salah ali [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]


الخرطـــــــوم _ نوفمــــــــــــبر 2011 م
اشتهر إبن المقفع بكتابه ( كليلة و دمنة ) الذي أتى به من بلاد الهند برزويه الطبيب بطلب من ملك الفرس كسرى أنوشوان الذي كان مهتماً بالعلم و الأدب و النظر في أخبــــــــــار الأوائـــــل فتلطف برزويه حتى أخرجه من بلاد الهنـد وأقـره في خزائـن فارس بعد ترجمته للفارسية .
إبن المقفع هو أبو محمد عبد الله ( 724 م  - 759 م ) مؤلف وكاتب من البصرة   ( تقول بعض المصادر أنه من أصل فارسي )  درس الفارسية و تعلم العربية و اشتهر بالبلاغة و حسن العبارة في كتابة رسائل النثر . كان ذا علم واسع و عـــرف الثقـــافة الفارسية و اليونانية و الهندية . في ظل الدولة العباسية اتصل بعيسى بن علي عم المنصور وظل في خدمته حتى قتله سفيان بن معاوية والي البصرة .
قتل إبن المقفع و هو في مقتبل العمر لم يتجاوز السادسة والثلاثين في الأوج وبيده لواء البلاغة و الفصاحة إلاّ أنه ترك من الآثار ما يشهد على سعة عقله و عبقريته و أنه صاحب المدرسة الرائدة في النثـــر .
نظر في كتاب ( كليلة و دمنة ) الذي ألفه بيدبا الفيلسوف لملك الهند دبشليم وأجرى فيه المواعظ و الحكم على ألسنة البهائم و الطير في حكايات قصيرة مسليّة تتصل واحدتها بالأخرى فأعجبه فقام بترجمته من الفارسية للعربية .
سمعت بكتاب ( كليلة و دمنة ) و قرأت بعضاً منه أيام الطلب.. إلاّ أنني لم أقف على كتاباته الأخرى حتى وقع في يدي مؤخراً كتاب ( آثار ابن المقفع ) الذي ضم أنفـــس آثاره : كتابيْ ( الأدب الكبير ) و ( الأدب الصغير ) :  الأول عن السلطان وعلاقته بالرعيّة و الثاني حول تهذيب النفس و ترويضها على الأعمال الصالحة – فضلاً عن رسالته في الصحابة ، و الدرة اليتيمة ( التي هي قريبة من بتـــــراء زياد بن أبيه من حيث البلاغــــة        و قـوة السبك ) .
ومما قيل في الدرة أنها: ( من الرسائل المفردات اللواتي لا نظير لها وهي من أركان البلاغة ومنها استقى البلغــاء لأنها نهاية في المختار من الكـلام و حسن التأليــف والناس جميعاً مجمعون أنه لم يعبـــر أحد عن مثلها و لا تقدمها من الكلام شئ  قبلها ) . 
و تضم آثاره كذلك رسائله لإخوانه في مناسبات مختلفة ، أكثرها في التعزية في فقد الأبناء و البنات و الأقارب ، ضمّنها اقتباسات من القـرآن الكريـم والأحاديث النبويّة و بعضاً من مآثر العرب فضلاً عن ما عنّ له من أقوال ذات أثر في النفس البشرية من حِـكم فلاسـفة الفرس و اليونان.
الأرجح في أسباب مقتله هو المبالغة في صيغة كتاب الأمان الذي وضعه ليوقع عليه أبو جعفر المنصور أماناً لعمه عبد الله بن علي و يقال أن إبن المقفع قد أفرط في الاحتياط عند كتابة هذا الميثاق بين الرجلين حتى لا يجد المنصور منفذاً للإخلال بعهده .. فممّا جاء في كتاب الأمان :
( إذا أخل المنصور بشرط من شروط الأمان كانت نساؤه طوالق وكان الناس في حلّ من بيعته ) !

من ومضـات إبن المقفـع :-
•    من ورع الرجل ألاّ يقول ما لا يعلم ومن الإرب أن يتثبت فيما يعلم .
•    من أفضل أعمال البر الصدق في الغضب و الجود في العسرة والعفو عند المقدرة و رأس الذنوب الكذب .
•    لا يعجبنّك إكرام من يكرمك لمنزلة أو سلطان فإن السلطان أوشك أمور الدنيّا زوالاً - ولا يعجبنّك إكرامهم إيّاك للنسب فإن الأنساب أقل مناقب الخير غِناءاً عن أهلها في الدين و الدنيا .
•    الدين أفضل المواهب التي وصلت من الله تعالى إلى خلقه و أعظمها منفعة  و أحمدها حكمة - فقد بلغ فضل الدين و الحكمة أن مُدحا على ألسنة الجُهال على جهالتهم بهما و عماهم عنهما .
•    ليس في الدنيا سرور يعدل صحبة الإخوان ولا فيها غم يعدل غم فقدهم .
•    لا يستخف ذو العقل بأحد . وأحق من لا يستخف به ثلاثة الأتقياء والولاة  والإخوان : فإنه من استخف بالأتقياء أهلك دينه ، ومن استخف بالـولاة أهلك دنياه ، و من استخف بالإخوان أهلك مرؤته .
•    خمسة أشياء ليس لها ثبـــات ولا بقـــاء : ظل الغمامة ، وخلة الأشرار( أي صداقتهم ) ، و عشق النساء ، و النبأ الكاذب ، و المال الكثيــــر .
•    خمسة أشياء إذا كن في المرأة كانت أهلاً أن يُحزن عليها : إذا كانت عفيفة ، كريمة الحسب و النسب ، عاقـلة ، جميـلة ، موافقة لزوجها محبة له .
•    ليس خلة هي للغني مدح إلا و هي للفقير عيب :                         فإن كان شجاعاً سُمّي أهوج ، و إن كان جواداً سُمّي مفسداً ، و إن كان حليماً سُمّي ضعيفاً ، و إن كان وقوراً سُمّي بليداً ، و إن كان لسِناً سُمّي مهذاراً ،   و إن كان صموتاً سُمّي عيّياً .

•    على العاقل أن يذكر الموت في كل يوم و ليلة ذكراً يباشر به القلوب و يقذع الطماح : فإن كثــــرة  ذكر الموت عصمة من الشر و أماناً من الهلع .

أطرف ما وجدت في أقاصيص كليلة و دِمنة :-

زعموا أنه بأرض كذا تاجر أراد الخروج لبعض الوجوه و كان عنده مائة رطل من الحديد فأودعها رجلاً من إخوانه . ثم قدِم بعد مدة و التمس الحديد فقــال له الرجل قد أكلته الجــُرذان .
قال التاجر : قد سمعت أن لا شئ أقطع من أنيابها للحديد .. ففرح الرجل بتصديقه على ما ادعى .
ثم أن التاجر خرج فوجد إـبـنـاً للرجل فأخذه وذهب به إلى داره ــــ ثم رجع له الرجل من الغد يسأله : هل عندك علم من إبني ؟
فقال له التاجر إني لما خرجت من عندك بالأمس رأيت بازيــاً قد اختطف صبياً صفته كذا و كذا .. و لعلّه إبنــك .
فلطم الرجل رأسه وقال : يا قوم هل سمعتم أن البــُـزاة تختطف الصبيان ؟! فقال : نعم ! و إن أرضاً تأكل جــُرذانها مائة رطل من الحديد ليس بمستنكر أن تختطف بزاتها الفيلة !!!