عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


كتبتُ أوراقاً ومقالات عديدة في نقد مفهوم "المركز والهامش" الذي ورد في حقل الإستخدام السياسي بصورة واضحة لأول مرَّة في مانيفستو الحركة الشعبية لتحرير السودان الصادر في العام 1983.

وقد ركزتُ في كل ما كتبت على أنَّ أكبر الأخطاء المنهجيَّة التي تصاحب إستخدام هذا المفهوم تتمثل في عدم توفر الجهات التي تتبناهُ على تعريف دقيق ومضبوط له لا يخلو من تناقض, وهو الأمر الذي جعل منهُ في خاتمة المطاف شعاراً آيديولوجياً فضفاضاً قابلاً للتوظيف بحسب الحاجة السياسية.

المركز تمَّت الإشارة إليه في مانيفستو الحركة الشعبية بلفظ "الشمال" والذي بدوره عنى فقط مديرية " الخرطوم" ومديرية " النيل الأزرق القديمة " وليس كل مديريات الشمال الجغرافي الذي – بحسب طرح المانيفستو – توجد فيه مناطق ( كسلا, كردفان, الشمالية ) لا تقل تخلفاً عن المديريات الجنوبية.

ولكن هذا المركز بالنسبة لآخرين من معتنقي المفهوم يعني كل مناطق الشمال النيلي. ومن معتنقي المفهوم من يستثني "نوبة" الشمال ويضمهم للهامش. في ذات الوقت يُعبِّر بعض الذين يتبنون المفهوم بالتبادل عن كلمة المركز بكلمتى "النخبة" و "الصفوة" اللتان بدورهما تعنيان عندهم  كل أو بعض  الأشخاص الذين ينحدرون من القبائل التي تستوطن ولايتي نهر النيل والشمالية الحاليتين.

وهكذا يتم التعبير عن المفهوم بتخبُّط شديد تمتزج فيه الجغرافيا بالعنصر دون معايير واضحة ( ما الذي يجعل أهل حلفا مهمشين بينما أهل دنقلا و ابوحمد والدامر من المركز ؟ ). إنَّ الضبابية التي تعتري توصيف "المركز والهامش" تساهم بفعالية في توظيفه آيديولوجياً لخدمة مصالح سياسية.

تتمثل خطورة التوظيف الآيديولوجي لهذا المفهوم في أنه يُحمِّل مجموعات بشريِّة ( قبائل ) محدَّدة, وجهات مناطقية (ولايات) بعينها مسئوليَّة إخفاق المشروع الوطني, وأوزار الممارسة السلطوية في كل عهود الحكم التي أعقبت خروج المستعمر , ممَّا يجعل تلك القبائل والجهات من ناحيتها تتأهب للدفاع عن نفسها بالتكتل على أساس العرق والجهة في مواجهة التهديدات والإستهداف الذي يواجهها.

وممَّا يزيد من حدة و خطورة هذا الإستقطاب العرقي والجهوي هو إستخدام الحكام لفزاعَّة القبيلة والعرق والجهة كوسيلة أخيرة للإمساك بزمام السلطة بعد أن أثبتت التجربة فشل الشعارت الدينية.

بين يدىَّ الآن مقالاً نموذجياً يوضِّح إشكاليَّة غياب التعريف الدقيق ومن ثم التوظيف الآيديولوجي لمفهوم "المركز والهامش" والنتائج الخطيرة التي يمكن أن تترتب عليه سياسياً واجتماعياً. المقال بعنوان : ( أولاد نيقي ) مؤامرة المركز ضد الهامش. بقلم الكاتب محمّد إبراهيم بتو. وقد تمَّ نشره بصحيفة "حريات" الإلكترونيَّة.

( اولاد نيقي ) الذين يتناولهم الكاتب بالنقاش والتحليل في مقاله هم الأطفال المراهقين الذين يكونون "عصابات  النيقرز" التي إنتشرت في المناطق السكنيَّة الواقعة في أطراف ولاية الخرطوم مؤخراً.

وصف كاتب المقال ظاهرة ( اولد نيقي ) بأنها " أحد الظواهر السيئة تماماً والتي تضررت منها الكثير من الأسر السودانية ، إذ تكاد لا تخلو أسرة سودانية تتبع للأحياء الشعبية في الوقت الراهن منها ". إنَّ أطفال هذه المناطق السكنيَّة الطرفيَّة – بحسب الكاتب - يُمارسون ظاهرة " الشفتنة " متشبهين بالزنوج الأمريكان, ويطلقون على أنفسهم ( أولاد نيقي ).

أوضح كاتب المقال أنهُ لم يجد لهذه الظاهرة أية أصول في " الموروث الإجتماعي السوداني".

شرع كاتب المقال في وصف مظهر ( أولاد نيقي ) قائلاً : ( أينما وليت وجهك في شوارع أحيائنا الشعبية تلتقيهم يتوشحون بملابسهم التي تشبه في تصميمها ملابس الانسان الأول، قمصان أشبه بالعراريق -وهي جمع عراقي- تستقر علي مقدمتها ومؤخرتها كل شعارات العالم باللغة الانجليزية واحيانا بالفرنسية وربما اللاتينية تلك التي لم استطع فك شفراتها والتي قطعاً لا يدركون معانيها ...
اما بناطلينهم فحدث ولا حرج، بالرغم من أنهم يرتدون بناطلين اما من الجينز او القماش مثلنا تماماً لكنها تختلف في كل تفاصيلها فهي إما متسعة عند الخصر وضيقة عند الأكعاب او العكس تماماً، تحتوي علي جيوب وهمية من كل اتجاه، ومن شروط إرتدائها أن تكون بلا حزام لتترك هكذا ساقطة لتكشف جزء بمقدار من المؤخرة ). إنتهى

حكى الكاتب تجربته مع المدعو ( ع. أ ) الذي يسكن معه في نفس الحي, والذي قال عنه أنه أحد زعماء ( الدوكو 13) وقد ذهب إليه الكاتب مستفسراً عن الظاهرة وطالباً لشروح حولها, وطرح عليه السؤال التالي :  ماذا تعني كلمة اولاد نيقي، ومن هم هؤلاء البشر، واذ اما رغبت في أن انتسب الي إحدى جماعات النيقي ما المطلوب مني ؟ ثم وصف إجابتهُ بالقول :

( قبل أن يجاوبني ضحك ضحكة تهكمية يملؤها  الفخر وكله شماتة بأن يعيش ويشوف أحد الذين أضاعوا جل وقتهم في مطاردة المدارس والجامعات يسأله عن معلومة ما تخص المعرفة ، ثم بدأ يجاوبني وكله ثقة من صحة ما يقول رغم أن جل كلامه كان عبارة عن خطرفات لا مرجعية علمية لها، بأن (النيقز) كما ينطقها هو، جماعة تدعو لبلوغ المجد عن طريق المنهج الميكافيلي ( الغاية تبرر الوسيلة ) قالها بالانجليزية ونسبها الي مغني الهيب هوب (تو باك). علي الرغم من أنَّ المقولة  ل ( فيفتي سينت ) لكنه لا يعلم، لم أقاطعه تركته لهواه يسترسل في خطرفاته حتي تأكدت من انه قد افرغ جمجمته الفارغة اصلاً من كل ما يختزنه من معلومات ثم بدأ يغني اغنية هيب هوب مظهراً ملكته في التعامل مع اللغة الانجليزية. حار دليلي من أين أبدأ في ظل هذا الحوار اللانظامي فانصرفت إلى حال سبيلي بعد أن دعوت له الله ان ينتشله مما هو فيه ). إنتهى

أخيراً حاول الكاتب أن يجتهد في تحليل أسباب هذه الظاهرة قائلاً : ( ثم تساءلت بيني وبين نفسي مرة ثانية عن الاسباب الحقيقية لمثل هذه الظواهر الاجتماعية الغريبة كلياً علي مجتمعنا، وما أكثرها
هل هي العولمة بمفاهيمها الخاطئة في التمسك بقشور الثقافة الغربية والابتعاد عن جوهرها كما يدعي بعض المفكرين؟ ربما.
هل هو الغزوالفكري الثقافي الذي بدأ يبث كل سمومه عبر الفضائيات ومواقع الانترنت كما يزعم بعض رجالات الدين و(المتسلفين) دعاة الاصالة منتقدي الحداثة ؟ ربما.
هل هو تفكك نسيجنا الإجتماعي ممثلاً في كيان الأسرة التي كانت خير داعم للوعي بذاتية الفرد في الكل الجماعي, والذي قطعاً –نسيجنا الاجتماعي- الآن يمر بأسوأ أيامه بسبب الضائقة المعيشية التي طالت كل الأسر السودانية منذ إندارجها طوعاً أم اجباراً لا ادري في ما يعرف بالمشروع الحضاري, كما يفسر ساستنا الوضع الاجتماعي الراهن ؟ ربما ). إنتهى

بعد التحليل أعلاه لأسباب الظاهرة طرح الكاتب السؤال التالي :  لماذا لم يتوفر مثل هكذا سلوك في الأحياء السكنية ذات السبع سماوات طباقاً واقصد الرياض مثلاً أو العمارت علي مستوي مدينة الخرطوم أو مثلاً في المهندسين أو كافوري علي مستوي مدينتي أمدرمان والخرطوم بحري ؟ وهي في رأيي الأكثر انفتاحاً علي العولمة بكل نوافذها وبواباتها.

أجاب الكاتب على نفسه بالقول : ( إذن هي رسالة إلي كل أبناء الهامش بأن ينتبهوا فإنَّ مخططات المشروع الحضاري التي تشارك فيها كل مكونات المركز ابتداءً من ساستها مروراً بمثقفيها انتهاءً بالذين يشاطرون أبناء الهامش محنتهم، مازالت مستمرة. سابقاً قبل اكتشاف خيوط المؤامرة كانت تنفذ عبر وسائل تتميز بالسرية، الآن وبعد أن تمَّ اكتشافها لا تسمحوا لنا بأن نصبح نحن الوسيلة الجديدة لاكمال المؤامرة ) . إنتهى

على الرغم من محاولة الكاتب الموضوعيَّة لتحليل أسباب الظاهرة إلا أنهُ للأسف الشديد ينتهى لخلاصات متحيزة غير موضوعية ,لا تستند لأساس علمي ولا تتسّق مع المقدمات التي ساقها.

كعادة الكثيرين من الذين يعتنقون مفهوم " المركز والهامش" لا يُعرِّف الكاتب ماهية المركز الذي يعنيه , و يبدو جلياً أنهُ يستخدم المفهوم بحسب الإتجاه العام السائد حالياً الذي يتداخل مع مصطلح ضبابي آخر هو "النخبة النيلية" الذي يصف بعض الأشخاص المنحدرين من النيل الأوسط والشمالي.

إنَّ الأسباب الثلاثة التي ذكرها الكاتب ( العولمة – الغزو الفكري – تفكك النسيج الإجتماعي ) تعتبر أسباباً موضوعية قابلة للنقاش و للتحليل العلمي والنظر في تفسير نشوء ظاهرة عصابات النيقرز, ولكن غير الموضوعي الوصول لخلاصة ذاتيَّة في غاية الخطورة مثل التي توصل إليها الكاتب والمتمثلة في أنَّ الظاهرة في حقيقتها تمثل "مؤامرة" تستهدف أبناء الهامش و تشترك فيها كل مكونات المركز دون تمييز بمن فيهم المُثقفين و حتى الذين "يشاطرون أبناء الهامش محنتهم".

ساسة المركز الذين يتحدث عنهم الكاتب ليسوا سواء, هم ليسوا كتلة واحدة صمَّاء, إذ أنَّ منهم من يُسيطرعلى مقاليد الحُكم بالقوة والجبروت – وبمشاركة فعَّالة من ساسة الهامش - منذ ربع قرن من الزمان ويسجن ويُهِّمش ويقصي آخرين معارضين للنظام ومحسوبين على ذات المركز. ومثقفي المركز كذلك في غالبيتهم يبغضون مخططات " المشروع الحضاري" و سياسة الحكومة ويختلفون معها ويدفعون أثماناً باهظة بسبب مواقفهم منها, وليس من الإنصاف والموضوعية جمع كل هؤلاء في سلة واحدة والقول أنهم "يتآمرون" على الهامش.

إنَّ أكبر الأخطاء التي يقع فيها الذين يتبنون مفهوم "المركز والهامش" هى تصوير أزمة الوطن وكأنها هي محنة الهامش وكفى, وأنَّ أبناء المركز في تصديهم للظلم الإجتماعي و فساد الحكم والدكتاتورية إنما " يشاطرون أبناء الهامش محنتهم". هذه نظرة قاصرة للأمور, وتبسيط لا يجوز.
إنَّ أبناء المركز يُعانون من أدواء القهر و الإستبداد بنفس القدر الذي يُعانيه بقية أبناء الوطن, وهم في مطالبتهم و دفاعهم عن قضايا  الديموقراطيَّة والعدالة الإجتماعية إنما ينطلقون من مواقف وطنية وأخلاقية تهدف لإنتشال البلد كله من محنته وهذا باب في الجهاد لا يستطيع طرف المزايدة عليه.

لا يستثني كاتب المقال أحداً في المركز إبتداءً من ( ساسته مروراً بمثقفيه انتهاءً بالذين يشاطرون أبناء الهامش محنتهم ), ويشملهم جميعاً – دون شاهد موضوعي - في خانة المتآمرين على الهامش.

إنَّ مثل هذا النوع من الفرز البائس و غير العقلاني لن يُساهم إلا في إطالة عُمر الإستبداد و صبِّ المزيد من الزيت على النار, و تعميق أزمة الوطن, و زيادة الإحتقان والإستقطاب العرقي والقبلي.

إنَّ جوهر الأزمة السودانية يتمثل في إستمرار الإستبداد و غياب الحُكم الديموقراطي التعددي الذي يستند إلي المواطنة, وضمان الحُريات, وفصل السلطات, والتداول السلمي للسلطة, والتوزيع العادل للثروة والسلطة. وما عدا ذلك من تناحر وتباغض وإتهامات متبادلة بين الجهات والقبائل والأعراق حول التهميش والإستعلاء ليس إلا ضباباً يحجب رؤية المشكلة الحقيقية و لايخدم  مصلحة الوطن.