عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


هذه كلمة أوحاها إلىَّ رحيل الدكتور خليل إبراهيم زعيم حركة العدل والمساواة رحمهُ الله. وليس الغرض منها إبراز موقف سياسي مُؤيد أو مُعارض لهذا الطرف أو ذاك, ولكن الغاية منها النظر والتأمُل في حجم الضرر الذي يلحق بالوطن جرَّاء فقد وضياع قيادة سياسية أو فكرية بسبب الإختلاف الذي لا تعرف الأنظمة الأحادية والشمولية وسيلة أنجع من الإلغاء والتغييب لحسمهِ.

إقتضت طبيعة المُجتمعات البشريِّة أن تكون بحاجةٍ لقادة يحوزون على صفاتٍ شخصيَّة تميِّزهم عن الآخرين, ويلتف حولهم الناس ويدعمونهم وينسجمون معهم على كافة الصُعد والمجالات.

إنَّ بروز مثل هذه القيادات في المُجتمع أمرٌ نادر الحدوث و لا يتكرَّر كل يوم, وتلعبُ الأقدار والظروف التاريخية وظروف المجتمع نفسه دوراً كبيراً في التعرُّف الباكر على القدرات والمواهب, وتنميتها ورعايتها والحفاظ عليها, وذلك للدور الفعَّال الذي يلعبهُ هؤلاء المتميِّزون في التأثير والإرتقاء والنهوض بالمجتمع.

وبما أنَّ وقوع الخلاف والنزاع أمرٌ طبيعي في المجتمعات فإنَّ وسائل حله تتراوح بين الوسائل السلمية أو العنيفة, و يلعب النظام السياسي دوراً حاسماً في تقرير وسيلة الحل. حيث ثبت بالتجربة والممارسة أنَّ النظام الديموقراطي هو النظام الوحيد في العالم الذي تتم من خلاله إدارة الخلاف أو حله بالطرق السلميِّة.

إنَّ مُجتمعاً مثل مُجتمعنا السوداني في حاجةٍ ماسةٍ للحفاظ على النابهين من أبنائه من القيادات في مختلف المجالات, خصوصاً في المجال السياسي, وذلك بسبب الندرة الواضحة لمثل هذه النوعيِّة من البشر أصحاب القدرات والمواهب. ولأنَّ فقد مثل هؤلاء لا يمكن نعويضهُ بسهولة ويُسر.

وقد يرى البعض أنَّ وجود  أنظمة ( Systems ) كما هو الحال في المجتمعات المتقدمة, هو الأمرُ الذي يجب أن يأخذ أولوية على التركيز على الحفاظ على القيادات, وذلك لأنَّ عصر الأنبياء و المُصلحين و الأبطال والزعماء الملهمين قد ولى. وهذه حُجَّة سليمة ولكنها يجب أن لا توضع في تضاد مع فكرة الحفاظ على القيادة لأنَّ كلاهما يُكمَّل الآخر خصوصاًً في مثل مجتمعنا السوداني.

الناظر في سجل الأنظمة الأحادية و الشمولية التي حكمت السودان يجدُ أنها قد اسرفت في تغييب القادة من مختلف الإتجاهات السياسية والفكريِّة. فنظام الرئيس الراحل جعفر نميري وحدهُ على سبيل المثال قتل أربعة رؤساء أحزاب سياسية, والعديد من القيادات النقابية.

قتل النميري سكرتير الحزب الشيوعي الأستاذ المرحوم عبد الخالق محجوب ورفاقه الشفيع احمد الشيخ, وجوزيف قرنق, وغيرهم من قادة الحزب الشيوعي. وكان نتيجة ذلك أن فقدت البلاد ثلة من الموهوبين والعارفين وأهل الفكر الذين وإن إختلف معهم أصحاب توجهات سياسية مختلفة إلا أنَّ أسهامهم الكبير والمُقدَّر في مسيرة التحرُّر والبناء الوطني لا يمكن إنكارها. هؤلاء القادة كانوا أصحاب جهد وعرق وتضحية في مناهضة المستعمر, وفي  تأسيس وتطوير النقابات, وفي علاج قضايا الوحدة الوطنيَّة, وفي تبصير الجماهير, وعندما سئل عبد الخالق في محكمته ماذا قدَّمت لهذا الشعب أجاب قائلاً : الوعي بقدر ما إستطعت. لا شك عندي على الإطلاق أنَّ السودان خسر كثيراً بهذا الفقد.

قتل النميري كذلك إمام الإنصار وزعيم حزب الأمة الهادي المهدي, ودكَّ الجزيرة أبا, وقتل قيادات الأنصار في ودنوباوي. وهؤلاء القادة أصحاب سهمٍ وافر, وإرث مجيد في التضحية والفناء من أجل هذا الوطن.

قتل النميري في سجنه الزعيم إسماعيل الأزهري, لابس بدلة الدمُّور, مُحرِّر السودان, ورافع علم إستقلاله, وقائد كتلة الإستنارة المدينية من مثقفي الطبقة الوسطى. لا شك أنَّ الوطن ومسيرة الديموقراطية قد تأثرت تأثراً سلبياً كبيراً بغيابه.

قتل النميري الأستاذ محمود محمَّد طه رئيس الحزب الجمهوري, والمفكِّر الإسلامي المستنير الذي بنى حركة فكريِّة حديثة ترسِّخ مفاهيم التسامح وقبول الآخر. وهو فكرٌ يحتاجهُ السودان الآن أكثر من أى وقتٍ مضى. لا شك عندي كذلك انَّ السودان خسر كثيراً بمقتل هذا القائد المفكر.

ترى كيف كان سيكون مصير دولة مثل  جنوب افريقيا إذا قرَّر حزب الزولو (إنكاثا ) قتل نيلسون مانديلا و أوليفر تامبو و والترسيسولو و احمد كاثرادا وغيرهم  من القيادات والرموز في ظل اعمال العنف التي إستمرَّت طويلاً بينه وحزب المؤتمر الوطني والتي لقى فيها الكثيرون حتفهم ؟

وماذا لو أصابت رُصاصات نظام الدكتاتور المخلوع زين العابدين بن علي, الطبيب والمفكر و القائد التونسي منصف المرزوقي, الذي ظل لربع قرن من الزمان يزرع الأمل و يشحذ الهمم, ويبشِّر بالثورة القادمة من رحم الغيب. فعل ذلك وهو حرٌ طليق, وأكدَّه في سجون الطاغية, وحمله معه في المنفى, حتى إذا ما هبَّت رياح الثورة حملتهُ الجماهير الوفيِّة على الأعناق رئيساً يقطن ذات القصر الذي كان سلفه يُدير منهُ دولة الموت والفساد والكبت. 

في هذا السياق تجيىء قراءتي لمقتل الدكتور خليل, الذي لا تربطني به علاقة فكر أو صلة تنظيم, بل كنت – وما أزال -  ضمن فريق المعارضة للإنقاذ التي كان هو جُزءاً منها لسنواتٍ طويلة قبل أن يختار سبيل الوقوف في وجهها. وفي سيرة الرجل التي رواها أستاذي البروفيسور عبد الله عثمان التوم ( وقد درَّسني مادة الأنثروبولوجيا بالجامعة ) في كتابه  " دارفور : حركة العدل والمساواة وسيرة خليل إبراهيم" الكثير الذي يؤكد انّّ خسارة الوطن فيه كانت كبيرة.

لا يجبُ أن تتسبَّب المواقف السياسية ( المُتغيرِّة ) والعابرة في تحطيم المصلحة الوطنيِّة (الثابتة) والمتمثلة في الحفاظ على قيادات السودان جميعاً, فالوطن هو الباقي والمواقف السياسية وأصحابها زائلون .

إنَّ الذين هللوا وكبُّروا لموت الدكتور خليل هُم أنفسهم من كانوا سينصِّبونهُ بطلاً قومياً إذا قنع بالتوقيع على وثيقة الدوحة. وربما كان خليل نفسهُ من الذين هللوا وكبَّروا لمقتل المرحوم داؤود يحى بولاد الذي خرج على النظام مُغاضباً بقناعات اشبه بتلك التي حملت خليل على الخروج لاحقاً.

من المؤكد أنهُ لا يوجدُ على وجه البسيطة نظاماً سياسياً يسع الكل, ويُدير الخلاف والإختلاف بالحسنى وبالوسائل السلميِّة, و يُحافظ على أبناء وقيادات الوطن جميعاً مثل النظام الديموقراطي, الذي جربنَّاهُ وتشهد التجربة مع محدوديتها أنَّ الحكومة في ظله لم تقتل واحداً من القيادات.