عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

        صحيح أن الناس مشغولون هذه الأيام بقضايا ( مصيرية ) ، و البلد تمر ( بمنعطف ) تأريخي هـام و ( مفصلي ) كما يقول السياسيون و الإعلاميون .  لكن ،  من الناحية الأخرى ،    و بالرغم من كل ذلك ، أرى أنه لا بأس ، من وقت لآخر ، أن نفرّق على الناس و نفكّها شوية - كما نصح الأستاذ عادل أبوالريش في هذا المكان قبل أيام – و نترك الأحاديث الجادة لمفكرينا الكبار أمثال الأساتذة منصور خالد و محجوب محمد صالح و حسن عابدين و عبد الوهاب الأفندي !

 

        لذلك دعونا نروّح عن أنفسنا قليلاً في هذه الاستراحة مع لعبة ( الكنكان ) و لاعبيها .

 فقد حكى لي الصديق الدكتور خالد محمد فرح أن أحد أصدقائه أخبره أن أحدهم كان يقيم مع مجموعة من العزابة المولعين بلعب الورق خاصة لعبة ( الكنكان ) و كان هذا الشخص لا يعرف عن اللعبة أي شيء إلاّ أنه لشدة ملازمته للمجموعة قد حفظ كثيراً من التعبيرات التي يقولونها أثنـاء اللعب خاصة عبارات التهديد و الوعيد و عبارات التبجح و الافتخار بالحرفنة من قبيل :

 

-      نحن جايين في صناديقها

-      عمنا المرحوم فلان الفلاني قال السبعة ما بيدوها

-      ده بموت بيهو .. و ده بخش بيهو السجن

-      كده و زاد وجدي .. غيب و تعال

-      يا زميل أنا قافل قفلة غسال يوم العيد أكسر ليهو دو من ثلاثة .. و هكذا !

 

أما اللعب نفسه فلم يكن يعرف عنه كبير شيء . و في أحد الأيام لم يجدوا مرابعاً فدعوه للعب و قد كان.. فلعب معهم وأخذ يهدد بتلك التعبيرات .. و لحسن الحظ كان ورق اللاعب الجالس على يمينه سيئاً فلم يستفد من ( جهله ) .. و عندما كشفوا ورقه لم يجدوا فيه أي ورقتين متناسقتين مع بعض !

يقول العلامة البروف عبد الله الطيّب ، عطّر الله ثراه  ورحمه رحمة واسعة ، في أحد كتبه الخفيفه :

راج بين الأفندية لعبة الكنكان أبى أربعة عشر.. وهذا يلعب بأربع عشرة ورقة يقصد اللاعب الى مؤاخاتها ثلاثاً ثلاثاً أو أربعاً أربعاً أو فى نسق منسوق و" الجوكر " يسد مسد أيتما ورقة .. ولأحد الصحفيين المصريين أرجوزة فى الكنكان يحاكى بها العلمـاء الأولين منها :

                الأصل فى الكنكان الا تنزلا  ***  وجـوزوا النزول إذ لا أملا

                 والكرت أنزله فى السيريه   ***  كى ينتقى النفـع بمـا يليه

                    وأن أحسن قفلة هي الجوزو  ثري ! *

و من النكات التي تعجبني في هذا السياق تلك التي تقول أن أحداً من الذين حكم عليهم بالسجن المؤبد دخل على جماعة محكوم عليهم بالتأبيد مثله فوجدهم يلعبون الورق فسألهم :     

-   بتلعبوا في شنو ؟ قالوا : كنكان أربعتاعشر .

        - أها فورتكم كم ؟ قالوا : ثلاثة ألف وخمسمائة . 

  -  الكتلة .. ودي تقوم متين ؟ ردوا عليه : و إنت لاحق شنو ؟!

 

  و من طرائف البروف علي المك ، عطّر الله ثراه  ورحمه رحمة واسعة ، أن أحد

 الخواجات أجرى استبياناً في منطقة الجزيرة أو النيل الأبيض -  لا أذكر بالضبط - عن أعظم اكتشافات البشرية . قال أنه في إحدى القرى هناك جاءه  الرد صاعقاً : الكشتينة .. و الثلج !

 

        و يحكى أن وفداً رسمياً كان قد ذهب لإحدى دول أمريكا اللاتينية لحضور مؤتمر من المؤتمرات و كان من بينهم أربعة ( مبتلين ) بالكنكان درجوا على ملء أوقات فراغهم بعد جلسات المؤتمر باللعب . و حدث في مرة من المرات أن نشب خلاف بينهم في صحة ( الفتوح ) فما كان منهم إلا أن اتصلوا هاتفياً بأحد ( مراجع ) اللعبة المشهورين في أم درمان و بعد أن أفتى صاحبنا بالرأي الصحيح قفل الخط و التفت مزهواً نحو الحاضرين قائلاً : أها يا جماعة .. شايفين نحن بقينـا مستشارين في الكنكان لما وراء البحار !

 

و لك أن تعلم – عزيزي القاريء – أن كاتب هذه السطور ، بالرغم من إلمامه بكثير من قوانيـن اللعبة و" لوائحها "، التي تختلف من منطقة لأخرى ، بل أحياناً من حي لآخر في ذات المدينة ، لا يميل للعبها بسبب الوقت الكبير الذي ينفق فيها ، وإن كان يستمتع بالفرجة على من يلعبونها – كلما سنحت الفرصة - نسبة للتعليقات اللاذعة والطريفة التي يتبادلونها أثناء اللعب ولا يذكر على وجه التحديد آخر مرة أمسكت يداه بالأربع عشرة ورقة - التي تعتبر إحدى الاكتشافات العظيمة للبشرية على رأي  أولئك القوم المشار إليهم أعلاه !!!

 

* هذه الشطرة غير موجودة في الأرجوزة و إنما أضافها أحد الأصدقاء