عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
كتبت الأستاذة شمائل النور مقالاً بصحيفة التيار تحت عنوان "هوس الفضيلة", تنتقد فيه ظاهرة "التدين الشكلاني" الذي إنتشر في البلاد مؤخراً, وهو نوع من التديُّن يحصِرُ الدين في الأمور المظهرية ولا يأبه كثيراً بروح الدين وقيمه وتعاليمه الحقيقية.
كذلك قامت الكاتبة بإنتقاد الخلل في ترتيب أولويات الحكومة, وذلك في إطار تعليقها على حديثٍ أدلى به نائب رئيس حركة النهضة التونسية "عبد الفتاح مورو" لقناة الشروق الفضائية إستنكر فيه أن تكون "القضية السلوكية" هي المحور الوحيد الذي يدور حوله فكر الحركات الإسلامية و إتهمها بالسعي لإنزال أنموذج إجتماعي أحادي بقوة السلطة.
إنبرى أحدهم للرد على حديث شمائل بعد أن قرأ مقالها "بعين السخط", ولم يتورع عن وصفها "بإحدى متحررات الخرطوم" و "بالفتاة المستهترة", ولم ينس كذلك أن يُزيِّن حديثه بالكثير من المفردات العجيبة من شاكلة "إنداية" و "مواخير" وغيرها مما هو معتاد في كتابته.
ما كنا لنشغل أنفسنا بتناول حديثه لولا أنه إنزلق إلى دائرة "المحظور" بتصويره لكلام الكاتبة بأنه ( تجاوز للخطوط الحمراء وتطاول على الله ورسوله ودينه وشعائره ), ولولا أنه تجرأ وقال على لسانها ما لم تقله حين ذكر أنَّ ( الصلاة عماد الدين التي من أقامها فقد أقام الدين ومن تركها فقد هدم الدين هي عند تلك الفتاة المتطاولة مجرد شيء حقير وتافه لا ينبغي أن يحظى بالاهتمام إنما بالاحتقار والتجاهل ). إنتهى
الحديث أعلاه لا يعدو كونه محاولة شريرة لتفتيش "الضمائر" والسعي "للتجريم" بأية وسيلة, وهو كذلك يمثل دعوة مفتوحة "للتكفير" ورفع غطاء الدين عن الأستاذة شمائل, فعندما تُرمى جزافاً بأنها تتطاول على الله ورسوله ودينه, وتحتقر وتتجاهل الصلاة, فإنَّ ذلك يُعتبر بمثابة المقدمة الضرورية للسيناريو الذي تكرر كثيراً والذي عادة ما ينتهي برمي المستهدف منه بتهمة الخروج على الإسلام.
غير أنَّ خطيب مسجد الجريف الحارة الأولى – محمد الجزولي – مضى بعيداً في سكة سابقه, وتعهد في خطبة الجمعة الماضية بقيادة حملة ضد الاستاذة شمائل, وقام بتحريض المصلين ضدها قائلاً : ( انهضوا لحماية دينكم, اغضبوا لشرعكم وربكم ), ولم يكتف بذلك بل توعد بمقاضتها بتهمة "الردة" قائلاً ( سنذهب إلى سوح القضاء للنظر إن كانت هذه ردة أم لا).
كذلك دخل على خط التجريم وتفتيش العقائد رئيس لجان تزكية المجتمع "عبد القادر أبوقرون" الذي أكد أنهم سيفتحون بلاغاً ضد الأستاذة شمائل التي قال أنها ( تعالت وتجنت بصورة واضحة على العقيدة ) و إعتبر مقالها تجنياً على الدين, ثم أضاف أمراً في غاية الخطورة بتأكيده على ( اعتزامهم التنسيق مع مجمع الفقه وعلماء السودان في إصدار فتاوى في أمر النقاط التي أثارتها فى المقال ).
خطورة هذه الحملة المنظمة لا تتمثل فقط في "ترهيب" الكاتبة, ولكنها تمضي أكثر من ذلك لإعطاء التبرير الذي يُمكِّن أن يؤدي للعنف والقتل, ولا عبرة بقول هؤلاء أنهم سيذهبون لساحات المحاكم والقضاء ذلك لأن مجرد رميهم للكاتبة بهذه الإتهامات الخطيرة سيجد طريقه لآذان البعض من البسطاء الذين سيسعون للدفاع عن دينهم بالوسيلة التي يعرفونها دون أدنى إعتبار لأحكام القضاء.
قد أستخدمت مثل هذه الأقوال والفتاوى التي قال أبوقرون أنهم سيصدرونها كسلاح للإرهاب عبر رمي تهم الزندقة والكفر والردة, وتكمن الخطورة في أنَّ تلك الإتهامات عندما تصدر من منابر "المساجد" ومن "الهيئات الرسمية" فإنها تعطي "المُسِّوق" الذي يُبيح التصفية و القتل و سفك الدماء.
لقد كتبتُ من قبل مُنبِّهاً إلى أنَّ الفتوى تعتبرُ إذناً مفتوحاً بالقتل, وأنها بمُجرَّد صدورها ستجدُ من يلتقطها ويعمل بها من تلقاء نفسه ظاناً أنهُ يخدم قضية الدين ويطبق حكم الله, وعندما يدعو خطيب مسجد ما المُصلين للنهوض للدفاع عن دينهم والغضب لربِّهم, فإنه لن يستطيع التحكم في الوسيلة التي سيعبرِّون بها عن ذلك الغضب.
الشاب الذي قام بطعن الروائي المصري الراحل نجيب محفوظ بقصد إغتياله إعترف بأنه لم يقرأ حرفاً واحداً مما كتبهُ نجيب محفوظ, ولكنهُ سمع قول الدكتور عمر عبد الرحمن مفتي الجماعات الإسلامية بأنّه : " من ناحية الحكم الإسلامي فسلمان رشدي الكاتب الهندي صاحب آيات شيطانية ومثله نجيب محفوظ مؤلف أولاد حارتنا مرتدان وكل مرتد وكل من يتكلم عن الإسلام بسوء فلابد أن يقتل ولو كنا قتلنا نجيب محفوظ ما كان قد ظهر سلمان رشدي".
أمَّا قاتل الدكتور فرج فودة فقد كان سمَّاكا أميَّاً لا يقرأ ولا يكتب, ولكنه قال في المحكمة أنه قتلهُ لأنه سمع بفتوى جبهة علماء الأزهر التي إتهمته بالردة وأوجبت قتلهُ.
قد أصدر الدكتور عمر عبد الرحمن فتوى إغتيال الرئيس المصري الراحل السادات بإعتباره مُرتداً عن الدين, وقام خالد الإسلامبولي ورفاقه بتنفيذ عملية الإغتيال بُناءً علي تلك الفتوى , ولكن الدكتور عمر تنصَّل من مسئوليته عنها وقال أمام نيابة أمن الدولة العليا أثناء التحقيقات فى قضية قتل السادات ومحاولة قلب نظام الحكم إنَّ "فتواه فردية" وأنه غير مسؤول عن إيمان قتلة السادات بها.
من المؤكد أن قول الدكتور عمر عبد الرحمن سيتكرر مرَّة أخرى حين تقع الكارثة, حيث سيتنصل الذين حرضوا بسطاء الناس من مسؤوليتهم عنها, وسيقولون أنهم لم يدعوا أحداً للتصرف من تلقاء نفسه بل سعوا لساحات القضاء حتى يتحاكموا لمادة الردة.
الأمر الذي تتوجب الإشارة إليه في هذا الخصوص هو أن هذا النوع من التكفير "المجاني" لا يقف عند حدٍ مُعين إذا أُطلق من عقاله, وسيدخل البلاد في دائرة التكفير والتكفير المضاد, فالتجربة التاريخية علمتنا أنَّ دوافعه عادة ما تكون خارج إطار الدين, وأن أسبابه في الأساس سياسية أو بدوافع تصفية الخلافات الفكرية, هكذا كان الأمر منذ إغتيال "الحلاج" وحتى إعدام الأستاذ "محمود محمد طه" الذي قبض عليه بسبب منشور سياسي معارض لنظام النميري وانتهى به الأمر مقتولاً بحد الردة.
في تسعينيات القرن الماضي قام الدكتور عبد الصبور شاهين بتكفير المفكر المصري الراحل الدكتور "نصر حامد أبوزيد"، وحرَّض عليه "الغوغاء" من خلال خطب صلاة الجمعة حتى تمَّ تقديم الأخير للمحاكمة حيث قضت المحكمة بإرتداده عن الدين الإسلامي وأمرت بالتفريق بينه وزوجتهُ الدكتورة إبتهال يونس، مما جعله يغادر وطنهُ مصر إلى هولندا.
ولم يمض وقتٌ طويل حتى أصدر الدكتور شاهين كتاباً بعنوان "أبي آدم" قال فيه إنَّ آدم هو أبو الإنسان وليس أبا البشر الذين ( هم خلق حيواني كانوا قبل الإنسان" فاصطفى الله منهم آدم ليكون أباً للإنسان ، وهو ما أشار إليه الله في القرآن بـ "النفخ في الروح" ، وأباد الله الجنس البشري فلم يبق منهم إلا آدم ، فعدله الله وسواه كما ينص القران "الذي خلقك فسواك فعدلك" ).
لم يعجب هذا "الإجتهاد" بعضاً من شيوخ السلفيين فقاموا بتكفير الدكتور عبد الصبور شاهين.
ولم يكن شاهين وحدهُ من نال حظه من التكفير، بل هناك أيضاً الكاتب الإسلامي الراحل "محمد جلال كشك" الذي كان ضمن "الجوقة" التي قامت بتكفير الدكتور نصر أبوزيد، وكان كشك قد كتب في عام 1984 كتاباً بعنوان "خواطر مسلم في المسألة الجنسية" قال فيه أنه يُباح لأهل الجنة إتيان "الولدان المخلدون" من أدبارهم، فثار عليه العديد من المشايخ وأصدروا فتوى بتكفيره وخروجه من الملة وصادر الأزهر كتابه.
كذلك قامت مجموعة من "السلفيين" قبل عدة سنوات بتكفير الشيخ "النيل أبو قرون" وإتهامه بالردة عن الإسلام، وقد تمَّت إستتابته بعد ذلك على الرغم من أنَّ الرَّجل كان أحد ثلاثة أشخاص قاموا بصياغة القوانين التي أسماها النميري "الشريعة" و حكم بموجبها على الأستاذ محمود محمد طه بالردة.
الأهم من كل ذلك هو ضرورة رسم حدود "للوعاظ" الذين صاروا يحتلون منابر المساجد، ويصدرون الفتاوى في كل شىء دون رقيب أو حسيب، يُقحمون أنفسهم في أمور السياسة التي لا يفقهون فيها شيئاً، ويقررون في مصائر البلاد والعباد من خلال تشكيل عقول الناشئة من الشباب المخلص والمتحمس لدينه.