عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أشرنا مراراً إلى أنَّ أحد أدواء الآيديولوجيا يتمثل في أنها تزوِّد صاحبها بقناع يحجب رؤية الواقع كما هو, و يخلق لديه وعياً زائفاً بحيث يرى واقعاً آخراً "مرغوباً فيه" ولكنهُ غير موجود على الأرض, هو مُجرَّد "وهم" وأماني وأحلام, و بمرور الوقت, و الإنغماس في وحول الآيديولوجيا وزيفها يتحول هذا القناع إلى "جدار" عازل يفصل الشخص بصورة كاملة عن رؤية الحقيقة كما هى, وفي إطار الصراع مع معطيات الواقع الحقيقية يوفر " الإنكار" أحد آليات الدفاع المُهمَّة التي تمنح الشخص راحة نفسية في عزلته المجيدة  أو - إن شئنا الدِّقة - في غيبوبته عما يدور حولهُ من شواهد ماثلة و وقائع ملموسة غير قابلة للجدال والنفي والرفض.
وقد شكل الحوار الذي أجرتهُ صحيفة "الأهرام اليوم" مع القيادي المخضرم بالمؤتمر الوطني الأستاذ أحمد عبد الرحمن محمد  نموذجاً صادقاً لهذا النوع من التفكير الرغبوي الذي لا يجد ما يسندهُ في أرض الواقع.
يُقارن الأستاذ أحمد عبد الرحمن حزبه بالأحزاب السياسية الأخرى فيقول : ( ونحن عندما نقارن أنفسنا كمؤتمر وطني مع الآخرين من الأحزاب دائماً ما نجد البون شاسعاً بيننا وبين غيرنا بتركيباتهم الوراثية والطائفية والصفوية ). إنتهى
إنَّ تركيبة حزب المؤتمر الوطني تفوق في طائفيتها وصفويتها كل الأحزاب الأخرى, فالطائفية في مفهومها الإجتماعي - السياسي بنية تقوم على الطاعة والإنقياد والإذعان, خوفاً أو طوعاً أو طمعاً, ولا تنبني على المُجادلة والإقناع وترجيح الآراء, وهى ليست دمغة تلصق بحزب أو حزبين فقط ولكنها طريقة في إدارة المنظومة الإجتماعية حزباً كانت أو طريقة صوفية أو غير ذلك. وبهذا الفهم فإنَّ حزب المؤتمر الوطني هو كبير الأحزاب الطائفية ولسنا في حاجة لضرب أمثلة لا تحصى ولا تعد للإنقياد والإذعان, والتزلف والتقرُّب لنيل الرضا, وعدم الإجتراء على الإعتراض الحقيقي على الخطايا والأخطاء التي ترتكبها القيادة.
أمَّا الصفويِّة فلا أدلَّ عليها من إحتكار نخبة لا تتعدى أصابع اليد الواحدة لشئون الحزب والدولة لأكثر من عقدين من الزمن. هذه الصفوة خلقت مجموعات و مراكز للقوى وتابعين بغير إحسان, في علاقة لا يحكمها التأهيل والكفاءة والبذل والعطاء, ولكنها تقوم على الإستلطاف والإستملاح والكراهية, صلة القربى والصداقة والقبيلة, وإذا لم يكن ذلك كذلك فما الذي يجعل الأستاذ أحمد عبد الرحمن رئيساً أوحداً لمجلس الصداقة طيلة هذه السنوات, ثمَّ تصبح إبنتهُ وزيرة في الحكومة دون بقيِّة نساء المؤتمر الوطني ؟ وليس هذا المثال إستثناء فهناك العشرات من صفوة المؤتمر الوطني وحكومته تنطبق عليهم ذات القاعدة.
ويتحدَّث الأستاذ أحمد عن تجربتهم في الحكم فيقول :  ( فالاسلاميون الانجازات التي قاموا بها في هذه البلاد لم تحدث في أي بلد وهذا يعرفهُ الأعداء قبل الأصدقاء، فالإرادة السياسية التي انبثقت في مرحلة تجربة حكم الاسلاميين وفجرت البترول هذا هو الذي حرك امريكا حتى الآن ولم ترتح بعد ). إنتهى
يحلو لأهل الإنقاذ دوماً الفخر بإستخراج البترول, ولكنهم يتحاشون الإجابة عن الأسئلة الأهم : ماذا إستفاد السودان من اموال البترول ؟ و في أى شىء أنفقت تلك الأموال ؟ فالغاية من إستخراج الموارد هى أن تعود بالنفع على الشعب, وليس على الحكام وهو ما حدث في السودان. أمَّا الأكليشيه الذي فات على الأستاذ أحمد أن يقولهُ و يذكرنا به مثلما يفعل أهل الحكومة دوماً : " بنينا سد مروى, و الطرق, والكباري". وهم يعلمون أنَّ كل ذلك لم يتم من أموال البترول ولكن من الديون و القروض واجبة السداد و التي سيدفها الشعب المغلوب على أمره والأجيال القادمة.
الإنجازات التي يتباهى بها الأستاذ أحمد لا تشمل إزدياد نسب الأميِّة والفاقد التربوي بمعدلات مخيفة في دولة المشروع الحضاري, ولا تشمل سياسة التمكين و إنهيار الخدمة المدنيِّة, ولا تشمل ضياع ثلث الأرض والشعب, ولا تحطيم الزراعة وإفقار الناس والنزوح لجمهورية "العاصمة" المُثلثة التي أصبحت تأوي ثلث السكان بسبب تلاشى الخدمات في الولايات الأخرى, و لا تشمل تلك الإنجازات ظهور حيتان الفساد الذين :
( إمتصوا دماء المواطن البسيط واغتنوا على حسابه وكنزوا الأموال والذهب وامتطوا العربات الفارهة وثرواتهم تقدر بالمليارات داخل وخارج السودان. الذين كانوا بالأمس حفاة عراة فكيف أصبحوا يمتلكون العقارات والمليارات بين ليلة وضحاها ؟ ). إنتهى
الحديث المُقتبس اعلاهُ – يا أستاذ أحمد - ليس لأحد معارضي الإنقاذ أو أعداءها كما تقول, ولكنهُ لقيادي بارز في حزبك إنضم إليكم منذ أن كان طالباً في المرحلة الثانوية بحسب قوله, إنهُ حديث والي القضارف " كرم الله عباس" الذي نحمد لهُ صدقيتهُ في رؤية الواقع كما هو و ننضم إليه في تساؤله المشروع فهل من مُجيب ؟
امَّا عداء أمريكا للإنقاذ فقد أضحى نكتة لا تضحك أحداً, إذ أنهُ ما مِنْ نظام حُكم تحققت في ظله مآرب أمريكا في السودان مثل هذا النظام, فهو الذي رضخ لمخططات التقسيم والتجزئة و قام بفصل الجنوب, وهو الذي تعاون مع أمريكا في حربها على الإرهاب وسلمها كل الملفات , وهو الذي ظلَّ على الدوام ينشد ودَّ أمريكا و يُقدِّم لها من التنازلات ما لم يُقدِّمهُ لكل القوى السودانيِّة المُعارضة.
المُذهل حقاً في حوار الأستاذ أحمد هو إجابتهُ على السؤال التالي : ماذا عن الحديث حول أبناء المسؤولين الذين لهم شركات في الخارج ألا يُعدُّ ذلك خصماً على رصيد تجربة الإسلاميين في الحكم ؟ حيث أجاب بالقول : ( هذا كلهُ متوقع ومحتمل، وقديماً كان هناك رئيس وملك يقول أعملوا للبلد بنسبة 70% وخذوا  30% ، فالمهم هو الإنجازات). إنتهى
ما أدهشني في هذه الإجابة ليس عدم نفي الأستاذ أحمد لفساد أبناء المسؤولين فهذا أمرٌ بات يعلمهُ البعيد قبل القريب, ولكن الذي أدهشني هو قبولهُ ضمناً ل "مبدأ " الفساد و محاولتهُ تبريرهُ بمقولة منسوبة لملك أو رئيس, وهو القيادي في حزبِ رفع راية الشريعة الإسلاميِّة وادعى أنهُ استلم الحُكم لإقامة دولة الأطهار والأنقياء التي ستطبِّق قيم السماء و تجسِّد مبادىء الدين الحنيف.
كيف – يا أستاذ أحمد – نجد مُبرِّراً لجماعتكم " الربَّانيِّة ", وأعضاءها من أصحاب الأيادي " المتوضئة " والجباه " الساجدة " والوجوه " النورانيِّة " لنهب أموال الشعب وتقنين الفساد ؟ ولماذا إنقلبتم على الحُكومة الشرعية المُنتخبة التي يشهد القاصي والداني أنها لم تعرف مثل فسادكم هذا ؟ ولتعلم – يا أستاذ أحمد – أنّك إذا كنت تستشهد بالنسب المذكورة أعلاه فإنَّ آخرين ضمن منظومتكم لم يكتفوا بذلك واختاروا أنْ يعملوا للبلد بنسبة 1 % فقط  و "كوَّشوا" على الباقي.
وعندما يطلبُ المحاورُ من الأستاذ أحمد  إسداء نصيحة للحكومة فإنه يُجيبه بالقول : ( أنصحها بالمزيد من الالتزام بالبرنامج الذي طرحتهُ على الناس وبالمزيد من الالتزام بالمؤسسية وعلى رأس هذه المؤسسية أنه لا بُدَّ من وجود مساءلة, فلم أسمع بعد أن هناك شخصاً أخطأ تمت محاسبته ). إنتهى
ونحن من جانبنا نبشِّر الأستاذ أحمد – أطال الله في عمره – بأنهُ لن يسمع عن المُحاسبة في ظل هذه الحكومة أبداً لأنَّ الفساد أصبح فساداً هيكلياً غير قابل للإصلاح, ولأنَّ المُحاسبة إذا طالت فرداً واحداً في الجهاز الحكومي فإنها ستكشف عن شبكات و دوائر كاملة من المتورطيِّن, ولذا فإنَّ أى حديث عن الفساد أو المخالفات ستتمَّ إحالتهُ إلى "لجنة مُحاسبة" تكون مهمتها "لملمة" الموضوع على طريقة "خلوها مستورة".
الفساد – يا أستاذ أحمد – فاحت روائحهُ حتى تحدَّث عنهُ المستثمرون العرب الذين جاءوا بأموالهم لمساعدتنا فإذا بهم يُفاجأون بولاة بعض الولايات يُطالبونهم بدفع "رشاوى" حتى يسهلون لهم أمورهم. وهذا ما صرَّح به رئيس اللجنة الوطنية الزراعية السعودية المهندس "عيد المعارك" الذي قال لصحيفة الشرق السعودية إنَّ :
( المستثمرين السعوديين في السودان يتعرَّضون إلى مضايقات في مواقع الاستثمار الزراعي. هناك مواقف لا تشجع على الاستثمار ، نظراً لما يُعانيه المستثمرون من مشكلات مستمرة مع حكام الولايات في السودان. إنَّ حكام الولايات يفرضون على المستثمرين السعوديين رسوماً معينة يتحصل عليها والي الإقليم نفسه مقابل تقديم خدمات مميزة للمستثمر تتمثل في منحه موقعاً مميزاً قريباً من مصادر المياه ومتوفرة به الخدمات الضرورية، مبيناً أنَّ من لديه علاقة مع الوالي من المستثمرين فإنَّ استثماراته تسير بشكل طبيعي ولايواجه مشكلة، في حين من يمتنع عن دفع هذه الرسوم فإنه يواجه مضايقات تهدِّد استثمارهُ ). إنتهى
الا يستدعي مثل هذا الإتهَّام تحركاً حكومياً على أعلى المستويات للتحقيق والمحاسبة والمقاضاة ؟ أم أنَّ هذا الأمر سيصطدم بالحائط العجيب : أين الوثائق ؟ وعندما تتوفر الوثائق لا يحدث شيئاً, هكذا تقول السوابق !!
أكبر المآسي التي إرتكبتها الإنقاذ – وربما تكون إنجازاً من منظور البعض - واعترفت بها بعد فوات الأوان  يا أستاذ أحمد , هى تحطيم الخدمة المدنيِّة عبر سياسة التمكين البغيضة. لقد قامت هذه الحكومة بتدمير كل الموروث الإداري المرتبط بالقوانين واللوائح والنظم التي تحكم البيروقراطية الحكومية, وكانت النتيجة هى إستشراء الفساد والمحسوبية والرشوة بصورة غير مسبوقة. وأصبحت إختلاسات المال العام أمراً معتاداً, كما أضحت العطاءات الحكومية فضاءً مفتوحاً للفساد والإفساد.
و في هذا الإطار يمكننا النظر لفضيحة مصنع سكر النيل الأبيض التي ترقى لوصف " الكارثة الإدارية " , والتي تعكس بجدارة المستوي المتدني الذي إنحدرت إليه أوضاع الإدارة حيث إكتشف الكل ( بمن فيهم الوزير الذي رفضت إستقالتهُ ) في يوم إفتتاح المشروع أنَّ ماكينات المصنع لا تعمل. هذا الحادث يمثل مؤشراً واضحاً لمدى التسيُّب الإداري وسوء التخطيط وعدم التأهيل وإنعدام الشفافية التى أصبحت السمات العامة لإدارة المؤسسات, فأين هى إذن الإنجازات التي تتحدث عنها يا أستاذ أحمد ؟
إنَّ الإستبداد هو المسئول الأول عن إشاعة الفساد في أركان الدولة ومؤسساتها, وهو كذلك المسئول عن إشاعة النفاق بين الناس لأنَّه يزرع الخوف في نفوسهم من المواجهة’ وبالتالي يجعلهم يغضون الطرف عن كافة الإنحرافات الإدارية والخلقية وغيرها, و في هذا الخصوص يقول عبد الرحمن الكواكبي في طبائع الإستبداد ( أقل ما يؤثره الإستبداد في أخلاق الناس, أنهُ يرغم حتى الأخيار منهم على إلفة الرياء والنفاق وأنه يُعين الأشرار على إجراء غىَّ نفوسهم, آمنين من كل تبعة ولو أدبيَّة, فلا إعتراض ولا إنتقاد ولا إفتضاح).
ولا حول ولا قوة إلا بالله