عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
من المُتحدث : شيخ الأزهر أم مونتسكيو ؟  تساؤل جال بذهني للحظات وأنا أستمع لفضيلة الإمام الأكبرالدكتور أحمد الطيب  وهو يتلو بنود وثيقة الأزهر الشريف بشأن مستقبل مصر  بعد الثورة . الوثيقة التي إحتوت على أحد عشر بنداً تمثل في رأيي نقلة نوعية بالغة الأهميَّةليس في تاريخ الأزهر الساعي لإستعادة دوره الريادي كمنارةٍ إسلاميةٍ كبرى ولكن في مسار التنوير الهادف لإنجاز الإنتقال التحديثي الذي تتطلع إليه شعوب العالمين العربي والإسلامي.
الوثيقة التي شارك في إعدادهاكوكبة من المثقفين المصريين على إختلاف إنتماءاتهم الدينية و الفكرية بجانب عدد من كبار المفكرين في الأزهرتضمنت العديد من المبادئ الأساسية التي من شأنها ضمان مستقبل أفضل لمصر وللمصريين.  وقد أكدت الوثيقة على الدولة المدينة الدستورية، والفصل بين السلطات، وإعتماد النظام الديمقراطي والإلتزام بالحريات وتطبيق العدالة الاجتماعية والاهتمام بالتعليم والبحث العلمي وغيرها من المبادىء التي يستحيل دونها إحداث النهضة المطلوبة.
حيث جاء في البند الأول من الوثيقة التالي : "دعم تأسيس الدولة الوطنية الدستورية الديمقراطية الحديثة، التى تعتمد على دستور ترتضيه الأمة، يفصل بين سلطات الدولة ومؤسساتها القانونية الحاكمة، ويحدد إطار الحكم، ويضمن الحقوق والواجبات لكل أفرادها على قدم المساواة، بحيث تكون سلطة التشريع فيها لنواب الشعب؛ بما يتوافق مع المفهوم الإسلامى الصحيح".
إنَّ ما ورد في هذا البند الجرىء من رؤية تتماشى مع مفاهيم العصر الحديث ومواثيق حقوق الإنسان يخالف الفهم السلفي النصوصي الذي لا يؤمن بمفهوم " الوطن" المعاصر  و لا يعترف بالمواطنة كأساس للحقوق والواجبات, وهو الفهم الذي عبّر عنه قبل سنوات مرشد الإخوان المسلمين الأسبق في مصر "مصطفى مشهور"  عندما قال إنّ جماعته تطالب بتطبيق الجزية على أقباط مصر مع منعهم من دخول الجيش تحسباً لخيانتهم للوطن.
وهذا البند كذلك يخالف الفهم الظلامي الذي يقول بتكفير كل من ينادي بأن يكون الشعب مصدر السلطات جميعاً بما فيها سلطة التشريع. وهو بدعوته لتأسيس الدولة الوطنيّة الدستوريةيخالف واحداً من أخطر المفاهيم السلفية النصوصيّة التي تقسِّم العالم إلى "دار الأسلام" و " دار الكفر" وهو المفهوم الذي تتناسل عنه مجموعة كبيرة من الأحكام المخالفة لروح العصر الذي نعيشه.
وتنادي الوثيقة في بندها الثاني بضرورة "إعتماد النظام الديمقراطى القائم على الإنتخاب الحر المباشر لأنه الصيغةَ العصرية لتحقيق مبادئ الشورى الإسلامية، بما يضمنه من تعددية ومن تداول سلمى للسلطة، ومن تحديد للإختصاصات ومراقبة للأداء ومحاسبة للمسئولين أمام ممثلي الشعب، وتوخى منافع الناس ومصالحهم العامة فى جميع التشريعات والقرارات، وإدارة شئون الدولة بالقانون والقانون وحده وملاحقة الفساد وتحقيق الشفافية التامة وحرية الحصول على المعلومات وتداولها".
إنَّ مناداة الوثيقة بضرورة إعتماد النظام الديموقراطي القائم على الإنتخاب الحر المباشر تبَّدد أحلام سدنة هياكل الوهم الذين يعيشون في الماضي ويؤملون في إستعادة نظام الخلافة الذي وسم تاريخ ما سُمى بالدولة الإسلامية  بحكم أوتوقراطي متحكم يستولي فيه الخليفة على السلطة بالغلبة أو الوراثةثم يصبح حاكماً مطلقاً مستبداً لا تقيّده قوانين وليس لسلطاته حدود, ويُحيط نفسه بطبقة من فقهاء البلاط الذين يبررون له كل أقواله و أفعاله. وعند موته يخلفه إبنه أو أحد أفراد أسرته وليس للناس حق الإعتراض على ذلك لإنهم لا يمثلون شعباً بل "رعيّة" تجب عليها السمع و الطاعة والإنقياد.
وإذا حاول البعض الخروج على الحاكم أشهر الفقهاء في وجوههم سلاح التكفير وواجههم الخليفة بالقتل والذبح. تلك كانت هى الأصول و القواعد الحاكمة لنظام الخلافة التي– كما ذكرت في مقال سابق – لا يجد أصحاب الدعوة للرجوع إليها مثالاً يذكرونه لتعضيد دعواهم سوى مثال يتيم هو عهد الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز الذي لم يحكم أكثر من عامين وأربعة أشهر ومات مقتولاً بالسم .
وينادي البند الثالث من الوثيقة بضرورة " الإلتزام بمنظومة الحريات الأساسية فى الفكر والرأى، مع الإحترام الكامل لحقوق الإنسان والمرأة والطفل، والتأكيد على مبدأ التعددية واحترام الأديان السماوية، وإعتبار المواطنة مناط المسؤولية فى المجتمع".
إنَّ الإلتزام بحقوق الإنسان سيُسقط فصولاً كاملة من أسفار الفكر السلفي النصوصي الذي ما زال بعض رموزه يحلمون بعودة "جهاد الطلب" الذي سيملأ بيوتهم بالرقيق والجواري من ملك اليمين, و يرفضون قيادة المرأة للسيارة ويحرمونها حتى من إختيار ملابسها, ويطالبون بضرورة فرض الجزية على أهل الكتاب إنْ هم رفضوا الدخول في الإسلام. وكذلك سيكون إعتبار المواطنة مناط المسئولية في المجتمع  كفيلاً بفرض المساواة بين الناس في الوطن دون إعتبار لألوانهم أو أديانهم أو أجناسهم, ولن يُتح المجال للفقه الذي يجعل من غير المسلم مواطناً من الدرجة الثانية في بلده.
وينادي البند الرابع من الوثيقة ب " الإحترام التام لآداب الإختلاف وأخلاقيات الحوار، وضرورة إجتناب التكفير والتخوين وإستغلال الدين وإستخدامه لبعث الفرقة والتنابذ والعداء بين المواطنين، مع إعتبار الحث على الفتنة الطائفية والدعوات العنصرية جريمة فى حق الوطن، ووجوب إعتماد الحوار المتكافئ والإحترام المتبادل والتعويل عليهما فى التعامل بين فئات الشعب المختلفة، دون أية تفرقة فى الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين".
إنَّ أهمية البند أعلاه تتمثل في أنهيُجرِّد الذين ينصبون من أنفسهم حراساً للعقيدة من سلاح كثر إستخدامهفي الاونة الأخيرة وهو سلاح التكفير الذي أضحى وسيلتهم الناجعة في محاربة الخصوم الفكريين وإسكاتهم وتصفيتهم جسدياً. وهو كذلك دعوة تتماشى مع ما تنادي به مواثيق حقوق الإنسان والدساتير المعاصرة من جعل " المواطنة" وليس الدين أو العنصر أساساً للحقوق والواجبات.
وينادي البند السابع من الوثيقة ب "إعتبار التعليم والبحث العلمى ودخول عصر المعرفة قاطرة التقدم الحضارى فى مصر، وتكريس كل الجهود لتدارك ما فاتنا فى هذه المجالات، وحشد طاقة المجتمع كلّه لمحو الأمية، وإستثمار الثروة البشرية وتحقيق المشروعات المستقبلية الكبرى".
وهذا بندُ في غاية الأهميّة والخطورة لأنه يقول بوضوح إنّ التقدم الحضاري لا يتم برفع  شعارات غامضة وخالية من المحتوى من شاكلة " الأسلام هو الحل" , ولكنه ينبني على العلم والبحث العلمي " العلم هو الحل". وهذا يتطلب نظرة دينية مستنيرة لا تحط من شأن العلوم "الدنيوية" في مقابل العلوم "الشرعية" كما تفعل كثير من التيارات السلفية التي يستمتع أفرادها بمنجزات العلم ومخرجاته في مأكلها ومسكنها وعلاجها ووسائل إتصالها ومواصلاتها  بينما لا يكفون عن ذم العقول المسئولة عن تلك الإنجازات الهائلة. إنّ تجربة السودان في ظل الإنقاذ الحضاري تقف دليلاً شاهداً على عدم جدوى الشعارات المبهمة  التي لم نجن من ورائها الا التراجع والتخلف عن ركب العلم وما التزايد المضطرد في نسب الأميّة في السودان الا دليلاً واحداً فقط ضمن عشرات الأدلة على ما نقول.
وينادي البند الثامن من الوثيقة بضرورة " إعمال فقه الأولويات فى تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية، ومواجهة الاستبداد ومكافحة الفساد والقضاء على البطالة، وبما يفجر طاقات المجتمع وإبداعاته فى الجوانب الاقتصادية والبرامج الاجتماعية والثقافية والإعلامية على أن يأتى ذلك على رأس الأوليات التى يتبناها شعبنا فى نهضته الراهنة، مع اعتبار الرعاية الصحية الحقيقية والجادة واجب الدولة تجاه كل المواطنين جميعًا ".
وهنا كذلك تشير الوثيقة الى أمرٍ في غاية الأهمية وهو إعمال فقه الأولويات في مختلف نواحي الحياة الإجتماعية والأقتصادية والسياسية. وهذا يتطلب  وقف الفوضى في إصدار الفتاوى التي باتت تشكل إرباكاً حقيقياً للمسلمين وللمجتمعات الإسلامية. فعلى سبيل المثال تجد شيخاً أندونيسياً أو قطرياً لا يعرف الكثير عما يدور في السودان ولكنه يتبرع بكل جرأة بإصدار فتوى يحرَّم فيها فصل جنوب السودان لأنّ في ذلك تعدٍ على أرض الإسلام , فتأمل . ومن ناحية أخرى يقوم فقهاء الفضائيات وأصحاب مطاعم " الفتاوى السريعة " بإلهاء الناس عن قضاياهم الأساسية والتي يجب أن تحظى بالأولوية  بإصدار فتاوى سخيفة مثل فتوى " إرضاع الكبير" و فتوى " الجلوس على الكراسي".
إنَّ صدور مثل هذه الوثيقة عن الأزهر الشريف في هذا التوقيت المهم  يُبِّشر بمواصلة السير في طريق النهضة والتقدم والإصلاح الذي سار فيه أعلام الفكر في تلك المؤسسة العريقة منذ  شيخ الإسلام الشيخ حسن العطار وتلميذه الشيخ رفاعة الطهطاوي, مروراًبالإمام محمد عبده وتلاميذه المجتهدين  وحتى الشيوخ والأئمة المراغي ومحمد عبد الله دراز ومصطفى عبد الرازق وشلتوت وصولاً الى الدكتور أحمد الطيب.