عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

"براءة المسلمين" هو الإسم الذي أطلق على المُحاولة التدنيسية البائسة المُسماة مجازاً "بالفيلم" والتي لا يتعدى محتوى ما بث منها حدود الإساءة المباشرة للنبي الكريم "محمَّد" و لا ترقى لوصف "فيلم" حيث لا قصِّة ولا رؤية فنيَّة ولكن فقط إستفزاز وسب ومغالطة لوقائع لتاريخ.

الإختلاف الثقافي : محاولة للفهم

في أعقاب موجة الغضب الإسلامي على الرسوم الكاريكاتورية المُسيئة للرسول في 2006 قمت بتلبية دعوة من جمعية الدراسات العليا بمدرسة الدراسات الدولية بجامعة دنفر بولاية كلورادو للمشاركة في حلقة نقاش حول تداعيات القضية. في حديثي أشرت بداية إلي ثلاثة أمور إعتقدت في أهميتها لأجل فهم أعمق للموضوع. أولها هو أنه غير مسموح في المبادىء الإسلامية برسم أو نحت صورة تمثيلية تخيلية للرسول الكريم أو صحابته الأجلاء. وثانيها أنَّ المسلمين لا يقبلون السخرية من الرسل والانبياء، جميعهم دون استثناء. وثالثها أنَّ حرية التعبير مضمونة في الاسلام، لكنها لا تعني، إطلاقاً، المساس بـ (المقدس) بطريقة تستفز المشاعر مهما كان غرض الرسالة المراد إيصالها.

هذه الأمور الثلاثة تخالف جذرياً التجربة الحضارية الغربية بشأن العلاقة بـ (المقدس) عموماً وبالديانة المسيحية علي وجه التخصيص. ففي الغرب مسموح برسم الصور ونحت التماثيل التي تجسِّد السيد المسيح ومريم العذراء وملاك الرب, والسُخرية من الأديان والرسل متأصلة في الثقافة الغربية (كتابات فولتير علي سبيل المثال) منذ أمد بعيد. أما حرية التعبير فلا يحدها (المقدس) بأي شكل من الأشكال فهي في جذورها الأولي ولدت في خضم الصراع مع هذا (المقدس)، ولذلك فإنه لا يُكترث له كثيراً. هذه الإختلافات الأساسية في البني الثقافية تتطلب قدراً كبيراً من النظر المتعمق، خصوصاً في الظرف العالمي الراهن الذي يتميز بغير قليل من إنعدام الثقة، والإحتكاكات بين العالمين المتمايزين في ما أصبح يُعرف بقضايا الإرهاب والمواجهات العسكرية في أكثر من ميدان.

براءة الحكومة والشعب الأمريكي :

إنَّ العبارة الملغومة : "الفيلم الأمريكي" التي يوصف بها فيلم "براءة المُسلمين" هى العبارة المفتاحيَّة المسئولة عن إلهاب و تهييج مشاعر العوام والبسطاء من الناس ضد أمريكا, وهى عبارة مُفخخة لأنها لا تعكس الحقيقة كما هى, بل القصد منها الإيحاء بأنَّ أمريكا حكومة وشعباً تقف وراء الفيلم. حقيقة الأمر أنَّ الفيلم تمَّ  "إنتاجه" في أمريكا و هو أمريكي بهذا المعنى فقط, ولكن هناك حقائق أساسية يجب إضاءتها وهى تتمثل في التالي :

أولاً : يبلغ عدد سكان أمريكا  (314) مليون نسمة. الذين شاهدوا الفيلم عبر "يوتيوب" حتي تاريخ إندلاع الإحتجاجات ومقتل السفير الأمريكي (56) ألف شخص داخل وخارج أمريكا, فإذا إفترضنا جدلاً أنهم جميعاً أمريكان – وهذا ليس صحيحاً - فإنَّ نسبة الذين شاهدوا الفيلم لعدد سكان أمريكا تبلغ  0.0178 %.  وهذا يعني أنَّ 99.98 % من الشعب الأمريكي لا علم لهم بهذا الفيلم ولم يشاهدوه.

ثانياً: الممثلين الذين شاركوا في الفيلم تم تضليلهم لدرجة أنهم لم يعلموا التحريف الذي وقع على
المنتج النهائي للفيلم إلا بعد إندلاع الأزمة. حيث كانت القصة الأصلية للفيلم عن نيزك سقط في منطقة من الشرق الأوسط في زمن قديم فظنته بعض القبائل مقدساً، لذلك راحت تتقاتل فيما بينها من أجله, وأنَّ إسم النبي "محمد " لم يرد نهائياً عند تصوير الفيلم .وقد إعترف منتج الفيلم بهذه الحقيقة وقال إنَّ الممثلين أخذوا أجورهم بحسب التعاقد وليس من حقهم الإعتراض على الشكل النهائي للفيلم.

هذا يعني أنّ الحكومة والشعب الأمريكي لا علاقة لهم بهذا الفيلم الذي لم يعلم بمحتواه حتى الذين قاموا بالتمثيل فيه.

المنظومة القانونيَّة والقضائية في أمريكا :  

بعد أن أثبتنا أنَّ أمريكا حكومة وشعباً ليس لها علاقة بهذا الفيلم, سنجيب على السؤال : هل كان بإستطاعة الحكومة الأمريكية إيقاف الفيلم ؟ مثلما أوضحنا أثر الإختلافات الثقافيَّة بين العالم الإسلامي والعالم الغربي في التعامل مع قضيَّة التعرُّض للأديان والرسل, فإنَّ المنظومة القانونية والقضائية في العالمين الإسلامي والغربي تختلف بدورها إختلافاً جذرياً.

لا تستطيع الحكومة الأمريكية ( أو أى حكومة غربيَّة ) إيقاف فيلم أو كتاب أو برنامج تلفزيوني أو إعلان بقرار تنفيذي حكومي لأنَّ ذلك يدخل في باب "حُرِّية التعبير " التي يكفلها الدستور والقانون, وإذا كان لدى الحكومة إعتراض فإنَّ عليها اللجوء للقضاء "المستقل" الذي هو صاحب القول الفصل في أي نزاع قانوني. هذه المنظومة يحكمها المبدأ الديموقراطي المعروف الذي يقضي بالفصل بين السلطات الثلاث.

العالم العربي/ الإسلامي من ناحيته لا يعرف هذا المبدأ الراسخ لأنَّه لا يعرف النظام الديموقراطي, وهنا تكمن المُفارقة, حيث إعتاد الناس في البلاد العربية و الإسلاميَّة على أن قرارات الرئيس والسلطة التنفيذية تسري بالقوة على السلطتين القضائية والتشريعية, ولذلك فإنهم لا يفهمون كيف لا يستطيع رئيس أقوى دولة في العالم أن يوقف فيلماً سينمائياً !!

براءة المسلمين: رسائل خفيَّة

عمل القبطي المُهاجر "نيقولا باسيلي نيقولا" مؤلف الفيلم على الإيحاء بأنَّ هناك أيدي يهوديَّة تقف وراء إنتاج الفيلم وذلك عندما تخفى خلف إسم "سام باسيلي" وقال إنه إسرائيلي مقيم بأمريكا وقد قام بجمع مبلغ (5) مليون دولار من خمسين من رجال الأعمال اليهود بالولايات المتحدة, ولكن مكتب التحقيق الفيدرالي أوضح زيف الإدعاء و كشف شخصيته الحقيقية.

لم يكتف "نيقولا باسيلي" بإنتحال شخصيَّة رجل يهودي بل قام بتمرير رؤية دينية/سياسية مؤيدة لإسرائيل في صراعها مع الفلسطينيين حيث عَرَضَ أحد مشاهد الفيلم لمقتل اليهودي "كنانة بن الربيع" زوج السيدة صفيِّة بنت حُيى بن أخطب, وقد جاء على لسان كنانة وهو يُخاطب السيدة صفيَّة قبل موته مخترقاً لحجب المستقبل القول التالي : ( سيتجمَّع اليهود في الأرض المُقدَّسة, واتمنى أن لا ينسوا عظامنا, وأن يُجبروا أحفاد مُحمَّد على دفع تعويضات كافية عن دم جدودنا, واغتصاب نساءنا وأطفالنا وبيوتنا وممتلكاتنا ).

من الواضح أنَّ نبوءة "كنانة" عن تجمع اليهود في "الأرض المقدسة" تعني قيام دولة إسرائيل, أمَّا حديثه عن إرغام "أحفاد مُحمَّد" على دفع تعويضات كافية لليهود, فهو يعكس ما قامت به الحكومة الإسرائيلية مطلع هذا العام حيث أعدَّت إدارة الأملاك بوزارة الخارجية مشروع قانون يلزم الحكومة الإسرائيلية بمطالبة المملكة العربية السعودية بدفع تعويضات قيمتها تتجاوز المائة مليار دولار مقابل أملاك اليهود في المملكة منذ عهد الرسول عليه الصلاة والسلام. وهو المشروع الذي يعمل عليه حالياً  كبار خبراء القانون الدولي والتاريخ والجغرافيا الإسرائيليين في جامعات بار إيلان وبئر السبع وتل أبيب والقدس وحيفا بتمويل خاص حدد بـ100 مليون دولار أمريكي اقتطع من ميزانية وزارة الخارجية الإسرائيلية لعام 2012.

الهدف الغائي من "براءة المسلمين" :

حقق الرئيس الأمريكي باراك اوباما خلال الأعوام الأربعة الماضية نجاحاً كبيراً في تخفيف حدَّة الصراع و التوتر بين أمريكا (والغرب عموماً) والعالم الإسلامي والتي تسبَّبت فيها أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما أعقبها من غزو أمريكي للعراق وأفغانستان. وقد كان لتركيز سياسته على إستهداف تنظيم القاعدة فقط بوصفه العدو الأول لأمريكا وليس "المسلمين" جميعاً  كما بدا في سياسة سلفه بوش الأثر الكبير في تحسين العلاقات مع العالم الإسلامي وإضعاف "القاعدة" بصورة كبيرة.
الغاية السياسية الأولى من إصدار الفيلم في هذا التوقيت – من وجهة نظر كاتب هذه السطور - هى العودة لمُربَّع الحرب و التوتر و إعاقة نمو وتطوُّر العلاقة بين العالم العربي/الإسلامي وأمريكا.

من المستفيد من "براءة المسلمين" ؟ :

الفيلم يخدم أجندة و مصالح جهات كثيرة يمكن إجمالها في التالي :

أولاً: الجماعات الإسلاميَّة المُتشدِّدة في العالم الإسلامي وعلي رأسها تنظيم القاعدة الذي أفل نجمهُ جرَّاء سياسة الإدارة الأمريكية الحالية و كذلك نتيجة للتغييرات الكبيرة التي أحدثتها ثورات الربيع العربي وما أفرزتهُ من تحولات نحو الحكم الديموقراطي. هذه الجماعات تصدرت الموقف و إستغلت موضوع الفيلم لتهييج الجماهير المسلمة ضد أمريكا والغرب لخدمة أجندتها الخاصة. وقد نشرت صحيفة "الشرق الوسط" حواراً موحياً مع بائع "أعلام" مصري متجوِّل يدعى محمود قال فيه أنه ( منذ بدء الإحتجاجات ضد الفيلم المسيء أصبح علم (القاعدة) الأكثر مبيعاً ). وأضاف (بعت أكثر من 3000 علم لـ(القاعدة) خلال الإحتجاجات أمام السفارة الأميركية، و أيضاً أمام السفارة الفرنسية).
وحول موقفه بعد أن عرف أنه يبيع علم تنظيم القاعدة قال : ( ليس لدي مشكلة في ذلك لأن (القاعدة) تتصدى للأميركان الذين يحاربون الإسلام ).

ثانياً: أصحاب الأفكار الدينية المسيحية المتشدِّدة من أمثال المحامي القبطي المُهاجر موريس صادق وجماعته و القس المُتعصِّب "تيري جونز" الذي قام بالترويج للفيلم عبر حملة إعلاميَّة في موقع التواصل الإجتماعي "تويتر" والذي كان قد دعا في السابق لحرق المصحف الشريف, ولكن دعوته تلك  لم تلق استجابة إلا من 20 شخصاً.

ثالثاً: الجماعات المؤيدة لإسرائيل داخل الولايات المتحدة مثل الجماعة المسماة " مبادرة الدفاع عن حرية الأميركيين ", والتي إستطاعت في خضم تداعيات أحداث الفيلم الإسبوع الماضي إستصدار قرار من قاض بمنهاتن يسمح لها بوضع إعلان في عشرة محطات للمترو رغم رفض هيئة النقل بالمدينة, الإعلان يقول : (  في أي حرب بين الإنسان المتحضر والإنسان الهمجي ادعم الإنسان المتحضر. ادعم إسرائيل.. اهزموا الجهاد ).

رابعاً: الحكومات الدكتاتورية المستبِّدة في العالم العربي/الإسلامي والتي تعاني من أزمات سياسية وإجتماعية واقتصادية عميقة تستفيد من توجيه أنظار الجماهير للخارج بحثاً عن عدو متوهم إسمهُ الغرب و أمريكا تعزي إليه أسباب كل المشاكل.   

من الخاسر من تداعيات "براءة المسلمين" ؟ :

الخاسر الأكبر من تداعيات "براءة المسلمين" هو شعوب ودول العالم الإسلامي التي إنساقت بسذاجة لمُخططات إلهائها عن قضاياها السياسية والإقتصادية والإجتماعية المُلحَّة وخرجت في موجات عنيفة من التظاهرات التي أودت بحياة العشرات من المواطنين البسطاء الأبرياء ( 12 قتيل في ليبيا, 4 قتلى في السودان, 19 قتيل في باكستان, 4 قتلى في تونس, 12 قتيل في أفغانستان ) إضافة لمئات الجرحى.

العلاقة بين المسلمين والغرب كذلك تخسر من هذه التداعيات التي إستهدفت مقار بعض البعثات الدبلوماسيَّة والسفارات الغربية بالتدمير والحرق ( قتل السفير الأمريكي في ليبيا ). العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في الدول العربية والإسلاميَّة تتأزم جرَّاء إزدياد التوتر بين العالمين الغربي والإسلامي وهو الأمر الذي يزيد من تعقيد المشاكل التي تعاني منها الدول العربية والإسلامية سيَّما تلك التي تعاني سلفاً من إحتقان بين الطرفين مثل مصر وباكستان وغيرها.    

ثم ماذا بعد ؟

في ضوء ما ذكرناهُ من فروق وإختلافات ثقافيَّة وقانونيَّة بين العالمين الإسلامي والغربي, و بإستقراء التجربة التاريخية ( منذ آيات سلمان رشدي الشيطانية مروراً برسوم الكاريكاتور الدنماركية وحتى براءة المسلمين), و في إطار ثورة تكنلوجيا الإتصال (الإنترنيت) فإنَّ من المؤكد أنّنا سنشهد في المستقبل – القريب أو البعيد - تكرار صدور رواية أو فيلم أو مقال أو كتاب أو رسم كاريكاتوري أو أي شكل من أشكال التعبير الذي يتعرَّض للإسلام أو الرسول الكريم أو القرآن بطريقة لا يقبلها المُسلمون ولا تستطيع الحكومات الغربيَّة وقفها, فهل سيكون الرَّد الإسلامي كالمعتاد هو الإنفعال العاطفي و خروج المظاهرات العنيفة التي يروح ضحيتها الأبرياء من المسلمين والغربيين ؟ وما هى الفائدة التي تعود على المُسلمين من مثل هذا الرَّد الساذج وغير المُثمر الذي يخدم فقط أجندات أصحاب الغرض والمصلحة الذين أشرنا إليهم ؟

في رأي كاتب هذه السطور أن يرد المسلمون على الكتاب بكتاب, وعلى الفيلم بفيلم, وهى الخطوة الذكية التي شرعت فيها العديد من الجهات بما فيها حزب النور المصري الذي قال على لسان متحدثه الإعلامي أنه شرع في تشكيل فريق من الإعلاميين لإنتاج فيلم تسجيلي بعنوان "ماذا لو كان العالم من غير محمد؟" ستتم ترجمته إلي اللغتين الإنجليزية والفرنسية.

أمَّا الرَّد الأخير والأهم فيتمثل في ترسيخ أسباب النهوض واللحاق بركب الحضارة عبر الحرية و العلم والتقنية والتحديث, إذ أنَّ علينا – كما يقول الكاتب السعودي عبد الله بن بخيت -  " قبل أن نرد على من يسيء لمقدساتنا أن نرد على أنفسنا. معركتنا لحماية مقدساتنا ليست على أرض الغرب. الفضاء الغربي ليس فضاءنا وليس لنا سلطة عليه. كل ما جرى كان على أرضنا والدماء التي سالت كانت في معظمها دماءنا. معركتنا في هذه الحادثة وفي كل المرات التي تندلع فيها إساءة لنبينا أو مقدساتنا هي معركة مع الحداثة. نحن في عصر وما يساء لنا يجري في عصر آخر. عصر لا نعرف عنه شيئاً وليس لدينا القدرة على فهمه ونحاربه أيضاً".