عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ما تزال الإنقاذ بعد ربع قرن من إمساكها بتلابيب السُّلطة تلجأ لتبريرعجزها و فشل شعاراتها و أخطاءها المُرَّكبة في الحُكم بتبني "نظريَّة المؤامرة". فالرد الجاهز لتفسير كل قصور و إخفاق وأزمة هو وجود مؤامرة "أمريكية – صهيونية " مُخططة سلفاً, وتستهدفُ الوجود "العربي الإسلامي". وقد تخصَّص في رسم سيناريوهات هذه المؤامرة والترويج لها  – إضافة للمسؤلين الحكوميين – فريقٌ من رجال الدين وأئمة المساجد و الكتاب والإعلاميين من أتباع السُّلطة وحزبها.
من أعجب تطبيقات صحفيي الإنقاذ لنظرية المؤامرة ما خطَّهُ الإسبوع الماضي قلم الأستاذ محي الدين تيتاوي حول ظاهرة أسراب الجراد التي إجتاحت الولاية الشماليَّة مؤخراً, حيث كتب يقول : ( ولا ندري من أين جاءت هذه الأسراب ولماذا لم تخطرنا الدول التي مرَّت بها هذه الأسراب حتى وصلت النيل والنخيل والمزروعات.. أم أن التكتم على حركة هذه الأسراب أيضاً جزء من المؤامرة علينا مثلما جرى التكتم على الغارة الإسرائيلية على مجمع اليرموك؟! ). إنتهى
لا يكلف الأستاذ تيتاوي نفسهُ عناء البحث عن إجابة علميَّة لسؤالهِ " من أين جاءت هذه الأسراب ؟", ولكنهُ يقفز مباشرة للإجابة التي يسعى إليها وهى أنَّ هذه الأسراب " جزء من المؤامرة علينا", وهى إجابة نموذجيَّة تعكس النهج الكسول الذي يتبنَّاه التفكير الذي تقوده نظرية المؤامرة حيث لا معلومة ولا  تقصِّي ولا بحث.
يُحاول الاستاذ تيتاوي الإيحاء بأنَّ هناك دولاً تسترَّت على هذه الأسراب كما تستَّرت على ضرب مصنع اليرموك, و لو كان أجهد نفسهُ قليلاً و إستعان بأهل الإختصاص لأبلغوه أنَّ هذه الأسراب من الجراد الصحراوي إنطلقت من شمال شرقي السودان, ومن ثم إنتقلت إلى مصر وسواحلها الشرقية, ثم بدأت في عبور البحر الأحمر شرقاً إلى السعودية.
كيف إذاً يا أستاذ تيتاوي نرمي بالمسئولية على دولٍ أخرى عن أسراب تولدت في أراضينا ؟ إنَّه عجزنا نحنُ عن التنبؤ بهذه الموجات من أسراب الجراد, وبدلاً عن مواجهة أنفسنا بحقيقة هذا العجز نعملُ – بناءً على نظرية المؤامرة - على تصدير المُشكلة لدول اخرى بإلقاء اللوم عليها في عدم "إخطارنا" بتحركات هذه الأسراب, فتأمَّل !!
ويصل سيناريو المؤامرة عند الأستاذ تيتاوي ذروتهِ في قوله : ( ولا أستبعد كثيراً أن تكون للعدو الأول والأخير لبلادنا وشعبنا ومنتجاتنا إسرائيل وأعوانها في إطلاق هذه الآفة على بلادنا بهدف إفقارنا وضرب إنتاجنا من الغذاء خاصة القمح والفول والبقوليات والتمر.. بل أن آثار الرش قد تصيب الإنسان نفسه.. ولهذا فإن هذا السرب اللعين الذي هاجم الشمالية هو بمثابة إنذار مبكر ينبغي أن نضع أصابعنا على زناد البنادق.. ونتحسب لأسراب أخرى). إنتهى
هذه اللغة الهتافية الهادفة لتبرير الفشل ما عادت تنطلي على أحد, فالمسئول عن ضرب إنتاجنا – يا أستاذ تيتاوي - ليس إسرائيل, بل هى السياسات الإقتصاديَّة الفاشلة التي دمرَّت الزراعة, وحطمت الصناعة الوليدة, وهو الفساد الذي أدى لهروب المستثمرين العرب والأجانب, وهو إحتكار إقتصاد البلد بواسطة السماسرة والرأسمالية الطفيلية التي تضارب في كل شىء من دواء السرطان وحتى زيت الطعام.
ياسيدي إنها نظرية المؤامرة التي تجعلكم تتخيلون أنَّ كل مشاكلنا ناتجة عن تخطيط الصهاينة. إنَّ أصل الداء في سلوكنا نحنُ وليس في سلوك الآخرين، وبالتالي لا يجب أن نتهرب من المسئولية و نضع اللوم عليهم.
ثم أين هى يا أستاذ تيتاوي "مُنتجاتنا" التي تتحدَّث عنها ؟ ونحن كما يعرف الجميع نستوردُ كل شىء من الخارج, قمحنا ودواءنا وملابسنا, بل حتى الفواكه والخضروات. ويا ليتنا إقتدينا في سياساتنا الزراعية بإسرائيل هذه الدولة الصغيرة المصنوعة التي إستطاعت بفضل التخطيط السليم أن تستصلح  الأراضي الصحراوية بالكامل, وتعيد إستخدام المياه, حتى صارت الزراعة هى الركيزة الثانية للإقتصاد في بلدٍ يبلغ دخل الفرد فيه 28 ألف دولار, فماذا فعلنا نحن بأرضينا الشاسعة ذات التربة عالية الخصوبة ؟
وماذا فعل لنا "زناد البنادق" الذي تدعونا يا أستاذ تيتاوي أن نضع أصابعنا عليه و الذي ظللنا نمُسك به منذ عقود ؟ إنفصل جنوب البلاد, وذهب ثلث الشعب والأرض والتاريخ, وما زالت رحى الحرب تدور في أجزاء كبيرة من البلد ولا تنتجُ سوى الجوعَ و الدماءَ والدموع و "غلمان أشأم كلهم كأحمرعادٍ " كما في قول شيخنا زهير.
لا أشك مطلقاً أنهُ لو كان الأستاذ تيتاوي وجماعتهُ الحاكمة يجلسون على مقاعد المُعارضة و لا يُمسكون بزمام السُّلطة لكانوا ملأوا البلد ضجيجاً وأقاموا الدنيا ولم يقعدوها قائلين أنَّ : الجراد عقابٌ إلهى للحكومة لأنها لم تطبق "الشريعة الإسلامية", وأنَّ هذه الأسراب هى إجابة "السماء" على فساد الحُكومة "العلمانية" !!
وقبل أن نفيق من مؤامرة الجراد الصهيوني, أطلَّ علينا الدكتور قطبي المهدي القيادي بالحزب الحاكم في نفس الأسبوع وبتاريخ 27/2/2013 بتصريح لصحيفة "آخر لحظة" عن مؤامرة صهيونية أخرى قال فيه : ( الدوائر الصهيونية تخطط لإظهار السودان وكأنه بلد يضطهد الديانات الأخرى ويصادر مبدأ حرية العبادة ). إنتهى
يا سعادة الدكتور إنَّ "الدوائر الصهيونية" لديها همومٌ أكبر من ملاحقة حكومتكم التي لا توجدُ حكومة في العالم  أبرع منها في إلحاق الضرر بنفسها. فهذه الدوائر مشغولة بتثبيت إحتلالها للأرض المغتصبة, و تقوية نفوذها في أكبر بلاد الدنيا – أمريكا, وغير ذلك من الأمور التي جعلتها أكبر قوة عسكرية وتقنية في المنطقة, فلا تظننَّ أنّ الدولة العبرية والدوائر التابعة لها "خالية مشغولية" حتى تتفرغ لملاحقتكم.
ولا ينسى الدكتور إضافة مؤامرة أخرى منسوبة للدول الغربية فيقول في ذات التصريح إنَّ هناك : ( مخطط غربي يهدف للتنصير وزرع الفتن واستهداف الهوية السودانية والموروثات الاجتماعية وإبدالها بالأجنبية ). إنتهى

ثق تماماً – يا دكتور قطبي – بأنَّ السبب الرئيس و المُهدِّد الأكبر للموروثات الإجتماعية هو الأوضاع الإقتصادية المتردية, والفقر المُدقع, والفوارق الطبقية الحادة, التي نجمت عن تبني حكومتكم لسياسة السوق الحُر بطريقة فجَّة لم تراع خصوصية المُجتمع السُّوداني و قبولها غير المشروط بوصفات المؤسسات المالية الدولية, و هو كذلك "الإستبداد" الذي هو "أصلٌ لكل فساد" و لا مجال لحديث عن مؤامرة متوهمة.
غير أنَّ أخطر ما قالهُ الدكتور قطبي في تصريحه هو أنَّ : ( البلاد بها اختراقٌ كبير وآن الأوان لتغيير طريقة التعامل مع الأمن القومي ). إنتهى
مكمن الخطورة هو أنَّ الرَّجل كان في وقتٍ من الأوقات المسئول الأمني الأول في البلاد, ولا شك أنَّ حديثه عن "إختراق كبير" ودعوته لتغيير طريقة التعامل مع "الأمن القومي" تثير الكثير من التساؤلات التي يأتي في مقدِّمتها : لمن يتوجهُ الدكتور قطبي بتصريحه هذا ؟ ما هى طبيعة هذا الأختراق وما هو مداهُ  ؟ هل يعكسُ التصريح نوعاً من الخلافات الداخلية في أوساط القائمين على السُّلطة ؟ و هل أحاط  الدكتور قطبي المسئولين عن أمن البلاد بأبعاد هذا الأختراق قبل أن يُصِّرح به للصحف ؟ و كيف يمكن مُطابقة هذا التصريح مع واقع الحال الذي يقول أنَّ أكثر من 70 % من ميزانية الدولة تذهب للأجهزة النظاميَّة والأمنيَّة ؟
ختاماً نقول : يعملُ أهل الحكم ومن لفَّ لفهم على الترويج لنظرية المؤامرة تنصلاً من مسئوليتهم في الإخفاق الذي إنتهى إليه مشروع حُكم الإنقاذ و تعليقاً لذلك الفشل على مشجب الجهات الخارجيَّة، وحتى يؤجل أى مطلب شعبي فى الحرية والعدالة الإجتماعية والديمقراطية وحقوق الإنسان إلى ما بعد إفشال مؤامرات الغرب والصهيونية.

ولا حول ولا قوة إلا بالله
Babikir Babikir [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]