وستون ضرباً لقالوا محدود .. رتيب !!
و أعلم – أصلحك الله – أن للشعر نغماً مجرداً .. ورام الخليل بيان هذا إلا أن نظام تفعيلاته ودوائره خالطه مذهب النحاة فى تحديد عدد الحركات و السكنات و الحروف فاختلط أمر نقرات النغم المجرد بطبيعة تكوين مقاطع الكلمات و ما يعتريها من أصناف العلل .
ونظمت قصيدة لبعض أصحابك تلاطفهم بها جعلت رنين الوزن  فيها واضحاً ..   و أفتننت فى ترتيب دقاته وقلدت بها الحركة و الإنفعال على بعض النحو الذى يقع فى الشعر الانجليزى .. و لما سمعوك إذ تتألفهم بها قال أحدهم :  أما هـذا فشعر !!
ثم لما ظهر " أصداء النيل " و تصدى له المتصدون ، استثنوا من حملتهم عليه قصيدة " الكأس المحطمة " .. أعجبتهم انتمائية روح العصر فى :
" وإذا الصمت يرين
وإذا الأبواب و الأنوار و السقف عيون
و حسيس هامس تسمعه الجدران
وغفلوا عن :
" ثم لا أنسى إذ الكأس رذوم ...
" رذوم " هذه ليست من روح العصر .. و لعله بيت القصيد ... 
" فكشفنا عنك غطـاءك  فبصرك اليوم حـديد " .
وأوزان العربية الرحاب نفر عنها المغلوبون ليقلدوا الغالب – كما نص إبن خلدون -  بالتماس شىء من تفعيلات الخبب و بعض المتقارب و الرجز لدى طريقة أوزانه الأعجميات ... وذلك أمر عقيم ولا يستقيم .
ولقد كانت العرب لا تعرف هذا الشىء الذى يقولون له الاّن " الوحـدة العضوية" ذلك أن العرب لم يقرأوا أرسطوطاليس ليتعلموا منه نقد الشعر كما فعل الأفرنج من بعد فى حرصهم على أن ينتسبوا الى اليونان و الروم و يدعوا إرثهم دون سواهم من البشر .
والقصيدة العربية فن من الشعر لم يكن لأرسطوطاليس به علم  -  قل أو كثر – و إنما كان علمه عند العرب الأولين ثم حيز ذلك الى الخليل إبن أحمد و خلف و طبقتهما. و قد كان الجاحظ و أبن قتيبة  و المبرد و القالى و المعرى و أبن رشيق  و أبن المعتز  أعلم به من أصناف من يحسبون أنهم به علماء من مقلدى الفكر الأفرنجى من معاصرينا .
وما ضر العرب شئياً أنها لم تعرف هذا الذى يقال أنه سماه أرسطوطاليس  " الوحدة العضوية " و إنما كانت العرب تعرف شئياً يقال له " نفس الشاعر "بتحريك النون و الفاء ، وهو الجسم النغمى النورى الروحى الذى يميز بين كامل عنترة و كامل لبيد ، و طويل أمرىء القيس و طويلى طرفة و زهير !!
وعسى أن يكون من زيادة الإمتاع أن أختم هذا النقل من الإلتماسة بتلك المقارنة التى أشار اليها الدكتور بين بعض " شغب " أبى تمام  و " إستقامة " أبى الطيب .. يقول الدكتور:
قال أبو تمام :
" واذا أراد الله نشـر فضـيلة  ***     طويت أتاح لها لسـان حسـود
لولا اشتعال النار فى ما جاورت***  ما كان يعرف طيب عرف العـود
لولا التخـوف للعواقب لم تزل  ***   للحاسد النعمـى على المحسود "
شبّه أبو تمام الفضيلة بعرف العود و شبه تناول لسان الحاسد لها باشتعال النار فيما جاورت .و لا يخفى أن العود هو جزء مما تجاوره النار فتحرقه لا كله. ومن ههنا تظهر لك شغيبة أبى تمام حيث استنتج قضية كلية هى أن احتراق الفضائل على لسان الحاسد يظهر زكاءها و ينبه عليها ، من قضية جزئية هى أن احتراق بعض الأشياء بالنار يظهر زكاءها ... و الحق أن الذى يظهر فضيلة عرف العود ليس هو احتراقه وحده و لكن الموازنة بين عرفه و دخان المحترقات الأخرى ... فالضدية بين زكاء عرفه و عدم زكاء روائحها هو سبب بيان فضيلتها.. كما قال أبو الطيب :
" و نذيمهم و بهم عرفنا فضله    ***  و بضدها تتبـين الأشـياء "
وأحسب – و الكلام للدكتور عبدالله -  أن أبا الطيب ولّد هذه القضية المستقيمة من بيتى أبى تمام " لولا اشتعال النار الخ " و " لولا التخوف الخ " و الله أعلم .
وكذلك مما يجرى مجرى الشغيبات من ابتكارات أبى تمام و حججه و تعليلاته قوله :
" ينال الفتى من دهره وهو جاهل   ***  و يكدى الفتى من دهره وهو عالم
ولو كانت الأرزاق تجرى على الحجـا هلكـنّ إذن من جهلهنّ البهــائم "
فالبيت الثانى المورد على أنه برهان على قضايا البيت الأول لا يصلح لها برهاناً .. وقد فطن أبو الطيب لاضطراب قياس أبى تمام ههنا فكشف المراد المقبول المستقيم  فى قولته المشهورة :
" ذو العقل يشقى فى النعيم بعقله ***  و أخو الجهالة فى الشقاوة ينعم "
أى أن ذا العقل مرزوق و لا يسعد  - وإن وجد الغنى - من أجـل حجاه و أن ذا الجـهل مرزوق و يسعد  وجد الغنى أو لم يجده ..
رحم الله عالمنا الجليل عبد الله الطيب ورحم أبا تمام و أبا الطيب و غفـر لهم و لنا جميعـاً إنه سـبحانه تعـالى سميع قريب مجيـب .

= = = = =
salah ali [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]