عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


حزِّنا وحزن كلُّ صاحب فطرةٍ سليمة وضميرٍ حي لإنفصال الجنوب وذهاب ثلث الأرض والتراب والشعب. ويتضاعف حزننا كذلك مع إستمرار الأوضاع المُزرية التي يُعاني منها شمال السودان والتي يصدُق عليها وصف " الأزمة الوطنيّة الشاملة " وأهم مظاهرها غياب الحريِّة و الحكم الديموقراطي والنزاعات المسلحة والتدهور الإقتصادي.

وقد كان مؤملاً – بعد إنفصال الجنوب - أن يقف أهل الرأي والمعرفة والفكر والسياسة وصُناع القرار وقفة تجرُّد وصدق مع النفس تتأمل و تدرس  جذور العلل والمشاكل التي أدَّت إلى قيام دولة جنوب السودان وإلى فشل الدولة في الشمال ومن ثم الشروع في السير نحو تصحيح الأوضاع البائسة والمتردية التي آلت إليها أحوال البلاد والعباد.

غير أنَّ رجال الدين من أئمة المساجد كان لهم رأياً آخر. حيث دعوا إلى " إعادة صياغة الواقع" بعد ذهاب الجنوبيين. ملامح هذه الصياغة عبَّرعنها الشيخ أبوزيد محمَّد حمزة في مطالبته لرئيس الجمهورية, وهي المطالبة التي أوردتها صحيفة "أخر لحظة" في خبرها المنشور في نفس يوم إعلان دولة جنوب السودان, والذي يقول :( طالب الشيخ أبوزيد محمد حمزة إمام وخطيب مسجد الحارة الأولى بأمدرمان في خطبة الجمعة أمس رئيس الجمهورية المشير عمر البشير بتطبيق الشريعة الإسلامية وضبط المظهر العام في الشمال وتغيير علم السودان وكتابة لفظ " لا إله الا الله" عليه. مشيراً إلى أنَّ الحكومة حال تطبيقها للشريعة الإسلامية فلتحكم لمائة عام قادمة ). إنتهى

يبدو أنَّ أئمة المساجد من أصحاب الإنتماءات و التوجهات الدينية الدخيلة على إسلام أهل السودان مازالوا ينظرون للشعب السوداني كقطيع بلا إرادة ولا أفكار ولا إنتماءات ولا موروث بحيث يستطيعون إستخدام قوة الدولة  من أجل تشكيل واقعه على هواهم ووفق توجهاتهم الفكرية. فبالأمس جاءت الإنقاذ ترفع شعار "إعادة صياغة الإنسان السوداني", و كان الحصاد هو ما نشهده اليوم من تحولات كبرى سالبة في القيم العليا للفرد والمجتمع. واليوم يسعى رجال الدين - مسنودين بقهر السلطان - إلى تكرار ذات التوجه مُستغلين إنفصال الجنوب كمدخل لفرض أفكارهم البائسة .  

لا أدري ماذا يعني الشيخ أبوزيد  "بالشريعة" ولكن من الواضح أنَّ ما يُطالب به لا يختلف كثيراً عما هو مُطبَّق منذ سنوات. فعندما هبطت الإنقاذ على الحكم في السودان قبل عقدين ونيف من الزمن قال قادتها إنهم إنقلبوا على النظام القائم من أجل تطبيق الشريعة الإسلامية وإقامة دولة السماء في الأرض. وكان إعلان الحدود في نظرهم هو الإستقلال الحقيقي للسودان وليس ذاك الذي تحقق في 1956. وبعد أن حكموا السودان لأكثر من عشرين سنة تكشف للجميع أنَّ الشريعة التي يقصدونها لا تعني سوى تطبيق الحدود.

إستنتاجي هذا مبنيٌ على مُطالبة الشيخ أبوزيد أعلاه والتي لم تتطرَّق لمطلبٍ واحدٍ جوهري من مطالب الشريعة التي أفهمها ويفهمها كثيرون مثلي . فأين مطالبة الشيخ أبوزيد بعودة الحريَّة والديموقراطية ؟ وأين مطالبة الشيخ بمحاربة الفساد الذي إستشرى في جسد الوطن حتى أضحى الحديث عنه لا يثير دهشة أحد ؟ وهل كان وجود الجنوبيين هو سبب الإنهيار الذي أصاب بلادنا أخلاقاً وسياسةً ومجتمعاً ؟  أم هو الإستبداد الذي إعتبره عبد الرحمن الكواكبي أُسَّ كل داء ؟

غير أننا لا يجب أن نُحمِّل الشيخ  فوق ما يحتمل, فهو إنما يُعبِّر بصدق عن مدرسةٍ في الفكر الإسلامي تعطي الأمورالشكلية أولوية وتتجاهل الأمورالجوهرية, فتغييرالعلم وكتابة " لا إله الا الله" فيه - على سبيل المثال -  تمثل أمراًً أكثر أهميِّة من المطالبة بالحرية الغائبة والعدل المفقود.  

ثم يُطالب الشيخ أبوزيد رئيس الجمهورية بضبط المظهر العام, وهى مطالبة يستعصي تحديد معناها وما هو المقصود منها وذلك لصعوبة التوافق حولَ معيارٍ موضوعيٍ يمكن من خلاله قياس مدى إنضباط المظهر العام. وقد أوضحت التجربة السودانية و تجارب دول أخرى كذلك أنَّ مثل هذه الدعوة تكون في الغالب مدخلاً واسعاً للكبت والتضييق ولإنتهاك حقوق الأفراد والجماعات  وخصوصاً النساء اللائي غالباً ما يقعنَّ ضحايا الأهواء الشخصية و التجاوزات التي ترتكبها الجهات التي تضطلع بمسئولية تطبيق الأوامر المتعلقة بذلك الضبط .

قد كان مؤملاً من الشيخ أبوزيد – بدلاً عن الدعوة السطحية لضبط المظهر العام -  المطالبة بمعالجات أعمق لجذور الآفات الإجتماعية التي إستشرت في جسد البلد في العقدين الأخيرين والتي من بينها الفقر الحاد, والرشوة والمحسوبية, و العطالة , وحشود الفاقد التربوي, وتزايد نسب الأميَّة, و إنتشار إدمان المخدرات, وغير ذلك مما يجب أن تنصًّب فيه جهود المؤسسات الحكومية.

ثم يبلغ الكرم الحاتمي الفيّاض للشيخ أبوزيد مداهُ بمنح الحكومة  - دون تفويضٍ من الشعب -  "شيكاً على بياض" لحكمنا مائة سنة إنْ هىَّ طبَّقت الشريعة كما يفهمها هو ومن معه . وقد أسلفنا القول أنَّ مفهوم "الشريعة" يختلفُ من مدرسةٍ فكرية لأخرى, ولا يوجد إجماعٌ حوله أو حول كيفية تطبيقه. فما يراهُ الشيخ أبوزيد و التيار الذي يمثلهُ أولوية تراهُ تيارات أخرى عكس ذلك.

يُمكننا في هذا الصدد أنْ نورد مثالاً يوضح ما نرمي إليه. فالمدرسة الفكرية التي ينتمي إليها الشيخ أبوزيد – على سبيل المثال - لا ترى وجوب التصدي لجور الحكام  وظلمهم, وترفض تغييرهم حتى إذا إرتكبوا الكبائر ووقعوا في ما تراه مدارس فكرية إسلامية أخرى محظورات "الشريعة" وجافوا جوهرها المرتبط بالعدل والحرية ما داموا (أى الحكام) يتمسكون بالقشور و بالأمور "الشكلية", وما داموا يقولون أنهم يُطبقون الشريعة حتى ولو عارضت أفعالهم الأقوال.

يقول إبن تيمية في الوصية الكبرى, وهى الرسالة السابعة من مجموعة الرسائل الكبرى عن خلاف يزيد بن معاوية مع أهل المدينة, وعن عدوانه عليهم أنَّ " أهل المدينة النبوية نقضوا بيعته, وأخرجوا نوابهُ وأهلهُ، فبعث إليهم جيشاً، وأمرهُ إذا لم يُطيعوه بعد ثلاث أن يدخلها بالسيف ويبُيحها ثلاثاً، فصار عسكره في المدينة النبوية ثلاثاً يقتلون وينهبون ويفتضون الفروج المُحرَّمة، ثم أرسل جيشاً إلى مكَّة، وتوفِّي يزيد وهم مُحاصِرون مكة، وهذا من العدوان والظلم الذي فُعل بأمره ".

وعلى الرغم من هذا الوصف المُخيف لما إرتكبهُ يزيد من شرٍ عظيم وفسادٍ عريض وما إنتهكهُ من حُرمات الا أنَّ إبن تيمية يقول في حقه " ومع هذا فإن كان فاسقاً أو ظالماً، فالله يغفر للفاسق والظالم، لا سيما إذا أتى بحسنات عظيمة". فما هى تلك الحسنات التي تجبُّ مثل هذه الأفعال ؟

هذا المثال يُمكننا من فهم طبيعة و ماهية الفكر الذي يسير على هديه الشيخ أبوزيد, ومن الإقتراب من العقلية التي تقف وراء " صك الضمان" الذي منحهُ للحكومة بالبقاء لمائة عام دون أن يسأل نفسه ونسألهُ نحن عن ممارساتها وأخطائها وتجاوزاتها ولمجرَّد إعلانها أنها تُطبِّق "الشريعة" .

سيكون مِن المفيد للشيخ أبوزيد ومَنْ يُطالب بمثل مطالبته  تذكير أنفسِهم بأنَّ السودان تدهور إلى دولة فاشلة بسبب غياب الحُريَّة , وليس بسبب عدم كتابة " لا إله الا الله" في العلم أو عدم ضبط المظهر العام. وأنَّ السبيل الوحيد إلى إصحاح الأوضاع الحالية وإنتشال الوطن من وهدته هو التراضي القائم على الإعتراف بالإختلاف في الأفكار والإنتماءات والتوجهات, وأنَّ الديموقراطية هى الوسيلة الوحيدة القادرة على إدارة هذا الإختلاف بعيداً عن المُزايدة بالدين وبالشريعة . وأنَّ من يُقرِّر بقاء الحكومة أو ذهابها ليست أقوال أو فتاوى رجال الدين بل هى إرادة الشعب المُعبَّر عنها في صناديق الإقتراع التي  يتنافسُ عليها المتنافِسون.