(1 من 2)

مــقدمـــة: هذه هي المقالة الرابعة و الأخيرة في سلسلة مقالاتي عن الشعراء الروس الأفذاذ: ( بوشـكين – مايكوفسـكي – رسول حمزاتوف) وهي عن الشاعرة آنا أخماتوفـا التي تعد أعظم شاعرة أنجبها الأدب الروسي . و إذ أصل بهذا المقال لنهاية السلسلة أود أن أوضح أن غرضي الرئيسي منها هو أن يكون بها تعريف مبسط وسريع بهؤلاء الشعراء ( و الشاعرة ) - ليس بالطبع للمختصين في الأدب الروسي أو الذين لديهم قدر من الإلمام به و باللغة الروسية مثل الطلاب الذين تلقوا العلم في جامعات و كليات الاتحاد السوفيتي في السابق أو روسيا الحالية . غني عن القول أنني قد وجدت - أثناء البحث عن المعلومات المناسبة لهذه المقالات - قدراً كبيراً من الفائدة و المتعة آمل أن أكون قد وفقت في نقلها لمن تتاح له فرصة الإطلاع عليها . و لا يفوتني أن أعبرعن جزيل الشكر و التقديـر للكاتب الصديق د.أحمد عبد الرحمن الخميسي ، المتخصص في الأدب الروسي ، لإرشادي على المواقع الإسفيرية التي توجد بها ترجمات جيدة لقصائد أخماتوفـا .
*****
ولدت آخماتوفا في إحدى ضواحي مدينة أوديسا على البحر الأسود في أسرة لضابط بحار في الأسطول الحربي الروسي وأمضت طفولتها وبعض شبابها في بلدة تسارسكوية بالقرب من بطرسبرغ. التحقت بعد إتمامها الدراسة الثانوية بالدورات النسائية العليا في مدينة كييف ثم بمعهد الحقوق التابع لجامعة كييف، انتقلت بعد ذلك ليننغراد، وتزوجت بصديق طفولتها الشاعر نيقولاي غوميليف الذي أعدم سنة 1921 بتهمة الاشتراك في مؤامرة معادية للسوفيت كما اعتقل إبنها مرات و أرسل إلى معسكرات الاعتقال. أخليت إلى طشقند مع من أخلي من النساء والأطفال في بداية الحرب العالمية الثانية ثم عادت بعدها إلى ليننغراد و عاشت فيها فترة ثم استقر بها المقام في موسكو حتى وفاتهافي عام 1966 .
تزعمت أخماتوفا تياراً أدبياً في الشعر الروسي يناهض الرمزية ويدعو إلى الموضوعية وتحري الدقة في انتقاء معاني الكلمات والاهتمام بالعالم المحسوس.
صدرت لأخماتوفا أول مجموعة شعرية سنة 1912 بعنوان " أمسية "r وتبعتها بعد سنتين مجموعة أخرى بعنوان «السبحة" ثم «السرب الأبيض " سنة (1917) ثم «عابر السبيل " سنة 1921 وتعكس المجموعات الأخيرة لأخماتوفا موقفها من الثورة البلشفية والحرب الأهلية.
بعد إعدام زوجها السابق غوميليف دخلت آحماتوفا في صمت مطبق عن قول الشعر، ولم ينشر لها أي كتاب في العهد السوفييتي حتى العام 1940، حين بدأت مجلة النجم الشهرية تنشر لها قصائد مختارة .
ومع بداية الحرب العالمية الثانية والغزو الألماني للاتحاد السوفييتي سمح لأخماتوفا ببث رسائل مشجعة في الإذاعة إلى نساء ليننغراد وقراءة مختارات من قصائدها كما سمح لها بنشر عدد من القصائد الوطنية والحماسية في مجموعة صدرت سنة 1943 في طشقند، وبعد عودتها إلى ليننغراد بدأت تستعد لإصدار ديوان ضخم يضم أشعارها إلا أنها تعرضت للتشهير في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي في العام 1946 وجرى طردها من اتحاد الكتاب السوفييت وأتلف ديوانها الجديد وهو قيد الطبع.
وفي عام 1950 نشرت لأخماتوفا قصائد في مدح ستالين والشيوعية السوفييتية وأعيد نشرها أكثر من مرة تملقاً من أجل إطلاق سراح ابنها الذي اعتقل ونفي إلى سيبيريا . وبعد موت ستالين وحدوث الانفراج الثقافي بدأت تسترد مكانتها في عالم الأدب تدريجياً، ونشرت لها مجموعات شعرية وترجمات لأشعارها، ومقالات أدبية رائعة أشهرها دراسة أدبية عن بوشكين. أما أشهر قصائدها و أطولها فهما " من غير بطل " و " قداس جنائزي " . الأولى لم تنشر في الاتحاد السوفييتي إلا في العام 1976، وهي تشتمل على فلسفة أخماتوفا وآرائها في الحياة والشعر، وتعد من أعظم القصائد التي تم نظمها في القرن العشرين وتجمع بين الرمزية والمجاز والسيرة الذاتية.
و بشكل عام تميزت أشعار أخماتوفا بالواقعية والبعد عن الرمز والتجريد، وبالجرأة في اختيار بعض الجزئيات التي تبدو ثانوية في ظاهرها ويتصف شعرها عموماً بالبساطة والوضوح ودقة التعبير وكمال النظم. وهي لا تسعى وراء القوافي المميزة والاستعارات المتعمدة خلا الصور المطروحة في الشعر التقليدي، وفي شعرها صور من الشعر الشعبي وقبسات من اللغة المحكية ممزوجة بالمفردات التي تحمل طابع القدم، وهذا ما جعلها تسهم مع أكثر معاصريها في تجديد الإيقاع الشعري الروسي ومقاطعه.

كان آخردواوينها معبرا عن مواقفها السياسية المعارضة للثورة البلشفية وعلى الرغم من الوضع السياسي تجاه الأدباء؛ إلا إنها لم تقبل الرحيل حتى بعد إعدام زوجها السابق عام 1921.
ترعرعت أخماتوفا على تربة الحياة الحقيقية و حب الأرض والوطن، ومع ما لحقها من اضطهاد ومعاناة فقد رفضت مغادرة موطنها، وأدانت بشدة الهجرة والانفصال عن الوطن: «لست مع من يهجر وطنه».
تعلمت آنا اللغة الفرنسية وأتقنتها، وأحبت بشكل كبير التاريخ والأدب الأوروبي عامة والروسي خاصة، وأكثر ما أولعت به هو الشعر الذي دام معها طوال حياتها .. و كان موضوعها الرئيسي هو الحب المأساوي الذي يمزج الأسى والحزن بالبهجة والأمل، واشتمل نظمها على بعض التناقض في سنوات المعاناة، وتعززت عندها أصداء حب الوطن ووحدة الأرض في الثلاثينات وفي سنوات الحرب، ولم يمنع ذلك نقادها في العهد الستاليني من نعتها بالبرجوازية وبأنها صوفية وراهبة وأنها من المنشقين سياسياً، وشعرها «منفر للشعب السوفييتي».
أشرفت أخماتوفا على ترجمة أعمال شعراء أجانب مثل فكتور هوغو وطاغور وليوباردي وبعض الشعراء الأرمن والكوريين، وأعدت دراسة عن ألكسندر بلوك كما تُرجمت أعمالها إلى لغات كثيرة ومنحت عام 1964 جائزة إتنا تورمينا العالمية لمسابقات الشعر التي تنظمها إيطاليا كما كرمتها جامعة اكسفورد بمنحها الدكتوراه الفخرية عام 1965. توفيت آنا أخماتوفا عام 1966 م عن سبعة و سبعين عاماً .
في العام 1966 غابت الشاعرة آنّا أخماتوفا من غير أن يتسنى لها رؤية ديوانيها الشهيرين " قداس جنائزي " و"قصيدة بلا بطل" يصدران في روسيا بعد منعهما سنوات طويلة. لكن هذين الديوانين اللذين يتوجان تجربتها الشعرية سرعان ما صدرا بعد سقوط الجدار الحديدي مستعيدين موقعهما البارز على خريطة الشعر الروسي المعاصر.
كان ديوان" قداس جنا ئزي "صدر بالروسية في ميونيخ عام 1963 وترجم الى لغات عالمية، أما ديوان"قصيدة بلا بطل"فصدر بالروسية في نيويورك عام 1960، هذان الديوانان يمثلان ذروة عطاء أخماتوفا الشعري وينتميان الى مرحلتها الثانية التي غالباً ما يتوقف النقاد عندها، لكونها تجسد جوهر مشروعها الشعري. فهذان الديوانان يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بالتاريخ الروسي أو الذاكرة الروسية وهما بمثابة قصيدتين طويلتين تتميزان بنَفَس ملحمي.
في الذكرى الأربعين لرحيلها تبدو آنّا أخماتوفا شديدة الحضور لا سيما في ذاكرة الشعراء الروس الجدد الذين تأثروا بها وعادوا إليها يستوحون مناخها"الرثائي"بعدما عانوا - ما عانت هي وإن في شكل مختلف - سقوط الفكرة الروسية وتبعثر الوطن - الأم وتلاشي حدوده الجغرافية والتاريخية. هذه الشاعرة عانت الكثير من الآلام والشجون وعاشت أقسى المراحل التي شهدتها روسيا: الحرب العالمية الأولى، الثورة البولشفية، الحرب الثانية، الإرهاب الستاليني ... وكانت في معظم هذه المراحل في موقع الضحية البريئة التي تمثل النموذج الإنساني الروسي المهمش والضعيف والمضطهد... ولا يمكن تناسي مآسيها الشخصية منذ اليفاع حتى أيامها الأخيرة التي توّجها"الرعب"الستاليني. فالشاعرة كانت فقدت في طفولتها أربعة أشقاء وشقيقات ونجت من الموت مع شقيق آخر ما لبث أن اختفى طوال سنوات لتجده من ثمّ وقد أصبح مهاجراً أميركياً. أما المآسي الأخرى فكانت أولاها قتل زوجها الأول، الشاعر نيقولاي غوميلوف، والد ابنها الوحيد ليف، على يد السلطة بتهمة معاداة الثورة. وهذه التهمة نفسها فرّقت أصدقاءها الشعراء وقادتهم الى السجون . وكان قدر الشعراء حينذاك، بعيد انتصار الثورة البولشفية إما أن يماشوا النظام الجديد ويكونوا أبواقاً لأفكاره الثورية، وإما أن يختاروا المنفى ويرحلوا، أو الانتحار وإما أن يساقوا الى مخيمات التأهيل أو مصحات الجنون لكن قدر أخماتوفا مثل قدر بوريس باسترناك كان هو الصمت الذي دام نحو عقدين.
إلا أن ذروة مأساة الشاعرة تجلّت في سجن ابنها الوحيد بتهمة العداء للنظام، وقد مكث في السجن نحو عشرين سنة أمضتها الشاعرة في حال من القلق والانتظار. وكانت تحاول دوماً أن تزوره منتظرة في صف طويل يضمّ أمهات وزوجات وأولاداً، ونادراً جداً ما كانت تتمكن من رؤيته. وعلى رغم أن علاقتها بابنها كانت على شيء من الاضطراب، فهو كان يمثل أملها الوحيد في حياتها البائسة. وقد يكون هذا الأسر هو الشرارة التي انطلقت منها قصيدتها الملحمية " قداس جنائزي " فالابن يحضر فيها بشدة، حقيقة ورمزاً، وتستحيل الشاعرة أشبه بالأم"الحزينة"التي ترثي ابنها ووطنها تقول الشاعرة في أحد مقاطع القصيدة مخاطبة ابنها:
"جاؤوا يأخذونك في الفجر.. وتبعتك مثلما يُتبع النعش.. في البيوت كان الأولاد يبكون..
وتحت الأيقونة سالت شمعة".
ولئن ميّز النقاد بين المرحلتين، الأولى والثانية، في مسارها الشعري، واصفين الثانية بمرحلة التأسيس والنضج، فإن المرحلة الأولى التي تضم دواوينها الخمسة التي صدرت بين 1912 و1923 كانت ذات طابع ذاتي وفيها شاركت الشاعرة في مواجهة التيارالرمزي الذي كان يسيطر على المشهد الشعري في روسيا مطلع القرن. وقد أسست أخماتوفا مع زوجها غوميلوف و عدد آخر من الشعراء حركة شعرية سمّوها"الذروة"ساعين الى فرض"الوضوح الجميل"بحسب عبارتهم، إزاء"إبهام"المدرسة الرمزية. ومع أن موضوعاتها الأثيرة في هذه المرحلة كانت تدور حول الحب والماوراء وحول الآلام والأفراح الشخصية، فهي استطاعت أن تخترق جدار الرمزيين مرسخة شعرية جديدة، قائمة على الغنائية والشفافية والتلقائية. وأكدت أخماتوفا أن الشاعر الذي يفقد نداوة الكلمة هو بمثابة رسام فقد بصره. وترى أن الإغراق في الصفة والبناء والتركيب اللغوي يكدّر الحقيقة الشعرية ويوقعها في الإبهام والاصطناع ويبعد القصيدة عن القارئ.
هكذا بدا أسلوب أخماتوفا في دواوينها الأولى، بسيطاً و مباشراً، معرّى وخلواً من أي تصنّع وزخرف وحافلاً بالكثير من الصمت. وبدت قصائدها أشبه بالمآسي المختزلة جداً، مآسي الحب والإيمان، المفعمة بالشفافية والدهشة. قصائد حميمة جداً، منغلقة على أبعادها الحسية والملموسة وذات ايقاعات لطيفة ومنسابة.
أما القصيدتان الطويلتان"قصيدة بلا بطل"و" قداس جنائزي "فهما تختلفان عن قصائد أخماتوفا السابقة، بنَفَسهما الملحمي وارتكازهما الى التاريخ والذاكرة العامة."قصيدة بلا بطل"هي أشبه بالدراما الشعرية ذات اللوحات المتعددة، وتمثل ما يشبه السيرة الذاتية التي تقدم وجهاً مزدوجاً: المرأة والشاعرة، وهو وجه أخماتوفا نفسها المنقسم بين الشعر والحياة. ولا غرابة أن تسرد أخماتوفا فيها فصولاً من حياتها الخاصة وحياة أصدقائها الذين تشتتوا بين المنافي والسجون أو ماتوا قتلاً وانتحاراً.
لقيت قصائد آنّا أخماتوفا رواجاً في روسيا، في الأوساط الأدبية والشعبية، وأضحت خلال فترة قصيرة ما يشبه"الأسطورة"على رغم قدرها المأسوي. وخلال الحرب العالمية الثانية انتشرت قصائدها، وفي مدينة ليننغراد المحاصرة علّقت قصيدتها الشهيرة"القسم"على الجدران ليقرأها الجميع وهي تتحدث عن مأساة الناس المحاصرين، وعن الأمل الذي لا بد من أن يشرق. لكنها بدءاً من العام 1944 راحت تواجه حملة من الاضطهاد في ظل الهيمنة الستالينية فلجأت الى الصمت خوفاً ويأساً طوال عشرين سنة. وقبيل هذا الصمت كانت قد صدرت لها خمسون ألف نسخة من ديوان هو عبارة عن مختارات شعرية سرعان ما نفدت. في تلك الفترة القاسية طردت أخماتوفا من اتحاد الكتّاب وهاجمتها الصحافة بشدة معتبرة إياها"مارقة"واتهمتها ب "الانتماء الى المدرسة الجمالية البورجوازية - الارستقراطية التي تسيء الى التربية الشبابية". وأُخذ عليها أيضاً"غموضها المرضي والرجعي". هذه الحال المأسوية دامت سنوات ولم تتمكن أخماتوفا من التنفس إلا بعد مجيء خروتشوف الى الحكم الذي كان أقل تطرّفاً. وقبيل رحيلها منحت الجائزة الدولية للشعر في إيطاليا عام 1964 ومنحتها جامعة أوكسفورد دكتوراة فخرية عام 1965.
لقد تصدّت الشاعرة بشجاعة ل ( إستالين ) وهاجمته بضراوة، الأمر الذي دفع النظام آنذاك إلى سجنها سبعة عشر عاما، بعد أن اتّهمها بـ “الترويج للانحلال البورجوازي والانشغال بالأمور التافهة فعانت الكثير من الاضطهاد والظلم و بسبب نفي زوجها الأول صار شعرها محظوراً بشكل غير رسمي من عام 1925 حتى 1940. وعانت من القمع لسنوات طويلة، لكنّها رفضت الذهاب إلى المنفى كما فعل كثير من الكتاب الروس.. وخلال تلك الفترة شغلت أخماتوفا نفسها بالنقد الأدبي، لاسيما بأدب بوشكين، وأيضاً بترجمة أعمال فيكتور هيغو، رابندرانت طاغور، جياكومو ليوباردي، ولشعراء كوريين وأرمن مختلفين، وكتبت سيرة ذاتية للشاعر الرمزي ألكسندر بلوك. وفي نهاية ثلاثينات القرن العشرين كتبت قصيدة طويلة بعنوان "مرثاة" مهداة لذكرى ضحايا ستالين.. أمّا أفضل قصائدها فهي قصيدتها الملحمية "قصيدة من دون بطل"، التي عكفت على كتابتها لمدة عشرين عاماً، والتي تتحدث عن حصار لينينغراد الذي عاشته لحظة ـ بلحظة وعن الأهوال التي تسبِّبها الحروب للإنسان.
وسمحت التغيرات السياسية أخيراً بقبولها في اتحاد الكتاب، ولكن بعد الحرب العالمية الثانية حُظر نشر شعرها وقام سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي بطردها من اتحاد الكتاب وفي الفترة نفسها تمَّ اعتقال ابنها ليف سنة 1949وكي تساعد في إطلاق سراحه كتبت أخماتوفا قصائد مديح لستالين وللسلطات الحاكمة، ولكنَّ ذلك كلَّه ذهب هباءً. ولذلك لم تنشر تلك القصائد في أيٍّ من مجموعاتها الشعرية.
بدأت بالكتابة والنشر من جديد سنة 1958، ولكنّها عانت من الرقابة المشددة. وصار الشعراء الشبان حينها يحجُّون إليها، فقد كانت تمثل لهم صلة وصل لمجتمع وثقافة ما قبل ثورة أكتوبر الروسية، وما بعدها. وبعد نهاية الحقبة الستالينية عادت إلى نشاطها الأدبي الطبيعي، فكتبت عشرات القصائد التي تمجِّد الحب والإنسان، وقبل وفاتها بعامين اختيرت رئيسة لاتحاد الكتاب. وماتت عن سبعة وسبعين عاماً في لينينغراد. وأثارت غضب ستالين عام 1945 بعد زيارة مؤرخ بريطاني لها وأطلق عليها في مجلة شهيرة ( البنت الضالة ) وعلى شعرها ( شعر السيدة المجنونة ) وتم فصلها من اتحاد الكتاب.. ومع ذلك فقد ردت قائلة ( لماذا احتاجت الدولة العظمى لتمرير الدبابات على صدر عجوز مريضة !) ولم يسمح بطباعة أعمالها طيلة عشرين عاماً وعاشت من بعض ترجماتها . وظلت تعيش هذا القدر الصعب حتى ثورة خروتشوف على الستالينية حيث أعيد لها بعض اعتبارها ونشرت مجموعات شعرية لها ، منها ديوانها الجامع ( هرولة الزمن) كما سمح لها بالسفر إلى إيطاليا وإنكلترا ومنحها الإيطاليون أعلى جائزة تمنح لشاعر أجنبي وكرمتها جامعة أكسفورد بمنحها شهادة دكتوراه فخرية . وتلقت أهم جائزة في بلادها وهي جائزة اعتراف المواطنين بها .

قيثــارة الشــعر الروســي آنا أخماتوفا: ( 1889 – 1966 م )
(2 من 2)

تحتل آنا أخماتوفا موقعاً خاصاً داخل طائفة الشعراء الروس الكبار إن بغزارة أعمالها، أو بحياتها الطويلة، مقارنةً برفاقها، أو بالأحداث المأسوية الكثيرة التي وقّعت مسيرتها، وبالتالي بشجاعتها ومقاومتها للرعب الستاليني وانخراطها في تاريخ بلدها «أحيا حيث يتألم شعبي» وأخيراً بكتابتها لنص «قداس جنائزي» الذي يُعتبر إحدى أهم قصائد القرن العشرين. و لعل من علامات ذيوع شهرة هذه القصيدة أن إحدى دور النشر قد نشرت حديثاً الترجمة الفرنسية التي وضعها الشاعر دولوي لنص القصيدة بجانب مجموعة من قصائدها تغطي كافة مراحل إنتاجها الشعري من بينها نصوص لم تُنشر سابقاً في أيٍّ من دواوينها وعُثر عليها بعد وفاتها.
ديوان أخماتوفا الأول صدر عام 1912، وكانت في الثالثة والعشرين. وبما أنها رحلت في السابعة والسبعين، تكون قد مارست الشعر أكثر من نصف قرن، مخلّفة وراءها مئات القصائد التي ألّفتها غالباً في ظروفٍ صعبة واضطرّت لحفظها إلى الاستغناء عن الورقة والقلم، والإتكال على ذاكرة بعض أصدقائها المقرّبين، لأن وقوع هذه القصائد في يد الإستخبارات الروسية كان يمكن أن يكلّفها حياتها، أو على الأقل، أن يقودها، بلا رجعة، إلى معسكرات الاعتقال حيث انتهى عدد كبير من معارفها. وفي هذه القصائد قاربت موضوعات مختلفة، مثل الحب والصداقة والغيرة والجور والخوف والأنانية. موضوعات ساهم تحديدها وتحليلها لاحقاً في استخلاص مراحل عملها الشعري.
أما نصّا «قداس جنائزي» و» قصيدة من غير بطل » اللذان يبدوان وكأن الأحداث أملتهما على أخماتوفا مباشرةً، فيحتلان على هذا الصعيد موقعاً خاصاً في إنتاج أخماتوفا. لكن عموماً، نستشفّ في جميع أعمالها الشعرية تماسكاً في رؤية العالم، وفي الكتابة، مع اختلافات طفيفة تُمكن ملاحظتها، لكنها تنخرط ضمن معجم لغوي واحد. فبشغفٍ منهجي، تابعت الشاعرة بحثها في كل قصيدة عن التأثيرات الأسلوبية والبلاغية، وعن نبرة يحدّدها الحدث، مستعينةً بصور بسيطة ومفردات رشيقة واستعارات مألوفة. باختصار: شعرٌ يسعى إلى إلغاء المسافة بين الكتابة والواقع.. كتبت ذات مرة :
" في البيت الشعري، يجب على كل كلمة أن تكون في مكانها، كما لو أنها هناك منذ ألف سنة، علماً أن القارئ يسمعها للمرة الأولى. هذا عسير، لكن حين نتمكّن من ذلك، سيشعر القارئ أن الأمر يتعلّق به شخصياً، ويتملّكه الانطباع بأنه هو الذي كتب هذا البيت».
وكتبت آنا اخماتوفا في سيرتها الذاتية الموجزة في عام 1965 :
" أنني لم اكف عن نظم الاشعار. فأنني أجد فيها ارتباطي بالزمن وبالحياة الجديدة لشعبي. إنني كنت حين أكتبها أعيش في تلك الإيقاعات التي ترددت في التاريخ البطولي لبلادي. أنا سعيدة لكوني عشت في هذه الأعوام وشهدت أحداثا لا نظير لها ."
و بعد وفاة ستالين أعيد اليها الاعتبار وصدرت طبعة جديدة لأعمالها وأصبح منزلها الريفي مزاراً للأدباء الروس (أمثال "جوزيف برودسكي" وزملائه الذين واصلوا تقاليد أخماتوفا ومدرسة "سان بطرسبرغ" حتى هذا القرن) والأجانب (أمثال شاعر أمريكا الكبير روبرت فروست). كما أقيمت لها احتفالات تكريمية بمناسبة بلوغها الخامسة والسبعين وصدرت طبعة خاصة بتلك المناسبة . حظيت أخماتوفا بشهرة كبيرة في الغرب ونالت التكريم ونشرت أعمالها الشعرية والنثرية في كثير من بلدان العالم. ولم تتوقف شهرتها بوفاتها ، وفي الذكرى المئوية لولادتها صدرت أخيراً مجموعتها " قداس جنائزي " التي منعت من النشر خلال حياتها، وتحولت شقتها الى متحف يرتاده محبوها وأقيم لها تمثال في سان بطرسبيرغ كما أطلق اسمها على أحد الكواكب الصغيرة التي اكتشفها اثنان من علماء الفلك السوفييت عام 1982.
قــــداس جـنــائـــزي / ترجمـة: بـُرهــان شــاوي
تعتبر قصيدة "قداس جنائزي" من أروع ما كتب من شعر بالروسية إن لم تكن واحدة من أهم قصائد القرن العشرين دون مبالغة. صرخة ألم وحزن لمبدعة ثورية وأم مكلومة تعرض ولدها للاعتقال عدة مرات، حيث بلغت سنوات اعتقاله أربعة عشر عاما كاملة، وطردت من عضوية اتحاد الكتاب السوفيت، وحظرت السلطات السوفيتية نشرأعمالها لمدة عشرين عاما. وحين مات ستالين رددت آنا عبارتها الشهيرة: "سيعود المعتقلون الآن، وسينظر كل معسكر للآخر: معسكر من قام بالاعتقال ومعسكر نزلاء المعتقلات. إنه عصر جديد يبدأ."
يعّد بعض نقـاد الأدب قصيدة ( قُـداس جنـائزي) لآنا آخماتوفا، واحـدة من قصائد القرن العشرين المهمة، من حيث أنها شهادة مرعبة على الإرهاب الستاليني، إذ كتُبتْ القصيدة ما بين الأعوام 1935 - 1943، ولم تُنشر إلا بعد موتها.
في هذه القصيدة لم تهتم آخماتوفا بالتعبيرالرشيق، والاستعارة بقدر ما حاولت أن تنقل تجربة الرعب والموت في اقبية السجون.
تقول في مقدمة القصيدة :
" خلال سنوات الأرهاب الستاليني المرعبة، كنتُ سجينة لمدة سبعة عشر شهرا ضمن طابور من النساء في إحدى سجون ليننغراد. كان ثمة شخص ما قد إعترف ضدي. وذات مرة وقفت خلفي امرأة مزرقـة الشفاه، وبالطبع لم تكن تعرفني، ولم تسمع باسمي، ومن شدة الرعب والبرد همست في أذني سائلة( حيث كان الجميع يتحدثون بهمس ) :- أتستطيعين ان تصفي كل هذا الذي يجري هنـا؟ فأجبت: نعــم، وهنـا أرتسمت ما يشبه البسمة على هذا الذي كان وجهـا ذات يـوم..!
إهــــــداء :
أمـام هـذه الآلام تنحني الجبـال إجـلالاً
وتتوقـف الأنهـار العظيمــة عن الجريان
غير ان بوابـات السجن ثـابتــة..
وخلفنــا( كهوف النفـي) والوحشة القاتلـة
لأجـل إنسان مـا تهـّبُ هذه الـريح النـدية
لأجـل إنسان مـا يتـورد الشـفق..؛
نحـن لا نعـرف شيئا؛ فالأمـر لنا سيَان
نحـن لا نسمـع سوى قلقلة الأقفـال
التي يغُـلق علينا بهـا عنـد النـوم..؛
ووقـع خطـى الجنــود الثقيــلة!!
إستيقظنا فجـرا..
وكأنما علينـا أن نذهـب لصـلاة القـداس..
فأخترقنـا العاصمــة المقفـرة..؛
تقـابلنـا هنـاك كـالمـوتـى..
كانت الشمـسُ منخفضـة، ونهـر ( النيفا) يبدو ضبابيـا..؛
وفي البعيـد كان الأمـل يغنـي..
وفجـأة..
صـدر الحــكم..؛
فأنهمـرتْ الدمـوع من المـآقي..
وكأنما الحيـاة أُقتلعـت من القـلب..
وكأنما أصطـدم المـرءُ بشيء مـا..؛
أمـا هي فتمايلتْ، وحيـدة
أيـن هــُن الآن اللـواتي أُرغمـتُ على صـداقتهـن..
خـلال أعـوام إعتـقالي؟؟
أية أحـلام تراودهـن الآن في عـواصف سيبيريا؟؟
ما الـذي يتراءى لهــن حينمـا يبـزغ الهــلال؟؟
لـَكُـنَ، أذن ، ياصـديقـاتي تحيـة الــوداع..!
من قصائد أخماتوفــا القصيرة :
* إلى الشِعر‏
كم قُدتني في الطرق الوعرة،‏
كنجمٍ يسقطُ في الظلام‏
وكنتَ لي حُرقةً، وكذباً‏
أمّا عزاءً ـ فما كنتَ أبداً!‏

* السير إلى اللاوجهة
أحدهم يمشي إلى الأمام،‏
وآخر يسيرُ بشكلٍ دائري‏
هذا ينتظرُ العودة إلى بيتِ أبيه،‏
وذاك ينتظرُ صديقته القديمة.‏
أمّا أنا فأسيرُ ـ وخلفي المصيبة،‏
لا في طريقٍ مستقيمٍ، ولا منحنٍ،‏
إنمّا إلى اللامكان.. إلى اللاوجهة‏
كقطارٍ خارجٍ عن سكّته!‏

* لِمَ هذا القرنُ أسوأُ ؟..
لِمَ هذا القرنُ أسوأُ من غيره ؟
ربما لأنه ، في هذا الحزن والخطر
لامَسَ .. لامسَ فحسب ..
أكثرَ القروحِ سواداً
ولم يستطع .. في دورتهِ .. شفاءها

* امرأةٌ في ثياب الحِداد
الخريفُ الباكٍي يكسو القلوب
بغلالةٍ من غمامٍ كئيب.
والمرأةُ في ثيابِ الحِداد
لن تكفَّ عن ندبها العالي
ما دامت تتذكر بجلاء
كلماتِ الرجل الذي مضى.
هكذا ستظل .. حتى تمنح أنفاسُ الثلجِ
هذه المُتعَبةَ الهزيلة
بعضاً من الرحمة.
وما الذي قد نرجوه
غير سلوانِ الحبِّ والعذاب
رغم أن الحياة .. هي من يدفع الثمن ؟

* ترابنا الوطني
نعم ، هذا الوحل على الأقدام يناسبنا تماماً.
نعم ، هذا الطحن على الأسنان يناسبنا حقاً.
نعم ، ندوسه ليلَ نهار ..
هذا الغبار الخالص الذي لا يصلح للبناء.
لكننا نرقد فيه ولا نصير إلاّه
ولهذا نسمي هذا التراب ..
ترابنا !

* الموسيقى
ثمّةَ شيءٌ سماويٌّ يتَّقِدُ فيها.
كم أحبُّ أن أراقب
أسطح هذه الجوهرةِ العجيبة إذ تنمو.
إنها تتحدث معي في نوبات القَدَر الكثيرة
حين يخشى الآخرون الدنوَّ منها
وحين يلقي آخر الأصدقاء
عليَّ نظرة الوداع
سترقدُ الى جواري في سكون
وتغنيّ مثل عاصفةٍ رعدية في أيّار
كما لو أن كل الورود
شرعت في الحدائقِ بالحديث.

* قد ولدتُ في الوقت المناسب
أنا ، في الإجمال
ولدتُ في الوقت المناسب
في عصرٍ مباركٍ بين العصور.
غير أن الرب العظيم لم يدَع روحي
كي تعيش على هذه الأرض
دون خديعة.
ولهذا بيتي مظلم
ولهذا كل صِحابي
مثل طيورٍ حزينةٍ تنهضُ في المساء
وتغني للحب
للحب الذي لم ينزل على الأرض
وكما لو بالخطأ
قلت لك " أنتَ ..."
وأضاءت بسمةٌ رخيةٌ من سعادة
هذا الوجه العزيز.
من زلات لسانٍ كهذه
مسموعةً كانت أم في العقل
يتورد كلُّ خدّ
أحبك كما لو أن أربعينَ أختاً
أحببنكَ وباركنك !

مصــادر :
• موسوعة ويكيبيديا الحرة
• انطولوجيا الشعر الروسي
• موسوعة الشعر العـالمي
• موقع الحوار المتمدن

الخرطــوم
7 ديســمبر 2017 م

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.