(2)

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

وضح مع مرور الوقت وتجاوز فترة الانفعال بالحدث أن الحكومة السودانية بدأت تعيد حساباتها فيما يتعلق بالمحاكمة العسكرية الفورية لأعضاء مجموعة أيلول الأسود آخذة في الاعتبار ردود الفعل التي يمكن أن تصدر عن عدد من الدول والمنظمات العربية.  ويبدو أن الحكومة الأمريكية بدأ يعتريها القلق من احتمال تأجيل محاكمة الفدائيين أو حتى إطلاق سراحهم ، وربما كان ذلك هو الانطباع الذي خرج به القائم بالأعمال الأمريكي من لقاءه بوزير الخارجية الدكتور منصور خالد في 14 مارس 1973. عندما سأل القائم بالأعمال عن موعد بدء المحاكمة لم يكن باستطاعة الوزير تحديد موعد معين لأن التحقيقات لا زالت تجري ، ولأن الموضوع كان يعالج بواسطة القضاء. حاولت الحكومة الأمريكية أن تمارس بعض الضغوط من أجل بدء المحاكمة ، غير أن المسئولين السودانيين لم يكونوا على استعداد للتدخل في شئون القضاء الذي ظلوا يصفونه دائما بالاستقلالية مما أثار قلق الدبلوماسيين الأمريكيين الذين قاموا بنقل ذلك لرئاستهم بواشنطن.

من الواضح أن الحكومة الأمريكية كانت تمر بمحنة حقيقية حول كيفية التعامل مع الحكومة السودانية فيما يتعلق بمحاكمة منفذي عملية السفارة السعودية. ففي الوقت الذي كانت ترغب فيه أن تتم المحاكمة بسرعة وأن يلقى المتهمون جزاءهم الصارم ، فقد كانت تضع في اعتبارها أمراً مهماً وهو ألا تبدو وكأنها تضغط على الحكومة السودانية مما قد يأتي بنتائج عكسية. من جانب آخر ، فإن الحكومة الأمريكية كانت تقوم في ذلك الوقت ببذل جهود كبيرة مع الرئيس المصري محمد أنور السادات من أجل توقيع اتفاق للسلام مع اسرائيل في أعقاب حرب أكتوبر 1973 ، وكان السودان من الدول العربية القلائل التي تقف إلى جانب الرئيس السادات في جهوده تلك. كما كان الرئيس نميري هو الزعيم العربي الوحيد الذي أبدى تأييداً لاتفاقية سيناء الأولى للفصل بين قوات الجيشين المصري والاسرائيلي والتي وقعت بين الجانبين في 18 يناير 1974.

تعكس المكاتبات المتبادلة بين السفارة الأمريكية بالخرطوم ورئاستها في واشنطن هذه المحنة. عندما أحس السفير في الخرطوم بقرب موعد صدور الحكم على المتهمين اقترح على حكومته تكليفه بنقل رسالة من الرئيس نكسون للرئيس نميري تبرز مدى اهتمام الحكومة الأمريكية بالحكم الذي سيناله المتهمون. اقترح السفير أن تحتوي الرسالة على إشادة بنزاهة القضاء السوداني وتناوله الممتاز للقضية المطروحة ، والإشارة إلى أن الحكومة الأمريكية ظلت تنأى بنفسها عن كل ما من شأنه أن يفسر كتدخل في سير القضية أو الضغط على الحكومة السودانية خوفاً من أن يؤدي  ذلك إلى تعقيد الوضع بالنسبة للحكومة السودانية ، والتعبير في نفس الوقت بقوة عن الاهتمام البالغ الذي توليه الحكومة والشعب الأمريكي للموضوع ورغبتهما الملحة في أن يريا هذا الأمر وقد وصل إلى نهاياته الطبيعية والمقنعة. والمقصود بالجملة الأخيرة هو أن الحكومة الأمريكية تأمل في أن توقع أقصى عقوبة ممكنة على المتهمين. 

جاء رد الخارجية الأمريكية على سفارتها متحفظاً فبعد دراسة عميقة لرسالة السفير رأت رئاسته عدم الموافقة على تسليم رسالة من الرئيس نكسون للرئيس نميري وذلك لأن مجرد تسليم الرسالة في مثل هذا الوقت سيكون مادة للإعلام مما قد يفسر بصورة سالبة في العالم العربي عامة وفي السودان بصفة خاصة. أما إذا تسربت محتويات الرسالة للإعلام فإن ذلك قد يجعل موقف الرئيس نميري حرجاً ويدفعه دفعاً لتخفيف الحكم على منفذي العملية. وجهت الرئاسة سفيرها بالسعي على أي حال للحصول على مواعيد مع الرئيس نميري لتبليغه شفاهة موقف الحكومة الأمريكية بالصورة التي اقترحها في برقيته ، مع تنبيه السفير لاختيار الوقت المناسب لطلب المقابلة بحيث لا يرتبط التوقيت بموعد صدور الحكم. في حالة صدور الحكم بالبراءة وهو أمر مستبعد على حد قول الخارجية الأمريكية فإن على السفير أن يستعد للعودة إلى واشنطن للتشاور وسيتم في هذه الحالة الإعلان بأن السفير قد تم استدعاؤه.

أصدرت المحكمة في 24 يونيو 1974 قرارها بالسجن المؤبد على المتهمين ورفع القرار في نفس اليوم للمحكمة العليا التي قامت بتأييده ومن ثم رفعه للرئيس نميري مع التوصية بالنظر في تخفيضه. أصدر الرئيس نميري قراره بتخفيض الحكم لسبع سنوات على أن يسلم المحكومون لمنظمة التحرير الفلسطينية لتنفيذ الحكم باعتبار أن المنظمة هي الحكومة الفلسطينية التي تعترف بها كل الدول العربية وجانب كبير من المجتمع الدولي. غادر الفلسطينيون بعد ظهر نفس اليوم على طائرة خاصة للعاصمة المصرية القاهرة حيث تم تسليمهم للسلطات المصرية التي قامت باعتقالهم في أحد سجون القاهرة ربما بالاتفاق مع منظمة التحرير الفلسطينية. لم تكن السفارة الأمريكية بالخرطوم على علم بما تم إلا بعد مغادرة الطائرة مطار الخرطوم بعد أن استمع بعض منسوبيها للخبر ضمن نشرة الأخبار بإذاعة لندن. كان من الطبيعي إذن أن تثور ثائرة الجانب الأمريكي حيث قام وزير الخارجية الأمريكية بالإنابة عندئذ جوزيف سيسكو بإرسال برقية عاجلة للسفير بالخرطوم  توجهه بطلب موعد عاجل للقاء مع الرئيس نميري  وإبلاغه بامتعاض الحكومة الأمريكية البالغ وخيبة أملها الشديدة حيال القرار الذي يعني فعلياً إطلاق سراح "هؤلاء القتلة" الذين اعترفوا بتصفية ممثلي حكومتين أجنبيتين بينهما ممثلين شخصيين للرئيس نكسون. كما طلب الوزير من السفير تذكير نميري بوعوده المتكررة بأن "القتلة" سيجدون جزاءهم العادل. كما طلب من السفير ابلاغ الرئيس نميري أن قراره سيخلف آثاراً سيئة للغاية على الرأي العام الأمريكي بما في ذلك الكونغرس. تم بعد ذلك استدعاء السفير لواشنطن وتركت السفارة تحت قيادة قائم بالأعمال تعبيراً عن امتعاض الحكومة الأمريكية وبذلك دخلت العلاقات بين البلدين مرحلة من البرود.

في اللقاء الذي تم بين الرئيس نميري والسفير الأمريكي سعى الرئيس لأن يدفع ببعض الحجج التي تبرر الموقف السودان في محاولة لكسب تفهم الحكومة الأمريكية حيث أشار إلى أن السودان احتجز الفلسطينيين لمدة ست عشر شهراً وهو ما لم تقم به أي حكومة من قبل عربية كانت أو أجنبية. كما أشار الرئيس لقرار القمة العربية بالرباط والذي يعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية كحكومة شرعية تمثل الشعب الفلسطيني لذلك فإنه من الطبيعي أن يقوم السودان بتسليم المحكومين لها لتنفيذ الحكم عليهم. لم يقل الرئيس نميري صراحة أن حكومته كانت ترغب في التخلص من المعتقلين بأي صورة ، إلا أنه أشار إلى أن لديه معلومات مؤكدة بأن عدم تسليم المحكوم عليهم لمنظمة التحرير الفلسطينية كان سيتبعه عدد من العمليات الفدائية ضد المصالح السودانية والأمريكية والسعودية. ورغم تفهمه لموقف الحكومة الأمريكية والكونغرس إلا أن عليه كذلك أن يأخذ في الاعتبار الرأي العام السوداني والرأي العام العربي. أشار السفير خلال اللقاء أن عودته هذه المرة لواشنطن ليست كسابقاتها وأن التعاون الاقتصادي بين البلدين سيتأثر سلباً بقرار الرئيس نميري. 

جاء رد فعل الحكومة الأمريكية في شكل برقية بتوقيع هنري كسنجر وزير الخارجية نفسه للسفارة بالخرطوم تفيدها بالخطوات التي اتخذتها الحكومة بشأن العلاقة مع السودان. أوردت البرقية عدداً من الخطوات من بينها:

-      تحجيم الاتصالات بين أعضاء السفارة بالخرطوم والمسئولين السودانيين مع الاستجابة لطلب اللقاء إن جاء من الجانب السوداني.

-      وقف المساعدات التنموية للعام 1975 وتحويل المبالغ المتبقية من الميزانية إلى جهات أخرى غير السودان.

-      وقف المساعدات التي كانت تقدم في شكل شحنات من القمح إلا بالنسبة للحالات الانسانية.

-      ستنفذ الحكومة الأمريكية تعهداتها بشأن مشروع الرهد في حدود 11 مليون دولار ولكنها لن تنظر في أي طلبات سودانية لموارد مالية جديدة للمشروع أو غيره.

-      وقف برامج التدريب العسكري مع السماح للمبعوثين العسكريين الموجودين أصلا بالولايات المتحدة بإكمال فترات تدريبهم.

-      وقف برامج بنك التصدير والاستيراد وبخاصة مشروع القرض المتعلق بشراء طائرتي بوينغ 737.

وجهت الوزارة سفارتها بالخرطوم بعدم إبلاغ السلطات السودانية بالخطوات التي تنوي الحكومة الأمريكية اتخاذها إلا في حالة السؤال من جانب المسؤولين السودانيين عن موضوعات بعينها.

في برقية لرئاسته بتاريخ 11 سبتمبر 1974 شكك القائم بالأعمال الأمريكي في حكمة إخفاء الخطوات التي اتخذتها الحكومة الأمريكية ضد السودان ، إذ أن ذلك يجعل من الصعب على السفارة قياس رد الفعل السوداني. أشار القائم بالأعمال إلى أنه لم يلمس في لقاءاته بالمسئولين السودانيين أي تراجع عن موقفهم الذي أبلغه الرئيس نميري للسفير بريوار قبل عودته لواشنطن بعد تسليم الفدائيين لمنظمة التحرير الفلسطينية. ويبدو أن الحكومة السودانية كانت قد علمت بالسياسة الأمريكية الجديدة إما من مصادرها الخاصة أو عندما تلكأت الحكومة الأمريكية في تنفيذ بعض تعهداتها. لذلك فقد سعت الحكومة السودانية فيما يبدو لاستطلاع كل القنوات التي يمكن أن تساعد في عودة العلاقات لطبيعتها ، وكان أقرب هذه القنوات بالطبع هي قناة الحكومة السعودية التي كانت تربطها علاقات طيبة بالجانبين. قام وزير الخارجية الدكتور منصور خالد بزيارة للمملكة العربية السعودية في يومي 27 و28 أغسطس وذلك للقاء وزير الخارجية السعودي قبل مغادرته في زيارة لواشنطن ، كما التقى الرئيس نميري بالسفير السعودي بالخرطوم في يوم 27 أغسطس ومن الواضح أن الموضوع الذي طرحه الرئيس والوزير في لقائيهما هو السعي بالوساطة لدى الولايات المتحدة بهدف إعادة العلاقات لطبيعتها.

كانت الظروف الدولية السائدة ملائمة لمواصلة جهود السودان ، فالحكومة الأمريكية كما ذكرنا كانت تسعى لاتفاق سلام بين مصر وإسرائيل وكان السودان من الدول العربية القليلة التي أيدت هذا المسعى. كما أن إثيوبيا المجاورة كانت تشهد أحداثا درامية منذ بداية عام 1974 وصفت "بالثورة الزاحفة" وانتهت باطاحة القوات المسلحة بالنظام الامبراطوري الصديق للولايات المتحدة في سبتمبر من نفس العام. لذلك فقد وجدت الوساطة السعودية فيما يبدو أذناً صاغية لدى الحكومة الأمريكية كما يتضح من الرسالة التي بعث بها هنري كسنجر من موسكو التي كان يزورها عندئذ للسيد عمرالسقاف وزير الدولة بالخارجية السعودية ينقل له فيها موافقة حكومته على عودة سفيرها للخرطوم دون إعلان تفادياً للمعارضة القوية للخطوة داخل الولايات المتحدة. غير أنه وبالرغم من عودة السفير إلا أن الخطوات التي اتخذتها الحكومة الأمريكية بشأن التعاون العسكري والاقتصادي استمرت على ما هي عليه. ففي مايو 1975 خاطب السفير الأمريكي رئاسته للنظر في أمر تخفيف العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على السودان وذلك باستئناف بعض المساعدات الاقتصادية. وفي لقاء للسفير السوداني بواشنطن فرانسيس دينق مع وزير الخارجية في أبريل 1976 اشتكى السفير من أن العلاقات لم تعد بعد لطبيعتها ، وقد علل الوزير ذلك بأن الشعب الأمريكي لم يتجاوز بعد موضوع تسليم مجموعة أيلول الأسود لمنظمة التحرير الفلسطينية.

كانت الحكومة السودانية قد اختارت الدكتور فرانسيس دينق سفيراً لها في واشنطن في إطار جهودها لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة. في اللقاء الذي أشرنا له أعلاه بين السفير ووزير الخارجية طلب السفير تحديد ميعاد للقاء الرئيس نميري مع الرئيس فورد وذلك خلال زيارة الرئيس نميري الخاصة للولايات المتحدة. لم يلتزم الوزير بتحديد الميعاد المطلوب بالنظر لبرنامج الرئيس فورد المزدحم في ذلك العام بسبب احتفال الولايات المتحدة بمئويتها الثانية ، غير أن اللقاء الذي نظر له من الجانب السوداني كدليل على التطبيع الكامل للعلاقات تم فعلا في العاشر من يونيو 1976. أثار الرئيس نميري عددا من النقاط التي كانت تشغل باله والتي تمحورت بصورة أساسية حول ازدياد النفوذ السوفيتي في القرن الأفريقي والمحيط الهندي مؤكدا أن السودان ومصر والمملكة العربية السعودية ينظرون لهذا الأمر بقلق شديد ، وطالب الرئيس بتدخل الولايات المتحدة لحل المشكلة الإرترية التي أصبحت ذريعة لتدخل الاتحاد السوفيتي في شئون القرن الأفريقي.

كانت زيارة الرئيس نميري للولايات المتحدة بداية لتطور العلاقات السودانية الأمريكية بصورة كبيرة مما يعني تجاوز أزمة اغتيال السفير الأمريكي بالخرطوم قبل ثلاث سنوات. كما كانت التطورات في المنطقة والوجود السوفيتي المتعاظم في ليبيا والقرن الأفريقي خاصة بعد حرب الأوقادين مدعاة للمزيد من التعاون بين الجانبين. أصبح السودان ولأول مرة منذ استقلاله طرفاً في الحرب الباردة التي كانت تدور رحاها في القارة الأفريقية بين القوتين العظميين وبصورة خاصة في القرن الأفريقي و تشاد ، وبذلك أصبح السودان من الدول المهمة بالنسبة للاستراتيجية الأمريكية في أفريقيا. وكنتيجة لذلك أصبحت حكومة الرئيس نميري من أكثر الحكومات الأفريقية تلقياً للعون الأمريكي كما شاركت بقواتها في مناورات النجم الساطع التي جرت بمصر في عام 1983. وكما هو معلوم فقد بلغت قمة التعاون بين الجانبين في عملية ترحيل يهود الفلاشا من إثيوبيا لإسرائيل والتي كانت واحداً من الأسباب التي قادت في النهاية لسقوط نظام الرئيس نميري في أبريل 1985.