عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


عندما قام المعهد الهولندي للعلاقات الدولية (كلينغدايل) في عام 2009 بنشر تقريره البالغ الأهميَّة حول سيناريوهات المستقبل في السودان, كنت وقتها من أكثر الناس ميلاً إلى ترجيح وقوع السيناريوهين الأسوأ. وقد إنبنى موقفي آنذاك على عدة عوامل كان في مقدمتها النواقص الكثيرة التي شابت محتوى إتفاق سلام نيفاشا إضافة للسلوك السياسي الذي إتبعَّه شريكا حكومة الوحدة الوطنيَّة ( المؤتمر الوطني والحركة الشعبية) والذي إتسَّم بالتشاكس وفقدان الثقة المتبادل إضافة لغياب الإجماع الوطني وعزل مختلف ألوان الطيف السياسي السوداني عن المشاركة الفاعلة في قضايا الوطن الحاسمة.

سأقوم في السطور التالية بإستعراض بعض جوانب ذلك التقرير مع التركيز على السيناريوهات التي يتوقع أن تحكم مسار العلاقة بين شمال السودان وجنوبه أو تلك التي ستسود داخل كل طرف في عام 2012.

جاء في مقدمة التقرير أنَّ " مستقبل السودان غير معلوم, ومعظم العمل الذي يقوم به المجتمع الدولي والحكومات والمنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني يُركز على ضمان تطبيق إتفاق السلام الشامل والتأكيد على قيام الإنتخابات والإستفتاء, ونتيجة لذلك فإنَّ الجميع لا ينفقون الوقت اللازم في التفكير الإستراتيجي في الفترة ما بعد العام 2011, وقليلاً ما يتطرَّق الناس لنقاش ما سيحدث في العام 2012.
من الصعب التنبؤ بالمستقبل, ولكن بتطوير عدد من السيناريوهات يمكننا الإستعداد بطريقة أفضل لما سيحدث ".

وصف تقرير المعهد الهولندي للعلاقات الدولية أربعة سيناريوهات لمستقبل السودان في إطار مُحدديِّن رئيسيين أولهما هو : هل سيظل السودان في العام 2012 موحَّداً أم سيسير الجنوب والشمال في طريقين مختلفين ؟ وثانيهما هو : هل ستنشب في العام 2012 حرب جديدة بين جنوب السودان وشماله, أم لا ؟

السيناريوهات الأربعة التي رسمها التقرير جاءت كالتالي :
1. عودة الحرب الأخيرة  ( حرب – وحدة ).
2. حروب حدودية         ( حرب – أنفصال).
3. الأنتصار لأتفاق السلام الشامل ( لا حرب – وحدة).
4. حذاري , هل ترغب في مصير الصومال ؟ ( لا حرب – أنفصال ).

واليوم لم يعد السيناريوهان الأول والثالث قابلان للتحقق بعد أن قرَّر الجنوبيون الإنفصال عن الشمال وإقامة دولتهم المستقلة. وأصبح السودان اليوم مواجهاً بالسيناريوهين الأسوأ وهما الثاني والرابع ( الحروب الحدودية أو الحرب الأهلية ). فكيف ستكون أوضاع السودان في عام 2012 في حال وقوعهما ؟

فيما يخص السيناريو الثاني ( سيناريو الحرب الحدودية ) أورد التقرير الذي صدر في العام 2009 قراءة مستقبلية ( تاريخ مستقبلي) لما سيكون عليه حال السودان في الفترة بين 2009 -2012 . و قد نجحت تلك القراءة في توصيف الأحوال المستقبلية حتى اليوم بصورة بالغة الدقة, ونقتطع منها الأجزاء التالية : 
( قبل حلول موعد الإستفتاء في 2011 إزداد إستياء الجنوب وتململه , وعلت أصوات السياسيين الجنوبيين متهمة المؤتمر الوطني بأتباع سياسة ترمي إلي تقويض إتفاق السلام الشامل. تمَّت إعادة التفاوض حول نتائج التعداد السكاني ولكن عدد من الجنوبيين يعتقدون أنها ما زالت بعيدة عن الأرقام الحقيقية. هدَّد الجنوب في أكثر من مناسبة باللجوء لخيار الإنفصال ولو بالقوة وبدون إستفتاء. وكانت نتيجة ذلك إتساع الفجوة في عدم الثقة بين الجنوب والشمال على مستوى النخب وعامة الشعب. إتسمت الحملة الإنتخابية بالخشونة والإتهامات المتبادلة بين الطرفين. الخطب الإنتخابية المتفجرة زادت من حدة الإستقطاب وساهمت في تراص الصفوف الجنوبية في مواجهة العدو المشترك. على الرغم من أنه تم توظيف ورقة الخلافات القبلية و الصراع حول السلطة في العام 2009, الا أنها لم تلعب دورا ظاهرا في هذه المرَّة. في خاتمة المطاف فاز المؤتمر الوطني بالإنتخابات في الشمال بينما إستطاعت الحركة لشعبية توحيد صفوفها واكتسحت الإنتخابات في الجنوب. لم تشكل نتيجة الإستفتاء مفاجأة لأي شخص حيث إختار الجنوب الاستقلال). إنتهى

وتقول القراءة أنَّ ( الإستقطاب الحاد بين الشمال والجنوب أدى لإغفالهما نقاش العديد من القضايا المهمة كما صرفهما عن الوصول لإتفاق حول قضايا ما بعد الإستفتاء. الوضع الحدودي لمنطقة أبيى والعديد من القضايا المتعلقة بالمناطق المتنازع عليها في النيل الأزرق وجبال النوبة/جنوب كردفان لم يتم حلها. قضايا الجنسية وأوضاع الملكية للشماليين في الجنوب وللجنوبيين في الشمال لم يتم التعامل معها بطريقة سليمة. وكذلك تظل قضايا مثل الديون الخارجية ومؤسسات الدولة وشركاتها غير واضحة وغائمة).إنتهى

ويتنبأ ذلك السيناريو بأوضاع السودان في العام 2012 بالقول :

( في عام 2012 تتراوح خطوط المواجهة الأمامية بين قوات الشعب المسلحّة والجيش الشعبي لتحرير السودان حول حدود الأراضي الغنية بالنفط, وعلى الرغم من أنّ الجيش الشمالي مدرّب بشكل أفضل ومزّود باليات عسكرية متقدمة الا أنّ دوافع الجيش الشعبي للقتال أكبر لأنه يدافع عن وطنه بينما يتلاشى السند للحرب في الشمال الذي أضحى لا يحتمل رؤية النعوش التي تحمل جثث القتلى. يدورالقتال في البؤر الملتهبة حول  حزام على طول الحدود يضم – إضافة لأقاليم أخرى- أبيى, جبال النوبة/جنوب كردفان, والنيل الأزرق. القتال في منطقة أبيى تقوم به القوات الشمالية مستخدمة الدبابات في معاركها بينما يقع معظم القتال خارج أبيى على عاتق المليشيات. تستخدم حكومة الشمال بعض المليشيات القبلية كالمسيرية لقتال من تسميهم بالعصابات كالنوبة الذين لم تشملهم دولة الجنوب الوليدة ولكنهم لا يريدون أن يكونوا جزءا من السودان الشمالي. في أبيى يتقاتل المسيرية مع دينكا نقوك. إنضمت بعض الجماعات الإسلامية المسلّحة التي تؤمن بأن يظل السودان دولة أسلامية موحدة لقوات الشمال الأمر الذي أدى لبروز البعد الديني للصراع بوضوح. ربما يكون الشمال في وضع عسكري أفضل ولكن الجنوب يتمتع بدعم الولايات المتحدة الأميركية والإتحاد الأوروبي, وكذلك فإنّ كينيا ويوغندا وأثيوبيا تدعم الإنفصال طالما أنه تم وفقا لما نادت به اتفاقية السلام الشامل, وحتى مصر فانها تدرس امكانية الاعتراف باستقلال الجنوب. في الشمال ما يزال حزب المؤتمر الوطني ممسكاً بالحكم على الرغم من معاناته من الإنقسام, وقد أحكم صقورالحزب قبضتهم على السلطة وحدث تراجع كبير في الحريات المدنية التي تم إكتسابها بموجب إتفاقية السلام الشامل. يعتقد الصقور أنّ الشمال يجب أن لا يمنح حق الإستقلال لأي جزء من أجزائه حتى لا تكون سابقة فقبول أستقلال الجنوب- على سبيل المثال- سيغري دارفور بالسير في ذات الطريق. تتسع دائرة الحرب في دارفور حيث تعمل الحركات المسلحة على إستغلال الأوضاع المضطربة, وعلى الرغم من إزدياد التوتر في أقصى شمال السودان وشرقه الا أنّ قوّات الأمن ما زالت تسيطر على الأوضاع في هذين الأقليمين. يتعامل الشماليون المتعصبون مع الجنوبيين الموجودين في الشمال بقسوة وعنف, وتقوم مجموعات منهم بالهجوم على الجنوبيين مما يؤدي الي سقوط العديد من الضحايا, وقد تحولت المناطق التي يقطنها الجنوبيون الي أحياء معزولة (غيتوهات) لا يستطيع سكانها مغادرتها بسبب سيطرة المليشيات واللصوص علي الطرقات المؤدية اليها. الجهة الوحيدة التي يمكنها توفير الحماية للجنوبيين هى لواء الخرطوم التابع للحركة الشعبية لتحرير السودان. يحاول كثير من الجنوبيين الفرار وآخرون لا يتمكنون من ذلك لأنهم محاصرون. تعلن دولة الجنوب نفسها كأتحاد فيدرالي ديموقراطي متعدد الأحزاب, وتكتسب الدولة الوليدة نوعا من الإستقرار النسبي, وتصدر عملة خاصة بها أطلقت عليها (الشلن), وتصبح اللغة الأنجليزية لغة الدولة الرسمية.  مدينة جوبا أمنة نسبيا عدا تعرضها لبعض الهجمات الجوية من حين لاخر. على الرغم من ذلك , هناك الكثير من المعوقات التي تعترض سبيل الدولة الوليدة, حيث ما تزال معدلات إنعدام الأمن كبيرة ليس فقط في المناطق الحدودية ولكن فيما وراء ذلك, والسبب في ذلك هو أنّ جل طاقات الحكومة موجهة اللحرب الأمر الذي يحد من قدرتها على تطبيق القانون بطول البلاد وعرضها, ونتيجة لذلك فقد تفشي العنف وازداد نشاط عصابات سرقة الماشية وقطاع الطرق. تأثر الاقتصاد في الجنوب وكذلك في الشمال سلبا بالحرب والسبب في ذلك هو أنّ رحاها تدور في مناطق حقول البترول الحدودية, وقد نتج عن ذلك توقف الأنتاج النفطي وبالتالي تناقص عائدات الدولتين, وعلى الرغم من التدهورالأقتصادي الا أنّ هناك من المستثمرين من أبدى رغبته في الأستثمار في الجنوب ولكن نسب الفساد العالية منعتهم من المضي في هذا الطريق ). إنتهى

ويقول التقرير أنه من غير المرَّجح أن يستمر هذا السيناريو (سيناريو الحروب الحدودية) طويلاً إذا نجح الجيش الشعبي لتحرير السودان (جيش الجنوب) في مقاومة قوات الشعب المسلحة (جيش الشمال) فقد يتفاقم الوضع الي سيناريو الحرب الأهلية والفوضى ( حذاري, هل ترغب في صومال اخرى؟ ).

وفيما يخص السيناريو الرابع ( سيناريو الحرب الأهلية والفوضى ) أورد التقرير  قراءة مستقبلية ( تاريخ مستقبلي) لما سيكون عليه حال السودان في الفترة بين 2009 -2012 إذا وقع ذلك السيناريو, و قد جاءت تلك القراءة كذلك في غاية الدقة حيث ورد فيها : 

( بنهاية عام 2009 وبالرغم من تطبيق إتفاقية السلام الشامل بدرجة كبيرة  فإنَّ النظر مازال موجهاً للنصف الفارغ وليس الملىء من الكوب, فبالنسبة لسكان جنوب السودان لا تبدو الوحدة جاذبة والشمال من ناحيته عمل على تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب ولو على حساب الجنوبيين وبذلك يفقد ثقتهم . وفى الجنوب يُهيِّج السياسيون الجماهير بخطاب يقول أنّ الإتفاقية لم تنفذ وأن الشمال لا يمكن الوثوق به, و فى الوقت نفسه يحاول هؤلاء السياسيين الحصول على أفضل ما يمكن الحصول عليه من خلال التفاوض بشأن الإتفاقية . وعلى الرغم من أنَّ كثير من الساسة الجنوبيين يحبذون الوحدة الاّ انهم عاجزون عن شرح ميزاتها لسكان الجنوب . وفى إنتخابات عام 2010 كانت محاولة الحديث عن مزايا الوحدة ستكون بمثابة الأنتحار السياسي وبدلا عن ذلك تحدَّث كل السياسيين عن كيف أنهم بعد الأستقلال سيكونوا قادرين على العمل بطريقة أفضل فى مجالات التعليم والصحة ومنع تفشي الأمراض. صّوتت الغالبية العظمي من الجنوبيين بنسبة 91% لصالح الإستقلال عند الإستفتاء وقد أشار الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون غداة أعلان النتيجة الى أنَّ ( كلا الجانبين كان مسئولاً عن تحقيق الوحدة وكلا الجانبين فشلا فى تحقيقها) لم تكن هذه النتيجة مفاجئة حيث كان يدور همسٌ ولعدد من السنين الماضية أنَّ الجنوبيين سيصوتون لصالح الإنفصال , وبناءً على ذلك بدأ اللاعبون المحليون والدوليون يتنبأون بنتيجة الإستفتاء ويستعدون لها . ومن هنا عمل المجتمع الدولي على بناء قدرات حكومة الجنوب لإعدادها للقيام بهذه المهمة الصعبة التي تنتظرها , و كذلك بدأ اللاعبون المحليون يترقبون النتائج المحتملة فى الوقت الذي أدركوا فيه أن ميزان القوي في الشمال والجنوب على حد سواء كان على وشك التغير بصورة جذرية . في السنتين الأخيرتين قبل إستفتاء عام 2011 تصاعدت النزاعات القبلية التي زادت من حدتها صراعات مراكز القوي الجنوبية التي بدأت في التكتل من أجل المواقع المستقبلية, فحكومة جنوب السودان – على سبيل المثال- ظلت تُتهم بإستمرار بأنها حكومة الدينكا ولا مكان فيها للقبائل الأخري. أدت الخلافات بين المجموعات المختلفة داخل الحركة الشعبية والأحزاب السياسية الجنوبية الأخري والمشاكل القبلية إلى عدم إستقرار الجنوب . تصاعدت الصراعات فى دارفور قرب موعد الإستفتاء , وإزدادت النزاعات فى كردفان والشمال الأقصي والشرق والمناطق المتنازع عليها , وقد إنهارت كل إتفاقيات السلام التي كانت سارية لأنَّ الجماعات فى تلك المناطق المهمشة رأت أنه فى غياب دعم من جنوب السودان فإن البقاء تحت حكم الخرطوم لن يفيد.  تراخت قبضة الخرطوم على الشمال- برغم محاولاتها للسيطرة على زمام الأمور والحفاظ على تماسك الوطن بقدر الأمكان- ولكنها لم تستطع مقاومة إنفصال الجنوب, هذا بالإضافة الى أنَّ غالبية أهل السودان النيلي لا يرغبون فى أن يحارب أبناءهم فى الجنوب مرة أخرى. قضت نتيجة التحكيم حول أبيي ببقاء حقول البترول الرئيسية فيها جزءاً من الشمال مما عوَّضهُ جزئياً عن فقدان عائدات النفط . وافق الشمال على الإفتراق عن الجنوب سلمياً حتي يتفرغ لتحقيق الإستقرار فى المناطق الشمالية. أجاز الجنوب دستوراً ديموقراطياً على أساس نظام فيدرالي تكون الحرية والمساواة أهم مكوناته . ومن غير وجود عدو فى الشمال لا يتمكن الجنوب من الحفاظ على وحدته , وقد إنفجرالوضع و تم أغتيال الرئيس سلفاكير الذي أدى القسم مؤخراً كرئيس لجنوب السودان أثناء ألقاءه خطاب الأستقلال في مدينة جوبا. ومنذ تلك اللحظة مزقت الصراعات القبلية والفوضي الدولة حديثة الولادة ). إنتهى

ويتنبأ ذلك السيناريو بأوضاع السودان في العام 2012 بالقول :

( في العام 2012 ,عمَّت جمهورية جنوب السودان حالة من الفوضي, فعلى الرغم من أنها فرضت سيطرتها على مواردها و لم تعد لديها حاجة بعد اليوم لتقاسمها مع الشمال الا انها عانت داخلياً من الصراعات التي نشأت حول هذه الغنيمة (الموارد), فحكومة الجنوب بيد الحركة الشعبية ولكن ليس كل الحركة بل بيد أؤلئك الذين يؤمنون بوحدة جنوب السودان وفقط تحت حكم قبيلة واحدة بعينها. المناطق التي بسطت فيها الحكومة سيطرتها لا تتعدى مدينة جوبا وباقي الجنوب مُقسَّم بين مليشيات القبائل وأُمراء الحرب . تحدث صراعات بين الدينكا والإستوائيين وبين النوير اللو ونوير جيكاني فى ولاية أعالي النيل وبين نوير اللو والمورلي فى ولاية جونقلي . معظم قادة المليشيات القبلية وأمراء الحرب كانوا فيما مضي أعضاءً فى الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان ولكنهم تفرقوا إما خوفاً على قبائلهم أو لأنهم قد يكسبون أكثر من العمل بمفردهم. الأصل في كل هذه النزاعات القبلية يكمن في محاولة القيادة إستخدام كارت القبيلة بغرض الإمساك بالسلطة والثروة والبترول والموارد الأخرى. إنسحبت قوات الشمال (قوات الشعب المسلحة) من الأراضي الحدودية حيث تصاعدت الخلافات حول الأرض بصورة كبيرة. المناطق الثلاث المتنازع عليها – النيل الأزرق وأبيى وجبال النوبة- أضحت ساحة للمعارك بين قبائل الشمال والجنوب. من حين لآخر تجد القبائل الشمالية دعماً جوياً من الخرطوم. تحاول بعض القبائل مثل المسيرية ودينكا نقوك حماية أمنها بنفسها مما يؤدي إلي إشتباكات بينها وكذلك مع القبائل الأخرى. لاتزال الخرطوم مسيطرة على الأجزاء الأخري فى الشمال أكثر من المناطق الحدودية ولكن سيطرتها آخذة فى الضعف فى تلك الأجزاء . تفقد القوات المسلحة السودانية السيطرة على الأمور فى دارفور التي تفاقمت فيها الأوضاع الى حد الفوضي . تجاهد القوات المسلحة مع قوات الدفاع الشعبي والمليشيات للمحافظة على شمال كردفان التي تعاني هي الأخري من التأثيرات الناجمة عن حالة الفوضي بالجنوب ودافور . فى ذات الوقت تشتعل الصراعات فى الشرق وفى أقصي الشمال , حيث أنَّ التغير فى موازين القوي شجع الجماعات المتمردة لحمل السلاح مجدداً. يتضح تدهور الأوضاع بالنسبة للخرطوم التي تحاول جاهدة السيطرة على زمام الأمور , ويركز حزب المؤتمر الوطني إهتمامه على وادي النيل الشمالي بتوجيه الخدمات والإستثمارات الشحيحة التي يمتلكها لأنصاره العرب – المسلمين . ومع ذلك تبدو هذه المهمة عسيرة إذ أنَّ ملايين اللاجئين والنازحين فى الداخل من الأطراف الشمالية والجنوب متواجدين فى أقوى المناطق التي يسيطر عليها حزب المؤتمر الوطني- الخرطوم . وهناك مخاوف فى الخرطوم من أنَّ هذه المجموعات أو نخب أخري لا تتبع للمؤتمر الوطني ربما تخطط لإنقلاب , وعليه يتم تشديد الأمن أكثر من ذي قبل . يتعاون حزب المؤتمر الوطني مع الذين بيدهم السلطة فى جوبا بإعتبار أنهم يواجهون ذات المشاكل ولديهم ذات المصالح. أصبح السودان بأسره - جنوباً وشمالاً- غير آمن ونتيجة لذلك إنسحب المستثمرون وتوقف إنتاج البترول لإرتفاع معدلات العنف وإنعدام الأمن والفوضي فى مناطق الإنتاج وتم إحداث أضرار بأنبوب البترول فى عدة أماكن من قبل الجماعات المتمردة ,كما تعذرت الزراعة . وعلى الرغم من دستورها التقدمي الإ أن المساواة والعدل والحريات ما تزال بعيدة المنال في جمهورية جنوب السودان . ومع أنَّ الدستور فى الشمال أقل تقدمية , إلاّ أنَّ الأمن و أوضاع حقوق الإنسان أفضل قليلاً من الجنوب , وعلى أثر ذلك أصبحت جماعات جديدة من الناس نازحين داخليا بينما إستقبلت دول مجاورة مثل مصر وأثيوبيا وكينيا و أوغندا تدفقات ضخمة للاجئين الجدد وصفها المفوض السامي للاجئين بأنها أسوأ كارثة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية ). إنتهى

يبدو أنّ تنبؤ السيناريوهات الأسوأ في تقرير كلينغدايل هو الأقرب للتحقق إذا أخذنا في الإعتبار التطورات الأخيرة التي شهدتها الساحة السودانية والتي بدأت بإحتلال قوات الشعب المسلحة لأبيى, ثم تبعها القتال العنيف الذي إندلع في ولاية جنوب كردفان وأدى لموت العشرات ونزوح مئات الآلاف من المواطنين, فضلاً عن عدم التوصل لأتفاق سياسي حاسم يؤدي لوقف الحرب في دارفور.