عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

شاعت في الأوساط السياسية و الوسائط الأعلامية (الصحف و القنوات الفضائية) مؤخرا صفة (محلل سياسي), تطلق بأستسهال شديد وبعفوية لا تليق على من لا يستحقها ويعمل بمقتضياتها, وقد حلّ قبل ايام  أحد هؤلاء (المحللين) ضيفا على قناة فضائية متحدثا عن دور الولايات المتحدة الأميركية في فصل جنوب السودان و صابا جام غضبه على المؤامرة (الصليبية) التي قادتها أمبراطورية الشر لتمزيق السودان وتفتيت وحدته, دون أن يعضّد (تحليله) بمعلومات ترجّح صدقيتها.

 

لا شك أنّ السياسة الخارجية لاية دولة ترمي الي تحقيق مصالحها الوطنية ونشر قيمها وتعزيز وجودها ونفوذها في مجتمع الدول و بما يضمن حماية أمنها القومي. فما هى المصالح القومية التي  ستتحقق للولايات المتحدة حال أنفصال الجنوب ؟ وهل السعي الي قيام دولة في الجنوب هو غاية  هدفت اليها السياسة الخارجية الأميركية ؟ ولماذا يعتبر خيار الوحدة هو الأكثر ملائمة للأهداف المعلنة للسياسة الخارجية الأميركية ؟

 

شكلت احداث الحادي عشر من سبتمبر نقطة تحوّل كبرى في ترتيب أهداف و أولويات أستراتيجية الأمن القومي و السياسة الخارجية الأميركية, بحيث أصبحت قضية مكافحة (الأرهاب) في مقدمة اجندة الأدارة السابقة (بوش الأبن) وادارة أوباما الحالية. وفي أطار هذا الموجّه الأساسي, وبدرجة أقل موجهات أخري (ضمنها المصالح الأقتصادية)  يجب البحث في مطلوبات السياسة الخارجية الأميركية في أفريقيا عموما , والسودان على وجه الخصوص, وبما يمكننا من الأجابة على الأسئلة المطروحة أعلاه.

 

أبدت الولايات المتحدة على الدوام أهتماما خاصا بالحرب الأهلية في جنوب السودان, وازداد ذلك الأهتمام بعد مجىء حكومة الأنقاذ وصبغها للحرب في الجنوب بصبغة الحرب الدينية, وفي هذا الأطار أتبعت حكومة  الرئيس الأميركي الأسبق كلينتون سياسة (الأحتواء) الهادفة لأنهاء الحرب بأسقاط الحكومة عن طريق فرض العقوبات السياسية والأقتصادية, وتقديم الدعم المادي والعسكري للمعارضة المسلحّة وفي مقدمتها الحركة الشعبية لتحرير السودان.

 

وبعد وصول الرئيس بوش (الأبن) للحكم, وعقب التعاون الكبير الذي أبدته حكومة الأنقاذ مع الحكومة الأميركية ومدّها بمعلومات (فاقت حد التصّور) بحسب قول الجنرال كولن باول فيما يختص بملف الحرب على الأرهاب,  تبنت الحكومة الأميركية سياسة (الأرتباط), وأخذ الأهتمام  بقضية السلام في السودان يرتفع في سلّم أولويات ادراة الرئيس بوش و تم تعيين السيناتور (دانفورث) مبعوثا للرئيس الأميركي في السودان, وهذه هى الخلفية التي يجب أن نقرأ على ضوءها الأتفاق الأطاري الذي تم توقيعه في مشاكوس بين حكومة الأنقاذ و الحركة الشعبية لتحرير السودان (2002), ومن ثم أتفاق نيفاشا للسلام (2005), حيث لعبت الولايات المتحدة الأميركية دورا محوريا في الوصول لذلك الأتفاق.

 

تضمّن أتفاق سلام نيفاشا " حق تقرير المصير لجنوب السودان", ولم يكن هو الأتفاق الأول الذي يقر مبدأ تقرير المصير لجنوب السودان, فقد أقرّت الحكومة في أتفاق سابق لها مع فصائل منشقة عن الحركة الشعبية في العام 1997 (أتفاق الخرطوم) ذات الحق, وكانت قبل ذلك قد وافقت عليه ولأول مرّة في تاريخ السودان في  (وثيقة فرانكفورت ) بعد مفاوضات رعتها الكنيسة الالمانية مع الحركة الشعبية فصيل لام اكول في العام  1992 قادها المفاوض الأول بأسم الحكومة في ذلك الأوان الدكتور علي الحاج محّمد. أما الحركة الشعبية فقد أقرت مبدأ تقرير المصير ووقعت عليه مع أحزاب المعارضة في العام 1995 فيما عرف بمؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية.

 

نصّت أتفاقية نيفاشا على أجراء أستفتاء لتقرير مصير الجنوب يقرر من خلاله الجنوبيين البقاء ضمن السودان الموحّد أو الأنفصال وأقامة دولتهم المستقلة. وقد أعلنت الحكومة الأميركية أنّ ( الوحدة) هى الخيار الأفضل بالنسبة لها, ثم رمت بالكرة في ملعب شريكي الحكم وخصوصا المؤتمر الوطني ولسان حالها يقول :

أمامك فانظر أى نهجيك تنهج       طريقان شتى مستقيم وأعوج.

 

أنّ أقرار الوحدة سيخدم الهدف الأساسي للاستراتيجية الأميركية الرامي لتجفيف منابع الحركات الأسلامية الراديكالية. فقيام دولة هشة في شمال السودان يكون سكانها جميعا من المسلمين و تنهض فيها بؤر توتر تستند الي القبيلة والأقليم, وتتحكم فيها شمولية قابضة , مع تواجد كثيف للحركات السلفية وهي الحاضنة الرئيسية للفكر الجهادي, سيشكل بيئة صالحة لنمو التيارات الجهادية المرتبطة بفكر تنظيم القاعدة.

 

وتشّكل الوقائع الجارية في الصومال حاليا نموذجا لما قد تؤول اليه الأحوال في دولة شمال السودان المستقبلية. فهذا القطر الذي يدين جميع سكانه بالاسلام ويتحدثون لغة واحدة وتنتمي عشائره لجد مشترك, أنفرط عقده وانزلق في دوامة الحرب العشائرية, ليسقط أخيرا في فخ الحركات الجهادية المرتبطة أرتباطا مباشرا بتنظيم القاعدة (حركة شباب المجاهدين), واخري تحمل ذات الأفكار ولكنها لا تدين بالولاء للقاعدة (الحزب الأسلامي). ومكمن المفارقة هنا أنّ العدو المشترك لهذه التنظيمات الجهادية (الرئيس شيخ شريف) هو أسلامي كان يقود (المحاكم الأسلامية), مما يؤكد أنّ الأنتماء الأسلامي لحكومة المؤتمر الوطني لن يعصمها من قنابل الجهاديين وأحزمتهم الناسفة.

 

قد أبدت الأستراتيجة الأميركية تجاه أفريقيا أهتماما خاصا بالتواجد العسكري والأمني في هذه القارة السمراء عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر, وفي هذا الأطار تم أنشاء قيادة عسكرية للجيش الأميركي مختصة بأفريقيا وهى (الافريكوم), بجانب التعاون الأستخباراتي المكثف مع دول القارة. فالحرب الشاملة التي تقودها أميركا ضد تنظيم القاعدة داخل أفريقيا تمتد من شمال القارة (دول المغرب العربي) وصحراء موريتانيا ومالي والنيجر في الغرب , والصومال في شرق القارة. ومن المؤكد أنّ القاعدة ستعمل علي أيجاد موطىء قدم لها في دولة شمال السودان المستقبلية لما يتميز به موقعها الاستراتيجي الرابط بين شرق القارة وغربها.

 

وفيما يلي ألموجّه الثاني في الأستراتيجية الأميركية وهو الأستثمارات الأقتصادية, فأنّ حل النزاعات ووقف الحروب الأهلية وتمكين النظم الديموقراطية, تعتبر الشروط والمقدمات الأساسية للأستقرار السياسي وبالتالي خلق المناخ الملائم للأستثمار. وقد أبدت الأدارات الاميركية المختلفة (كلينتون , بوش, أوباما) أهتماما متعاظما بأمر الأستثمار الأقتصادي في أفريقيا, خصوصا وأنّ دولا أخري سبقتها في هذا المضمار وعلى رأسها الصين والهند والبرازيل, التي كثفّت من أستثماراتها في مجالات أستكشاف الطاقة (البترول) والزراعة والصناعة والتجارة في القارة الأفريقية.

 

ويبدو واضحا أنّ قيام دولة مستقلة في جنوب السودان لن يخدم المصالح الأميركية في هذا الأطار. فكل المؤشرات تدل على أنّ دولة الجنوب القادمة ستكون أكثر هشاشة من دولة الشمال و ستواجه عقبات جمّة سيكون من شأنها زعزعة الأستقرار في الأقليم ككل. فالصراعات والنزاعات العرقية والقبلية, وبؤر التوتر المستمرة والكامنة مع الشمال, أضافة لأطماع دول الجوار الأفريقي, تشكل وصفة جاهزة لنسف الأستقرار في الدولة الوليدة.

 

وأذا كانت السياسة الخارجية للولايات المتحدة تهدف لنشر القيم الأميركية ومن ضمنها الديموقراطية كوسيلة للحكم, فأنّ الأنفصال لن يؤدي الي تحقيق ذلك الهدف سواء في دولة الشمال أو دولة الجنوب ويظل خيار الوحدة هو وحده الكفيل بتحقيق ذلك الهدف. فالحركة الشعبية ستسيطر وحدها على مقدرات دولة الجنوب وستقمع كل الأتجاهات المختلفة معها وقد كانت الأنتخابات الأخيرة مؤشرا لما ستؤول اليه الأوضاع في المستقبل. والمؤتمر الوطني سيحكم قبضته على دولة الشمال, وسيواصل مسلسل حكمه الشمولي الذي بدأ به منذ الثلاثين من يونيو 1989. امّا اذا أختار شعب الجنوب الوحدة فأنّ تناقضات وأختلافات حزبى السلطة , بجانب التحالفات السياسية المتغيرة, ستخلق فرصا أفضل ومساحات أكبر لأحداث التحول الديموقراطي الحقيقي والمطلوب. 

 

أنّ الولايات المتحدّة الأميركية تدرك أنّ العصر الذي نعيش فيه هو عصر الكيانات الكبري, فها هى  أوروبا  تتكتل رغما عن التباين الكبير في الأعراق واللغات والتاريخ الدموي المرير من الأحتراب (حربين كونيتين), وهاهى أمريكا اللاتينية تعيش مخاضا قد ينتج عنه مولود يوحّد العديد من دولها, وبالتالي فأنّ أنفصال الجنوب سيرسل أشارات لدول أفريقية عديدة تعاني من أوضاع مشابهة للوضع السوداني وسيكون حافزا للمزيد من الانشطار والتشظي لتلك الدول, وبالتالي خلق العديد من بؤر التوتر وعدم الأستقرار وهو الأمر الذي لا يصب في مصالح الولايات المتحدة الأميركية في القارة الأفريقية.

 

يحاول أصحاب نظرية المؤامرة ( ومنهم المّحلل السياسي المزعوم) على الدوام تبرير العجز والفشل الداخلي بأيجاد مشجب خارجي يعلقون عليه أخطاءهم, وهذا هو حال الكثيرين ممن أدمنوا دفن الرؤوس في الرمال. فالحكومة الحالية هي من فتحت الباب امام فصل الجنوب منذ العام 1992, وهى كذلك المسئولة عن أختيار الطريق (الأعوج) لتنفيذ اتفاقية السلام, وليس أدل على ذلك من سماحها لذلك المنبر العنصري ببث سمومه ومطالبته العلنية بفصل الجنوب دون أن تحرّك ساكنا.  نعيب (الولايات المتحدة) والعيب فينا !!!