عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


كنت قد كتبتُ كثيراً عن تمدُّد الجماعات السلفية المتشددة بمختلف فصائلها وإنتشارها في السودان. وعندما أصدرت جهة اطلقت على نفسها تسمية " جبهة الدستور الإسلامي" مُسودة للدستور الذي تقترح تطبيقه, كتبتُ مقالاً أفنِّد فيه مواد ذلك الدستور الذي وجدته مجافياً لروح العصر الذي نعيشهُ, ووجدت فيهُ ما يؤكد أنَّ تطبيقه سيؤدي للمزيد من التمزيق للوطن, ومن ترسيخ الحُكم الشمولي.

وعندما أجرى الصحفيان خالد فتحي, والهادي الأمين بصحيفة الأحداث حوارهما المميَّز مع الشيخ أبوزيد محمَّد حمزة رئيس جبهة الدستور الإسلامي تأكدتُ من صحة المخاوف التي ظللتُ  أحذِّر منها, وأيقنت أن السودان موعودٌ بالمزيد من النكبات في المستقبل القريب.

في إجابته عن سؤال حول خيارات جبهة الدستور الإسلامي إذا رفضت الحكومة تبني مسودة الدستور التي تقدمت بها, قال الشيخ أبوزيد : ( والله شوف, بعض الذين كانوا جلوساً معنا أثناء الاجتماعات قالوا الحكومة لو ما طبّقت الشريعة سيخرجون. لكن بالنسبة لي الخروج على الحاكم ليس بعلاج. لأن ديننا يأمرنا بعدم الخروج لكن نقدم النصيحة. والنصيحة فقط هذا واجبنا تجاه السطان والحاكم. لذا قلت لهم : لا خروج إلا أن نرى كفراً بواحاً واحد رد علينا وقال : (بواحاً) هو هناك أكثر من أكل الربا وإباحته ؟ . وماذا كان ردك على أولئك ؟ أنت لا تعرف ما في ضمائرهم، وبالتالي قلت لهم أنا أبوزيد لا أرى داعياً للخروج ) . إنتهى

إنَّ الشيخ أبوزيد يقول كلاماً في غاية الخطورة ويحاول أن ينأى بنفسه عمَّا يُمكن أن يقع حال رفض الحكومة تطبيق الدستور المُقترح من قبل جبهته. فهو يؤكد انَّ بعض الذين شاركوا في صياغة مسودة الدستور نادى "بالخروج" على الحاكم, ومربط الفرس في إجابة الشيخ أبوزيد هى العبارة الأخيرة التي ألقى بها : " أنت لا تعرف ما في ضمائرهم", وكأنه أراد التحذير بالقول : هؤلاء الناس يمكن أن يفعلوا أى شىء في حال رفض مسودة الدستور.

إنَّ "الخروج" في عُرف هذه الجماعات لا يعني الإعتراض على سياسات الحكومة عبر أسلوب المواكب والإعتصامات و التظاهرات السلمية  أو عبر تقديم المذكرات المطلبية أو غير ذلك من أساليب الإعتراض الديموقراطي, ولكنه يعني إستخدام العنف و الإغتيال و  التفجير.

الموقف الذي يُعبِّر عنه الشيخ أبوزيد هو الموقف السلفي العام الذي لا يُجوِّز الخروج على الحاكم, والذي عبَّر عنه ابن تيمية بقوله في منهاج السُنة  " لهذا كان المشهور بين مذهب أهل السنة أنهم لا يرون الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف وإن كان فيه ظلم". وهو ذات الموقف الذي يقول عنه رأس الوهابية الشيخ محمَّد بن عبد الوهاب في رسالة الأصول الستة "إن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمر علينا ولو كان عبداً حبشياً ".

أمَّا الذين كانوا مع الشيخ أبوزيد في إجتماعات جبهة الدستور الإسلامي وقالوا "بالخروج" على الحاكم ولا يعلم الشيخ أبوزبد ما في "ضمائرهم", فإنهم تلاميذ نجباء لذات المدرسة النصوصية التي نهل منها الشيخ أبوزيد. هم سدنة أوفياء لفكر ابن تيمية وابن القيم وابن عبد الوهاب، والكثير من قادتهم نهلوا من مشايخ السلف المعاصرين أمثال ابن باز وابن عثيمين والألباني.

هم يرجعون في نظرتهم العقائدية إلى النصوص الدينية التقليدية التي يرجع لها الشيخ أبوزيد ومدرسته إلا أنَّ لهم قراءة مختلفة لهذه النصوص الدينية فيما يخص مسائل الدعوة والجهاد والخروج على الحكام، والقراءة المُختلفة هذه تستهوي جيل الشباب الثائرين والمُحبطين من أوضاع المسلمين الحالية و من حكوماتهم الباطشة و الفاسدة. هذه الفئة من الشباب خرجت من صفوفها " خلية السلمة" التي إكتشفتها الشرطة بالصدفة وهى تعد المتفجرات, و خرج من صفوفها كذلك الذين قتلوا الدبلوماسي الأمريكي "غرانفيل " والذين كان من بينهم – للمفارقة - إين الشيخ أبوزيد نفسه.

إنَّ الذي في ضمائر هؤلاء القوم – يا شيخ أبوزيد – معروف ومُجرَّب : أن يتبِّع ويُطبِّق أهل السودان فكرهم ونهجهم وفهمهم للدين أو يتمَّ تكفيرهم وإخراجهم من حظيرة الإسلام, ومن ثم تدور الدائرة الجهنمية من القتل والتفجير والإختطاف مثلما دارت في بلاد عديدة أخرى. 

وعندما سأل المُحاوران الشيخ أبوزيد عن أبرز ملامح الدستور الإسلامي الذي إقترحته جبهته خصوصاً فيما يتعلق بقضية التنمية الإقتصادية, أجاب بالقول : ( والله تلك القوانين والمسودات وضعها خبراء في الدستور أنا لا علم لي بهذه القضايا لكن الدستور عموماً طيب ومواده جيدة ونصوصه كلها مُستمدة من الشريعة . ونحن راضون عنه لأنه طالما قلت دستور إسلامي فمعنى ذلك انه لا يخرج إلا من القرآن والسنة وهذا هو مطلبنا وهذا هو المهم ). إنتهى

بالطبع هذا تهرُّب واضح من السؤال لأنَّ الدستور الذي قرأناه لا يمكن أن يشتمل على شىء إسلامي في " الإقتصاد", لأنَّه كما يقول مهاتير مُحمَّد لا يوجد شىء إسمه اقتصاد إسلامي, وحتى السعودية التي جاء منها الفكر الذي يتبعه الشيخ أبوزيد تتبع النموذج الإقتصادي الرأسمالي, ولا توجد دولة في العالم تطبِّق شيئاً إسمه الإقتصاد الإسلامي. هناك تجربة محدودة في التمويل البنكي, وهى تطبَّق في الدول الغربية " الكافرة" بصورة أفضل من الدول التي تدَّعي تطبيق الشريعة والتي تأخذ فيها البنوك نسباً للفائدة أعلى حتى من البنوك التقليدية.

الدستور الذي أصدرتهُ الجبهة التي ترأسها – يا شيخ أبوزيد –  والذي قام بتقريظه العديد من المشايخ الذين لا يفقهون في شئون الدساتير شيئاً, لا علاقة له بالدساتير المُعاصرة, ولا يبدو أن خبراء دستوريين شاركوا في صياغته التي جاءت مُجافية حتى للإجتهادات الإسلامية المعاصرة وأخذت بمفاهيم لم تعُد صالحة في عالم اليوم.

ويسأل المُحاوران الشيخ أبوزيد السؤال التالي : هل تتوقع قيام معركة بين المؤيدين و الرافضين للدستور الإسلامي ؟ فيُجيب بالقول : ( والله (هسع) في ناس قالوا ما عايزين شريعة. الأحزاب لا تريد الشريعة والناس الذين حولهم كذلك وأيضاً المتفلتين والجنوب كان لا يرغب في واليوم لو جمعنا سكان الخرطوم ثلثي العاصمة سيقولون ما عايزين شريعة ).إنتهى

لقد جاءت الإنقاذ  – يا شيخ أبوزيد – بدستور قالت إنه دستور إسلامي, ومواده مستمدة من الشريعة فإذا بها تشرَّد الناس من وظائفهم, وتحتكر المال والنفوذ لأتباعها والموالين لها, و تتغاضى عن الفساد, وتصادر الحُرِّيات, وتفقر الناس وتوصل البلاد إلى حالة التيه الحالية. كل هذا تم بإسم الشريعة, فهل تريد للشعب السوداني أن يُصبح حقل تجارب لكل رافع لشعار الشريعة ؟

ومن قال لك إن الشعب السوداني لا يعرف الشريعة ؟ لقد عرف الشعب السوداني الشريعة منذ أن دخل الإسلام هذا البلد بالحسنى, على نار القرآن إجتمع أهله, وبالشرع حكموا في زواجهم وطلاقهم وميراثهم وموتهم, ومن قيمه العليا عرفوا الصدق والأمانة والعدل, صلوا وصاموا وحجوا ودفعوا زكاة أموالهم, وأعانوا الضعيف والمسكين والمحتاج. أليست هذه هى الشريعة التي أضاعها دُعاة تطبيق الشريعة ؟ وبالتالي فإنَّ " ثلثا سكان الخرطوم عندما يقولون ما عاوزين شريعة" فإنهم يرفضون شريعة النفاق والكذب والشكليات التي سلبت منهم الشريعة التي عرفوها من قبل.

و يريد الشيخ أبوزيد أن يسرع الناس في تطبيق الشريعة ويقول :  (  من هنا الواجب هو تسريع تطبيق الشريعة فلو كانت النية صادقة علينا أن نسرع في ذلك لأن الله قطعاً سيعين.
ويجب ان نوقف فوراً أكل الربا ونضبط الأسواق ونضبط الشارع. لكن العلماء مقصرين الدعاة ساكتين عشان كدا الدنيا مقلوبة ). إنتهى

لقد رفع الذين جاءوا بالإنقاذ من قبل شعار " شريعة سريعة أو نموت الإسلام قبل القوت", وبعد مرور أكثر من عشرين عاماً من الحكم يجىء الشيخ أبوزيد ليطالب بالتسريع بتطبيق الشريعة, فما هى الشريعة التي تقصدون تطبيقها ؟ هل هى الشريعة التي أولوياتها ضبط الشارع و فرض النقاب والحجاب ؟ هل هى الشريعة التي تشيِّد الجوامِعَ بالرُّخام والمَرْمَرْ والأنوار الساطعة بالقرب من مدن الصفيح العشوائية والكهوف الطافحة بالفقر والحرمان والبؤس والهوان وإنعدام المياه والكهرباء ؟

جوهرُ الشريعة – كما قلنا وكررنا مراراً - العدل وروحُها الحرية, و على صعيد الحُكم لا يوجدُ نظامٌ سياسي ٌعلى وجه الأرض يُحقق مقاصدها أفضل من النظام الديموقراطي, ولكن مسودة دستوركم للأسف – يا شيخ أبوزيد – لم ترد فيها كلمة "ديموقراطية" على الإطلاق. بل إنَّ هناك من بين الجالسين معكم و الذين لا تعرف ما في ضمائرهم من يعتبرها كفراً صريحاً.

ويُعلِّق الشيخ أبوزيد على فتاوى الإمام الصادق المهدي, والدكتور حسن الترابي بالقول :      (حديث الصادق المهدي والدكتور الترابي لا يمكن أن يكون محاولة لتجديد الفقه الإسلامي وبعثه, هؤلاء تشبعوا بالفكر والثقافة الأوربية. والله أسوأ من أوربا لم أر بتاتاً , أنا زرت غالب دول أوربا والله لم أجد إلا الإباحية والتحلل والفساد. هناك أندية للعراة وهناك زواج المثليين أي حضارة في الغرب مظاهرات ونقابات للمنكرات والفساد الأخلاقي ؟ أنا لا اعرف ما الذي يعجب هؤلاء الناس في الدول الغربية ؟ دعكم من الدين أين الغيرة والحمية والكرامة ؟ عشان الطائرات والنهضة والتطور يعجبون بالغرب؟ طيب هذا كله أخذوه من ديننا التطور نفسه من الله تعالى فالصانع الحقيقي هو الله (ويخلق ما لا تعلمون) طائرات صواريخ كل الإنتاج من ربنا ). انتهى
سبحان الله . الشيخ أبو زيد الذي زار أوروبا لم ير فيها غير أندية العُراة وزواج المثليين. ترى هل هذه هى أوروبا ذاتها التي زارها الإمام محمد عبده, والطهطاوي, وطه حسين, حتى أنَّ الأول قال " وجدتُ فيها مسلمين ولم أجد إسلاماً" في إشارة للقيم التي يعتنقها أهلها ؟

التحلل والإباحية ظواهر ثقافية نسبية, وهى – بالمعنى الذي يقصد إليه الشيخ أبوزيد - موجودة في مجتمعاتنا أكثر من وجودها في الغرب وأوروبا, ولكننا نعيش حالة من الشيزوفرينيا , فبينما نعمدُ نحن لإنكار هذه الظواهر وكبتها بالدعاوى التطهرِّية فإنَّ الغرب متصالحٌ مع نفسه, ويخرج بكل قضاياه للسطح حتى يواجهها و يعالجها.

أمَّا سؤالك عما يُعجب هؤلاء الناس في الغرب فأجيبك عليه بالتالي :

الغرب – يا شيخ أبو زيد-  يُقدِّس كرامة الإنسان, ويُعلي قيم الحُريِّة و العمل والانضباط, واحترام الوقت, وسيادة القانون. الغرب هو التي حلق بالإنسانية بعيداً في فضاءات "الِعلمْ" حتى وصلت كوكب المرِّيخ, و هو الذي يُصِّدر لنا كل شيء – من الإبرة وحتى الطائرة بينما نحن جالسون في كسلٍ وبلاهة واستعلاء أجوف ننصِّب من أنفسنا حُكاماً على الغرب الكافر, والشرق "الصين" المُلحد. نحن – يا شيخ أبو زيد – نعيشُ عالة على العالم, نستهلكُ ولا ننتج, نسير عكس وجهة التاريخ, نحتقر العقل, وننشد المستقبل في الماضي.

سنظلَّ نقبعُ في قاع مقلب نفايات الأمم إذا استمر هذا المنهج الذي يُعبِّر عنه الشيخ أبو زيد يحكم أفكارنا ومفاهيمنا وتصوراتنا. وسيدفع السودان ثمناً غالياً جداً إذا استمر هذا الفكر في الانتشار والتمدُّد. ولا مجال لمواجهة مثل هذا التفكير إلا بسيادة نهج الحرِّية واليموقراطية .

ولا حول ولا قوة إلا بالله

///////////////////