عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
( كشفت آسيا محمد عبدالله ، وزيرة التربية والتعليم عن رسوب (4) ملايين تلميذ و (56) الفاً و(763) بجميع ولايات السودان في امتحانات مرحلة الأساس لهذا العام من جملة عدد الجالسين البالغ 4 مليون و(422) الفاً و(939) تلميذاً بجميع الولايات ونجاح (366) الفاً و(167) تلميذاً بنسبة حوالي (8,2%) من جملة الجالسين، وسجلت الولاية الشمالية أعلى نسبة نجاح بزيادة ( 4,2%) عن العام السابق تلتها ولاية كردفان ). إنتهى
الخبر أعلاه أوردته صحيفة "الرأي العام" في عددها المنشور بتاريخ 1/يوليو 2017, وفور قراءته تبينتُ أنَّ هناك خطأ في الأرقام, فلا يُمكن بداهة أن يجلس لإمتحان الأساس أكثر من أربعة ملايين تلميذ, وبعد إجراء عدد من الإتصالات علمتُ أنَّ الصحيفة نقلت الأرقام بدقة من البيان الذي قدمتهُ وزيرة التربية أمام البرلمان.
وبعد مرور عدة أيام قامت ذات الصحيفة "الرأي العام" بنشر تصحيح للخبر وردها من الوزارة كالآتي :
( إعتذرت وزارة التربية والتعليم عن لبس في الأرقام التي وردت في بيان وزيرة التربية أمام البرلمان الأسبوع الماضي، بخصوص عدد التلاميذ الذين جلسوا لامتحانات الأساس هذا العام، وقالت الوزارة في توضيحها إن عدد الجالسين للامتحانات (442939) والناجحين، (366,176)، بينما ورد في البيان امام البرلمان أن الراسبين (4,056,763) من أصل (4,422,939)، بنسبة نجاح بلغت 8% ). إنتهى
تضمين الأرقام الخاطئة في بيان في غاية الأهمية يقدَّم أمام البرلمان, يعكس مدى المأساة التي يُعاني منها التعليم والوزارة المشرفة عليه, فمثل هذه البيانات يجب أن تخضع للمراجعة الدقيقة, ذلك لأنَّ الوزير المعني سيقوم بعرضها على "نواب الشعب", الذين يجب عليهم كذلك أن يطلعوا على "دقائق الحقائق" الواردة فيه حتى تتم مناقشة الوزير حولها وتوجيه الإنتقادات أو الإشادة وفقاً للأرقام والمعلومات المذكورة.
المُصيبة الكبرى هى أنَّ بيان السيدة الوزيرة مرَّ على "نوًّاب الشعب" مرور الكرام, دون أن يتطرَّق واحداً منهم لتصحيح الأخطاء الواردة فيه, وهو ما يُشير لعمق الأزمة التي تعيشها المؤسسة الرقابية والتشريعية الأولى في البلاد.
إنَّ تدارك الخطأ بعد عدة أيام, وبعد أن إنتشر الخبر وسبب حرجاً للوزارة حيث تداوله آلاف الناس عبر "الواتساب", يوضح مدى التراخي والتساهل في التعامل مع قضية التعليم, وهو في حقيقة الأمر يُشير للكيفية التي ظلت تتعامل بها الدولة ووزارتها مع موضوع التعليم منذ أن حطَّت "الإنقاذ" برحالها قبل حوالى ثلاثة عقود.
لم يشهد التعليم في السودان منذ الإستقلال تخبُطاً وتدهوراً شاملاً مثل الذي شهده في خضم الهوجة الثورية الرسالية الإنقاذية, حيث أصبح حقلاً للتجارب الفاشلة وغير المدروسة منذ أن اكتشف أحد وزراء الغفلة بعبقرية غير مسبوقة ما لم يكتشفه قبله الأفذاذ من كبار رجالات التربية والتعليم من أنّ تعليمنا قبل الإنقاذ كان فاسداً وساق دليلاً على فساده بالقول أنَّ : المستعمر البريطاني قصد ب "طه القرشي" الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام, فتأمل !
ثم شرعت الإنقاذ في تغيير المناهج الدراسية بلا أساس علمي ووفق منظور آيديولوجي مغلق وجامد وأحادي ينبني على الحفظ والتلقين والإجترار ولا يشجع على النقد والإبداع والإبتكار ورفعت يدها عن التعليم الحكومي بتبني سياسة الخصخصة التعليمية حتى انتهت إلى بدعة تخفيض سنوات التعليم العام وما اكتنفها من جدل تربوي لم يحسم حتى يوم العالمين هذا.
تمَّ كل ذلك ضمن خطة سياسية لا تضع التعليم في مقدمة أولوياتها لإحداث النهضة الشاملة, وفي إطار سياسة تحرير إقتصادي منفلتة و منحازة للفئات العُليا و الغنيَّة في المجتمع, ووفق برنامج للتجييش المجتمعي يبدأ بملابس الطلاب ولا ينتهي بالشحن الجهادي العنيف في المقررات الدينية المتضخمة.
وبعد مرور ثلاثة عقود تبيَّن الحصاد البائس لتلك السياسة, حيث تضاعف الفاقد التربوي عشرات المرَّات و ضحاياه في الأساس من أبناء الأسر رقيقة الحال والفقيرة التي أصبح التعليم بالنسبة لها رفاهية صعبة المنال ( يوجد حوالى ثلاثة مليون طفل خارج نطاق التعليم في المناطق الريفية ومناطق الحروب بحسب اليونسيف ).
وكذلك ارتفعت نسبة الأميَّة في البلاد من 37 % الى 57 % بحسب إحصاءات المجلس القومي لمحو الأميَّة, وتراجع مستوى التعليم الجامعي تراجعاً مخيفاً, بسبب الفصل التعسفي الذي طال مئات الأساتذة, وهجرة الآلاف منهم لتدني الأجور وعدم توفر البيئة الصالحة للبحث, إضافة للزيادة الكبيرة في عدد الطلاب وما صاحبها من قيام جامعات بصورة غير مدروسة, فضلاً عن التطبيق العشوائي لسياسة "التعريب" وغير ذلك من الأسباب.
قد تمَّ إقصاء أصحاب الخبرات من رجال التربية والتعليم غير الموالين للتوجهات الحكومية, وعبر توظيف خدعة "أسلمة العلوم" , والتي تناقض المفهوم السليم لعالمية العلوم , تمَّت شيطنة المناهج السابقة لعهد الانقاذ, و تحوَّلت المدارس الى معسكرات لتجنيد المحاربين , وعانى المعلم من ضعف المقابل المادي ومن التراجع في مجالات التأهيل والتدريب, وقد حدث كل هذا بمباركة الحكومة و في ظل سياسة وتوجه آيديولوجي "رسالي" يتوّهم إمتلاك الصواب الكامل.
ليس ثمة علاج لهذه الأدواء إلا عبر تغيير جذري يطالُ نهج التحكم وعقلية السيطرة, لا بدَّ من إشراك كافة السودانيين من أهل الدراية والمعرفة في المراجعة الشاملة لأوضاع التعليم وفي التخطيط للعملية التعليمية من أجل إحداث التغيير المنشود.
لا مناص كذلك من تحديد فلسفة وبرامج وأهداف العملية التعليمية بوضوح, هل نُريد تكوين صُناَّع التقدم والإبتكار والإبداع أم نهدف لتخريج محاربين ومقاتلين ووعَّاظ ؟ الخيارالأول يقودنا لتضمين قيم التعددية وكونية العلم والمعرفة واحترام الاختلاف والإعلاء من قيمة حقوق الإنسان في مناهج التعليم, أمَّا الخيار الثاني فلن يؤدي الا للمزيد من الأجيال المعزولة عن العالم وعن حركة تطوُّر العلم.
النهج المغلق والمعزول عن العالم وعن حركة تطوُّر العلم يحول دون وضع برامج حديثة ومواكبة في علوم مثل الرياضيات والأحياء والكيمياء والفيزياء والكمبيوتر, فهو لا يعتني باللغة الإنجليزية التي بدونها لا يمكن مواكبة التطورات العلمية في العالم, وهو كذلك لا يستفيد من تجارب الدول التي أنجزت تطورات كبيرة في برامج التعليم.
حدَّثني صديق نقلاً عن قريبه الديبلوماسي بوزارة الخارجية السودانية حول فترة عمل قضَّاها الأخير في ماليزيا, حيث كان مصدر شكواهم الرئيسي هو استقبال العشرات وربما المئات من الوفود الحكومية التي تأتي بحسب قوله " لدراسة التجربة الماليزية", وقد استمر هذا الحال لسنوات طويلة دون أن يظهر أدنى أثر ايجابي لتلك الزيارات و الدراسات على الواقع المزري لمؤسسات الدولة وأجهزة الإدارة و الخدمة المدنية , والسبب الرئيس لذلك هو أنَّ الإختلاف بين التجربتين يكمن في طبيعة النظام السياسي وفي الرؤية الكلية لأهداف التنمية ووسائل تحقيقها.
ويُخبرك العارفون بالتجربة الماليزية بأنَّ التعليم كان رأس الرمح في عملية التنمية والنهوض, وقد تمَّ الإهتمام باللغة الانجليزية, خصوصاً في تعليم الرياضيات والعلوم, وتم ابتعاث الطلاب للدراسة في الخارج ( أوروبا وأمريكا).
ويجدرُ بنا أن نذكر في هذا الخصوص أنَّ دولة ماليزيا تُخصِّص ما بين 20 -25 % من ميزانيتها السنوية للتعليم والتدريب, وهى تُنفق على التعليم ثلاثة أضعاف ما تُنفِقهُ على الجيش والدفاع, نعم، ثلاثة أضعاف ! ( نصيب التعليم في ميزانية السودان لا يتعدى 2%) !
قد أنجزت ماليزيا معجزتها التنموية بتبني رؤية شاملة للإقتصاد والمجتمع والسياسة, وكان إصلاح التعليم والخدمة المدنية – ضمن جوانب أخرى – هما ركيزتا قاطرة التنمية التي سارت في قضبان راسخة هى نظام الحكم حيث لم تشهد ماليزيا إنقلاباً عسكرياً يقطع طريق النهضة الحضارية.
أخيراً نقول : أزمة التعليم لا تنفصل عن مجموع أزمات السودان السياسية والإقتصادية والإجتماعية, هى أزمة مرتبطة بالأساس بالعقلية المُتحكِمة التي لا تُجيد السير إلا في طريق لإتجاه واحد, ويستعصي عليها قبول أى شخص يسير في الإتجاه المعاكس, وبالتالي فإنه سيتعذر حلها طالما لم يقع تغيير جذري في طبيعة تلك العقلية.