د. محجوب الباشا

 

يحتل موظف الخدمة المدنية في اليابان موقعاً رفيعاً في المجتمع ، فقد ظلت نظرة اليابانيين عامة لموظفي الخدمة المدنية خليطاً من الغبطة والإعجاب. لم يكتسب موظف الخدمة المدنية الياباني هذه المكانة المرموقة حديثا ، بل هي ميزة ظل يتمتع بها تحت النظام الاقطاعي الذي ساد في اليابان منذ العصور الوسطى وحتى عام 1868 عندما وقع ما يعرف بثورة الميجي الإصلاحية فقد كان لموظف الخدمة المدنية في ذلك الزمان موقعاً متقدماً داخل المجتمع الطبقي الصارم الذي تميزت به تلك الفترة من تاريخ البلاد. ولعل اللفظة التي يستعملها اليابانيون حالياً لوصف موظفي الخدمة اليابانية المتقاعدين الذين يبدأون حياة عملية ثانية في بعض الشركات تقف دليلاً ساطعاً على هذه المكانة الرفيعة. يطلق اليابانيون على هؤلاء الموظفين لفظة "أماكوداري" وهي تعني حرفيا الهابطون من السماء.  يرى الكثير من علماء السياسة والاجتماع أن ذلك يعود للاستقرار الذي تعيشة أعراف وقوانين الخدمة المدنية اليابانية مهما اختلفت النظم والأحزاب السياسية التي حكمت البلاد ، ويذهب البعض إلى أن الموظفين كانوا دائما صمام الأمان في الأوقات التي شهدت اضطرابات سياسية. ويضرب بالخدمة المدنية اليابانية إلى جانب رصيفتها الإيطالية المثل في مقدرة الإدارة المدنية الرشيدة على توفير الاستقرار في بعض الدول الديمقراطية التي تعاني من خلل في نظامها السياسي يؤدي إلى تبادل السلطة بوتيرة أسرع مما ينبغي.

كان من الطبيعي أن تثير هذه الحقيقة غيرة وحنق السياسيين الذين يرون أن الأمور في البلاد يجب أن تكون في أيديهم دون غيرهم. ويرى الكثير من السياسيين اليابانيين خاصة نواب البرلمان أن الخدمة المدنية يجب ألا تتجاوز حدودها علماً بأن أعضاءها معينين ولا يتم اختيارهم بواسطة الناخبين. غير أن سيطرة موظفي الخدمة المدنية على مفاصل العمل في بعض الوزارات الهامة مثل وزارة المالية ، ووزارة الصناعة والتجارة الخارجية تجعل اعتماد السياسيين عليهم كبيراً. فبالرغم من أن البرلمان هو الجهة التي تحدد كيفية توزيع الموارد المالية على المشاريع المختلفة ، إلا أن لموظفي وزارة المالية أساليبهم التي تجعل منهم المرجع الأخير في هذا الأمر وهو ما يجبر بعض النواب للسعي نحو خطب ود هؤلاء الموظفين حتى يتمكنوا من تنفيذ الوعود السخية التي يبذلونها عادة خلال حملاتهم الانتخابية. ومن الطرائف التي تؤكد نفوذ الخدمة المدنية أن أحد الوزراء سئل في البرلمان عن مسألة مهمة فأشار إلى أن هذا الموضوع من الأهمية بحيث لا يستطيع أن يفتي فيه إلا وكيل الوزارة المعنية. من جهة أخرى ، فإن حادثة الجدل الشهيرة بين إيساكو ساتو وأحد موظفي الخدمة المدنية  في ستينات القرن الماضي تؤكد مدى الحساسية التي تكتنف العلاقات بين الطرفين. يروى أن النقاش احتد خلال أحد الاجتماعات بين النائب إيساكو ساتو الذي أصبح فيما بعد من أشهر رؤساء الوزارة في البلاد ومدير مكتب التمويل بوزارة الداخلية فصرخ ساتو قائلا: "يمكنك الحديث فقط عندما تضع على صدرك بطاقة نائب برلماني".

لم يكن من المستغرب إذن أن تشهد العلاقة بين السياسيين والموظفين بعض التوتر حتى أصبحت تمثل واحدة من القضايا العامة المتصلة بالاصلاح السياسي في البلاد. ولا غرو كذلك أن يقول رئيس الوزراء الياباني الجديد يوكيو هاتوياما خلال أول مؤتمر صحفي له بعد أداء القسم في 16 سبتمبر الحالي أن حكومته ستعمل على جعل اليابان دولة ذات سيادة شعبية حقيقية ترسم فيها السياسات بواسطة السياسيين وليس الموظفين. وبهذا التصريح لرئيس الوزراء يكون الصراع بين الحكومة الجديدة والموظفين قد أخذ منحى جديدا قد وأتخذت الحكومة بعد تصريحات رئيس الوزراء بعض القرارات التي تهدف لتقليص سلطات موظفي الخدمة المدنية وعلى رأسها القرار بمنع الموظفين من عقد المؤتمرات الصحفية ، وبدء التحقيق في المعلومات التي تقول أن موظفي وزارة الخارجية أخفوا منذ ستينات القرن الماضي عن بعض القيادات السياسية معلومات سرية للغاية عن العلاقات الأمنية بين اليابان والولايات المتحدة الأمريكية. ويبدو أن القرار الأخير قد أثار قلق الحكومة الأمريكية خاصة وأن برنامج حزب رئيس الوزراء يشير إلى ضرورة قيام علاقات متوازنة بين البلدين ، كما أن الحكومة الجديدة أبدت رغبتها في تحويل مواقع بعض القواعد العسكرية الأمريكية. وكرد فعل على هذا القرار قامت الحكومة الأمريكية بابتعاث مساعد وزيرة الخارجية لشئون شرق آسيا والباسفيكي على جناح السرعة إلى طوكيو حيث التقى بوزير الخارجية الياباني ، غير أن هذا موضوع آخر لا يتصل بمحور حديثنا هنا.

كانت مسألة النفوذ الكبير لموظفي الخدمة المدنية من القضايا الهامة في الحملة الانتخابية التي قادها رئيس الوزراء هاتوياما والحزب الديمقراطي الياباني ، غير أن الحكومة لم تطرح حتى الآن تصوراً شاملاَ حول الأمر مما جعل بعض الصحف وأجهزة الإعلام تقابل تصريحات رئيس الوزراء بالكثير من الشك. في افتتاحيتها بتاريخ 17 سبتمبر الحالي أشارت صحيفة الجابان تايمز إلى أن حديث رئيس الوزراء يشخص الداء ولكنه لا يقدم العلاج المتكامل بما يهدئ قلق المواطن في هذا الظروف الاقتصادية المضطربة. لم تكن محاولة الحكومة الجديدة للحد من نفوذ الخدمة المدنية هي الأولى من نوعها بالطبع ولكنها كانت ولا شك الأكثر جدية ، ولعل القرارات التي اتخذتها الحكومة حتى الآن وبصفة خاصة قرارها بمنع الموظفين من عقد المؤتمرات الصحفية تؤكد هذه الجدية.

من غير المعروف ما إذا كانت الحكومة الجديدة ستتمكن من تحقيق الهدف الذي أعلنته أم أن الخدمة المدنية ستنحني للعاصفة حتى تمر ثم تعاود دورها التاريخي ، علما بأن بعض الأصوات قد ارتفعت لتحذر من المواجهة بين الحكومة والموظفين في هذه اللحظات الحرجة من تاريخ البلاد. من الواضح أن رئيس الوزراء هاتوياما يسعى لتغيير صورة الواقع السياسي في البلاد ، وقد كان انتصار حزبه الباهر في الانتخابات العامة في أغسطس الماضي دليلاً على رغبة المواطن الياباني الحقيقية في التغيير. غير أن الحقيقة تبقى وهي أن هذا التغيير لا يمكن أن يتم إلا بخطوات جريئة وشجاعة ومحسوبة في نفس الوقت على الساحتين الداخلية والدولية وهو أمر قد لا يكون سهلا. ولا شك أن الخطوات والسياسات التي ستتخذها الحكومة في الأشهر القادمة تكتسب أهمية بالغة وهي التي يمكن أن تحدد ما إذا كان بالأمكان حسم المعركة لصالح السياسيين أم الموظفين. ولعل حساسية الأمر تكمن في أن القضية اكتسبت أبعاداً جعلت سمعة الحكومة معلقة على مدى مقدرتها على حسمها لصالح المواطن الياباني ، واعتقادنا أن حلا وسطاً يقوم على الإرث الياباني في السعي لتحقيق الاجماع قد يكون المخرج المناسب.

 

 

 

mahjoub al basha [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]