عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

في الوقت الذي تطلب فيه الحكومة من كافة الأحزاب والقوى السياسية المُشاركة في لجنة إعداد و صياغة دستور السودان الدائم, و تتعهد بحُريَّة عمل اللجنة  وعدم فرض أى وصاية , أو رؤيةٍ مسبقة عليهم, يخرج علينا كل صباح أحد قيادات المؤتمر الوطني بتصريحات تؤكد أنَّ "حليمة ما زالت في قديمها", وانَّ دعوة الحكومة لا تخرج من دائرة المناورات التي ظلت تحكم توجهها لأكثر من عقدين من الزمان.
في هذا الإطار خرج علينا وزير الإستثمار و عضو المكتب القيادي بالمؤتمر الوطني الدكتور مصطفي عثمان بتصريح حاسم لدى مخاطبته لقاءاً جماهيرياً حاشداً بالولاية الشمالية الإسبوع الماضي قطع فيه إنَّ (السودان لن يُحكم بغير الدستور الإسلامي وتعاليم الدين السمحاء). إنتهى
قلنا مراراً وسنظلُّ نقولُ أنهُ لا يُمكن الإتفاق على دستورٍ نطلقُ عليه صفة "إسلامي" لأنَّ من الصعب الإتفاق حول تفسير واحدٍ لما يُريدهُ الإسلام في الكثير من القضايا, إذ أنَّ كل جهة تفهم الإسلام بطريقتها, وهناك إختلافات جذرية حتى داخل معسكر "الإسلام السياسي" حول العديد من القضايا التي يجب ان يتضمنها الدستور, ومن ذلك قضايا المُواطنة, والحقوق والواجبات, والمرأة, والسياسة الخارجيَّة, وحرية الضمير وغيرها.
هذه الإختلافاتُ ليست مُجرَّد إختلافات نظرية, بل هى إختلافات تؤثر علي مستقبل البلد, و على حياة ملايين المواطنين, ومصير الأجيال القادمة, و بالتالي فإنَّ دعوة الدستور يجب أن لا تكون مجالاً للمناورة, والكسب السياسي الآني, ويجب أن تتسِّم بالمصداقية و المسئولية الوطنيَّة.
مقارنة بسيطة بين بعض مواد دستور 1998 الذي قالت الإنقاذ حينها أنه دستور إسلامي "كامل الدسم"و وبين مقترح الدستور الذي قدَّمتهُ جبهة الدستور الإسلامي التي تضم بعض جماعات الإسلام السياسي و منهم – للمفارقة – أعضاء في حزب المؤتمر الوطني, تبيِّن مدى الإختلاف في فهم الإسلام و إنعكاس ذلك الإختلاف على الدستور.
تنصُّ المادة ( 21) من دستور 1998 على أنَّ ( جميع الناس متساوون أمام القضاء ، والسودانيون متساوون في الحقوق والواجبات في وظائف الحياة العامة ، ولا يجوز التمييز فقط بسبب العنصر أو الجنس أو الملة الدينية ، وهم متساوون في الأهلية للوظيفة والولاية العامة ولا يتمايزون بالمال ). إنتهى
المادة أعلاهُ تنادي بالمساواة "المطلقة" بين المواطنين في الحقوق والواجبات, وهى مادة تعكس فهماً للإسلام يتماشى مع روح العصر, ويعترف بمبدأ "المواطنة" أساساً للحقوق والواجبات داخل الدولة.
بينما ينصُّ مشروع  جبهة الدستور الإسلامي على أن ( ترعى الدولة الحقوق والواجبات وتضبط بأحكام الشريعة الإسلامية اتي تعتمد مبدأ العدالة لا مطلق المساواة ). إنتهى  
النص أعلاه نصٌ صريحٌ على انَّ المواطنين غير متساويين في الحقوق والواجبات, وانَّ " المواطنة" ليست هى الأساس الذي تنبني عليه تلك الحقوق والواجبات,وإنما "الإسلام" هو شرط المواطنة الكاملة.
هذا التعارض بين النصيَّن ليس أمراً بسيطاً, كون كلاهما يدَّعي أنهُ يعكسُ الفهم "الصحيح" للإسلام, فنحن هنا بإزاء خلاف "جذري" في المفاهيم يُمكن أن تترتب عليه عواقب وخيمة إذا إنعكس في الدستور.
فيما يلي السياسة الخارجيَّة فقد نصَّت المادة (17) من دستور 1998 على أن (  تدار السياسة الخارجية لجمهورية السودان بعزة واستقلال وانفتاح وتفاعل، من أجل إبلاغ رسالة المبادئ السامية ، وبلوغ المصالح العليا للبلاد وللإنسانية كافة ، وذلك بالسعي خاصة لتوطيد السلم والأمن العالمي، وترقية التدابير لفض المنازعات الدولية بالحسنى ودفع التعاون في كل مجالات الحياة مع سائر الدول ، ولرعاية حق الجوار وعدم التدخل عدواناً في الشئون الداخلية للآخرين ، ولاحترام الحقوق والحريات الأساسية والواجبات والفضائل الدينية المثلى للناس جميعاً ، ولحوار المذاهب والحضارات ، ولتبادل المنافع ولتمكين النظم العالمية على أساس العدل والشورى والخير والتوحد الإنساني). إنتهى
النص أعلاهُ يدعو لأن تنبني علاقات السودان الخارجيَّة على مبدأ تبادل "المصالح" والتعاون مع مختلف دول العالم وفقاً لمبدأ "الوحدة الإنسانيَّة", واحترام خيارات "الدول", وعدم التدخل في الشئون الداخلية للآخرين.
بينما يُنص مشروع جبهة الدستور الإسلامي فيما يختص بالسياسة الخارجية على أن ( تضبط عقيدة الولاء والبراء الدولة في علاقاتها الخارجية ). إنتهى  
النص اعلاهُ لا يعتمد مبدأ "المصلحة" الوطنيَّة أساساً للعلاقات الخارجيَّة ولكنهُ يستند إلى مبدأ " الولاء والبراء", الولاء – بحسب فهم أصحاب مشروع الدستور - يعني حب الله ورسوله والصحابة والمؤمنين الموحدين ونصرتهم, والبراء هو بغض من خالف الله ورسوله والصحابة والمؤمنين الموحدين, من الكافرين والمشركين والمنافقين والمبتدعين والفساق, وأصحاب المذاهب الهدامة.
وبناءً على النص أعلاهُ فإنَّ علاقات حزب المؤتمر الوطني – يا دكتور مصطفى – مع الصين والحزب الشيوعي الصيني هى علاقات غير "دستورية" لأنها لا تقوم على "بغض" الصينيين "المُلحدين". !!
إنَّ ما يترتب على هذا الفهم سيجعلُ الدولة تعيش في عزلة مؤكدة خصوصاً وأنَّ مجتمع الدول يتكون من دول أغلبها من "المشركين" و " الكفار", وهؤلاء تترتب عليهم الكثير من أحكام البراء ومنها عدم الإقامة في بلادهم, وعدم السفر إلى بلادهم لغرض النزهة ومتعة النفس, وعدم إتخاذهم – أى الكفار والمشركين - بطانة ومستشارين,وعدم التأريخ بتاريخهم خصوصا التاريخ الذي يعبر عن طقوسهم وأعيادهم كالتاريخ الميلادي.
أمّا فيما يختص بأهلية الترشح لمنصب رئيس الجمهورية فإنَّ المادة (37) من دستور 1998 تنص على أنه يشترط أن يكون المرشح للمنصب (  سودانياً, سليم العقل, بالغاَ من العمر أربعين سنة, لم تسبق إدانته منذ سبع سنوات في جريمة تمس الشرف أو الأمانة). إنتهى
بينما ينص مشروع جبهة الدستور الإسلامي على أنهُ ( يكون أهلاً لرئاسة الدولة كل سوداني توفرت فيه الشروط الآتية : العدالة الجامعة والضابطة لأحكامها وهي أن يكون : مسلماً , ذكراً, عاقلاً, بالغاً من العمر أربعين سنة, مستقيماً في دينه وسلوكه ). إنتهى
النص أعلاهُ يجعل من "الإسلام" و "الذكورة" شرطاً لأهلية الترشح لرئاسة الدولة, وهو بذلك يحرم المرأة وغير المسلم من هذا الحق, و ينسف من الأساس مفهوم المواطنة الذي يعني المساواة بين جميع المواطنين بصرف النظر عن الاختلاف في اللون أو الجنس أو الدين أو العرق.
وليست العبرة فقط في الإختلافات "الجذرية" بين هذه الدساتير التي يدَّعي أصحابها أنها تمثل الرؤية الإسلاميَّة "الصحيحة", ولكن العبرة في "تطبيق" هذه الدساتير والعمل بها دون إصدار قوانين "تتناقض" مع نصوصها, وهو الأمر الذي يتضح جلياً في قضيَّة "الحُريات" عموماً, وفي سياق حديثنا هذا حرية "العقيدة والعبادة" على وجه الخصوص.
تنصُّ المادة (24) من دستور1998  على أن ( لكل إنسان الحق في حرية الوجدان والعقيدة الدينية، وله حق إظهار دينه أو معتقده ونشره عن طريق التعبد أو التعليم أو الممارسة ، أو أداء الشعائر أو الطقوس ، ولا يكره أحد على عقيدة لا يؤمن بها أو شعائر أو عبادات لا يرضاها طوعاً ، وذلك دون إضرار بحرية الاختيار للدين أو إيذاء لمشاعر الآخرين أو النظام العام ، وذلك كما يفصله القانون ). إنتهى
وكذلك تنصُّ المادة (38) من دستور 2005 على أن ( لكل إنسان الحق في حرية العقيدة الدينية والعبادة، وله الحق في إعلان دينه أو عقيدته أو التعبير عنهما عن طريق العبادة والتعليم والممارسة أو أداء الشعائر أو الاحتفالات، وذلك وفقاً لما يتطلبه القانون والنظام العام، ولا يُكره أحد على اعتناق دين لا يؤمن به أو ممارسة طقوس أو شعائر لا يقبل بها طواعية ). إنتهى
على الرغم من وجود هذه النصوص الدستورية الواضحة بخصوص حُريَّة العقيدة والوجدان, إلا أنَّ القانون الجنائي السوداني لسنة 1991 ينص في المادة (126) على أنهُ : ( يُعد مُرتكباً جريمة الرِّدة كلَّ مُسلمٍ يُروِّج للخروج من ملة الإسلام أو يُجاهر بالخروج عنها بقولٍ صريحٍ أو بفعلٍ قاطع الدلالة. يُستتابُ من يرتكب جريمة الرِّدة ويُمهلُ مُدة تقررها المحكمة فاذا أصرَّ على ردته ولم يكن حديث عهد بالاسلام يُعاقبُ بالإعدام . تسقط عُقوبة الرِّدة متى عدل المُرتد قبل التنفيذ ). إنتهى
هذا التناقض بين الدستور والقوانين تترتبُ عليه أمورٌ في غاية الخطورة, ومنها على سبيل المثال الخبر الذي نشرتهُ الصحف الإسبوع الماضي والذي يقول : ( أوقفت شرطة أمبدة شمال طالباً يدرس بإحدى الجامعات الخاصة بأمدرمان كلية علوم الحاسوب للتحقيق معه حول إعتناقه للمسيحية والخروج عن ملة الإسلام "الردة"، وذلك عندما جاء المتهم لقسم الشرطة لتدوين بلاغ ضد أشقائه الذين يسيئون معاملته حسب ادعائه، وبالتحري معه ذكر بأنه تنصر قبل (4) شهور عن طريق الإنترنت، وعندما علمت أسرته تغيرت معاملتهم له خاصة وأنه من أسرة مرموقة، ووالده يعمل محاسباً بإحدى المستشفيات الخاصة بالخرطوم ليتم تدوين بلاغ ضد الطالب تحت المادة «126» من القانون الجنائي لسنة 1991م "الردة" ). إنتهى
هذه الإختلافات الجذرية حول الدستور لا تقتصرُ فقط على رؤية حزب المؤتمر الوطني, أو جبهة الدستور الإسلامي, فها هو "حزب التحرير" يختلفُ مع جبهة الدستور في مشروعها الذي طرحتهُ ويعتبرهُ دستوراً غير شرعي ويقطعُ بأنَّ الدستور الإسلامي الصحيح لن يوجد إلا في ظل "الخلافة الإسلامية" وتقول القيادية بالحزب غادة عبد الجبَّار : ( لم يكن هناك توافق ولن يحدث توافق  على دستور إسلامي إلا إذا إستند على الأدلة الشرعية التفصيلية وهى أولاً : السيادة للشرع, ثانياً : السلطان للأمة, وتقوم مرتكزات الدولة الإسلامية على تعيين خليفة واحد للمسلمين وللخليفة وحدهُ حق تبني الأحكام الشرعية, والعمل بهذا الدستور غير شرعي بالنسبة لنا. ولا يمكن لجبهة الدستور أن تنجح في إقامة دستور إسلامي ). إنتهى
قال الدكتور مصطفى في نفس خطابه بالشمالية (أن هناك أصوات ترتفع بين الفينة والأخرى مقللة من شعار الإسلام هو الحل قائلاً ليس لدينا ما نقوله لهؤلاء إلإ أن يموتوا بغيظهم). إنتهى
هل يُعقل أن يكون هذا خطاب رجل دولة يدعو للتوافق والإجماع مع من يختلفون معه في الرؤية : موتوا بغيظكم. هذا النوع من الخطاب هو الذي أدخل بلادنا في دوامة الشقاق والخلافات, وهو الخطاب المسؤول عن إنفصال الجنوب, وعن الحروب التي تدور رحاها  الآن في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق. وهو خطابٌ يوحي بأنَّ أهل المؤتمر الوطني أصبحوا "يملكون" البلد ولا يأبهون بالآخرين الذين عليهم أن يسيروا خلف قطار الإنقاذ او يموتوا بغيظهم. !!
لا حول ولا قوة إلا بالله