عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


أعني بالمسلمين الجُدد أصحاب التوجُهات السلفيِّة المُتشدَّدة التي إنتشرت في السودان مثل إنتشار النار في الهشيم خلال العقدين الأخيرين. هُم  " جُدد" على إسلام السودانيين, ولكن فكرهم "قديمٌ" بالِ . يدَّعون إمتلاك الحقيقة الكاملة, والحق المُطلق, ويُنصبِّون من انفسهم مُفتشين و قضاة وحكاماً على عقائد الناس وأفكارهم وضمائرهم . يحتفون بالشكل والمظهر, ولا يأبهون بالمضمون والجوهر, المُخالف لفكرهم ولرؤيتهم الدينية يعتبر في فهمهم مُخالفاً "للدين" نفسهُ, لا يتورعون في تكفير من يخالفهم, وبعض فرقهم لا تعرف سوى العنف والقتل وسيلة لمحاورة المخالفين في الرأي.   

ما كان يخطر ببالي أن يجىء يومٌ أضطرُ فيه للكتابة عن أنَّ مشاركتنا لإخواننا في الوطن من المسيحيين وتهنئتهم بأعيادهم ليست حراماً, وقد دفعتني للكتابة رسالة وصلتني عبر البريد الإلكتروني من أحد القرَّاء يُوضحُ فيها ما تعرَّض له جمهور العاصمة الخرطوم ليلة رأس السنة.

وقد جاء في الرسالة التالي : ( استعجلت أكثر وأكثر في الكتابة لك يا أستاذ بسبب ما قام به بعض الحمقى المحسوبون على التيار السلفي في ليلة رأس السنة الحالية قبل أيام حيث لاحظت كما لاحظ الكثيرون في ذلك اليوم انتشار عربات من طراز غريس (تشبه الهايس) تجوب شوارع الخرطوم مزوَّدة بملصقات معلقة عليها تنهى الناس عن الاحتفال برأس السنة الميلادية بدعوى أنه تشبه بالكفار، كانت هذه الدعوات تنطلق من الملصقات مصحوبة بمكبر صوت ملحق بالعربة يبث آيات من الذكر الحكيم أو حتى ندوة تخدش آذاننا بصراخ وعويل أحد السلفيين المتشددين السودانيين أو حتى غيرهم مثل السعوديين (حيث انطلقت الوهابية منهم) وما إلى ذلك . وليت الأمر وقف عند هذا الحد، فقد كانت تلك العربات تجوب العاصمة وتقتحم تجمعات الناس وتتوقف بصورة مريبة فيخرج منها بعض الصبية وأصحاب اللحى الطويلة والجلاليب القصيرة ويقومون بتوزيع منشورات متشددة مكتوبة بلغة سمجة وفطيرة وقديمة تعود لعصرما قبل التاريخ ,تنهى الناس والشباب عن الاحتفال برأس السنة الميلادية .وتدعو الشباب - بلغة عامة وكلام عام مبهم - إلى استعادة أمجاد المسلمين ونصرة الإسلام وترك الترَّهات التي يفرح بها أعداء الله على حد قولهم وزعمهم . هذا بالإضافة إلى الملصقات والمنشورات الكثيرة التي قاموا بتعليقها في شوارع ومحلات العاصمة المختلفة قبل أيام من ليلة رأس السنة. بصرف النظر عن حكم الاحتفال برأس السنة الميلادية لكن اتخاذ هؤلاء السلفيين المتشددين لهذا المسلك الذي يمكن تصنيفه بأنه إرهاب فكري وقيامهم باقتحام تجمعات الناس بهذه الصورة المتطفلة وغير اللائقة وإحالة حياتهم إلى بؤس لهو بالتأكيد أمر غير مقبول ويذكرنا بحركة طالبان وممارسات الوهابية المتشددة في السعودية من حيث وصايتهم على الناس وأخلاقهم وسلوكهم والتدخل في خصوصياتهم ). إنتهى

بعد هذا النقل المُختصر لرسالة القارىء الكريم أودُّ أن أطرحَ سؤالاً مُهِّماً على الذين آثروا تغييب عقولهم, ونبذوا الحكمة, ومقاصد الشريعة, ثم خرجوا من متحف التاريخ يعظون الناس دون دراية وعلم, وكأنهم رُسل العناية الإلهية : كيف يسمح الإسلام للرُّجل المُسلم بالزواج من المرأة غير المسلمة وتكوين الأسرة التي هى نواة المجتمع, ويأتمنُ تلك المرأة على تنشئة ورعاية وتربية الأبناء, والأهم من ذلك على دينهم, وأن تعيش تلك الأسرة تحت سقفٍ واحدٍ ملؤه الدفء والحنان والحميمية والحُب, ثم يُحرِّم على الأبناء تهنئة والدتهم بالعيد, وعدم مُشاركتها الإحتفال به, وعدم تقديم الهدايا لها لأنها غير مسلمة ؟

إسلامُ أهل السودان يختلفُ عن إسلام المُجتمعات الصحراوية القاسية التي وفد منها هذا الفكر المُتعصِّب, الجاف والمُتشدِّد, هو إسلامٌ عمادهُ التسامح وقبول الآخر والتعايُش معهُ . لقد ألفينا إخواننا المسيحيين يعوُدوننا ويهنئوننا بأعيادنا ومُناسباتنا الدينية, يشيلون " الفاتحة " في العزاء, و "يفطرون" معنا في رمضان, ويتعفرون بتراب المقابر ساعة الدفن, ونبادلهم نحن نفس الأفعال في أفراحهم وأتراحهم, حتى أطلَّ علينا المسلمون الجدُد لنكتشف فجأة أنَّ سلوكنا وسلوك آبائنا واجدادنا من قبل ضلالٌ مبين, وخروجٌ عن صحيح الدين.

القرآن لم ينهَنا عن برِّغير المسلمين، ووصلهم، وإهدائهم، وقبول الهديَّة منهم، وما إلى ذلك من أشكال البِّر، والله تعالى يقول في الآية الثامنة من سورة الممتحنة  : “لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوَهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ”.

وقد أجاز الشيخ القرضاوي تهنئة غير المسلم بعيده وقال نفس الكلام :  أجيز ذلك إذا كانوا مُسالمين للمسلمين، وخصوصاً من كان بينه وبين المُسلم صلة خاصة، كالأقارب والجيران في المسكن، والزملاء في الدراسة، والرُّفقاء في العمل ونحوها، وهو من البر الذي لم ينهنا الله عنه. بل يحبه كما يحب الإقساط إليهم "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" الممتحنة. ولا سيّما إذا كانوا هم يهنئون المسلمون بأعيادهم، والله تعالى يقول: "وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا".

ومن ناحيةٍ أخرى فإننا نقولُ للمُسلمين الجُدد أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدايا من غير المسلمين, حيث ورد عن على بن أبى طالب رضىَّ الله عنه أنه قال: “أهدى كسرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل منه وأهدى له قيصر فقبل، وأهدت له الملوك فقبل منها”، و قد قبل الرسول كذلك هدية المقوقس عظيم القبط بمصر. وإذا كان ذلك هو سلوك المصطفى فإنَّ إتباعهُ لا يُصبحُ مستحباً, بل سُنة واجبة.

وقد أجاب القيادي بجماعة الإخوان المسلمين المصريَّة صُبحي صالح على السؤال التالي : هل حقيقى انه لا يجوز على المسلم تهنئة المسيحى بعيده ؟  بالقول :  " طبعا لا ، فهذا الكلام سبق و قالهُ السلفيون و نحن غير مسئولين عنه ، اما فيما يخص رؤية الإخوان فنحنُ نرى ان تهنئة المسيحيين بأعيادهم واجبٌ شرعىٌ على المسلميين بإعتبارهم إخوة و شركاء فى الوطن ، فأنا لا أشاركهُ لا القدَّاس و لا الإكليل و انما اقول له كل سنة و انت طيب أى أدعو له الله بأن يجعلهُ دائما طيب و بخير و هذا شىء أثاب عليه كمسلم بدون ان أشاركه شعائره لأنها تخص ديانته ".

أمَّا مشاركة غير المسلمين في الإحتفال بأعيادهم فقد أجازها العديد من العلماء و منهم الشيخ أحمد الشرباصي الذي قال بجواز مُشاركة المُسلم للنصارى في أعياد الميلاد بشرط ألا يكون ذلك على حساب دينه، وأجازها كذلك الشيخ عبد الله بن بيه نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ، إضافة للشيخ سلمان العودة ( وهو شيخٌ سلفي ) الذي قال عن حكم الاحتفال بعيد الميلاد مع المسيحيين والكريسماس : انه يجوز الاحتفال مع غير المسلمين بأعيادهم.

أمَّا القاعدة العامة التي تحكم قضيِّة التعامل مع الآخر المُختلف, والتي تقع قضيِّة تهنئة غير المسلمين والإحتفال باعيادهم ضمنها, فهى التي قال بها العديد من عُلماء المسلمين المُتقدمين والمُتأخرين ومنهم الإمام الصادق المهدي الذي يقول في الإطار : لكي يتم تنظيم التعامل مع الإختلافات المذهبية والثقافية والدينية ينبغي على المسلمين مراعاة التالي : الإلتزام بالقطعي وروداً, والقطعي دلالة من نصوص الوحي في الكتاب والسنة وتحرير الإجتهاد فيما سوى ذلك.

ولا يُوجدُ في القرآن أو السُّنة القطعية ما يمنعُ أو يُحرِّم تهنئة ومشاركة غيرالمسلمين في أعيادهم.

ما يؤسف لهُ في هذا السياق هو الخلل الكبير في ترتيب الأولويات لدى هؤلاء المسلمون الجُدد , ففي الوقت الذي يقفُ فيه السودان على شفير الهاوية جرَّاء المشاكل التي تحيط به من كل ناحية, وفي الوقت الذي تزداد فيه مُعاناة المواطنين في مُختلف ضروب الحياة وخصوصاً في الأحوال المعيشية, نجدهم يُهدرون الطاقات والموارد في قضايا شكلية لا تمس هموم الناس ومشاكلهم.

قد كان الأجدى بهم صرف الملايين من الجنيهات التي أنفقوها في الطباعة وإيجار السيارات والوقود ومكبرات الصوت والمُلصقات في أمور أهم وأخطر. كانوا سيقدمون خدمة أفضل للإسلام والمسلمين لو أنهم صُرفوا تلك الأموال على شراء أغطية لأطفال الشوارع الذين تورد الصُحف أنباء موتهم من برد الشتاء القارص, أو لتوفير وجبة الإفطار لأطفال المدارس المُعوزين, أو لدعم دورالأطفال والعجزة والمُسنين, وغير ذلك من إحتياجات المُجتمع في هذا البلد المغلوب على أمره.

كتبتُ كثيراً عن مأساة التديُّن الجديد الذي إجتاح بلادنا, ولا أقول أنَّ الشجر الذي كنت أراهُ ما زال يسير, ولكنني أقول أنهُ وصل واستقر وتمكن : المسلمون الجُددْ هُم نكبة السودان القادمة.

ولا حول ولا قوة إلا بالله