عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

يدور صراع خفي وفي العلن داخل أروقة الحزب الاتحادي الديموقراطي (الأصل) حول المشاركة في الحكومة القادمة . ولكل طرف من اطراف الصراع ما يبرّر موقفه من هذه القضية. وسأحاول في هذا المقال تفنيد الحجج التي يسوقها كل طرف مع التأكيد علي موقفي الرافض للمشاركة.

يسوق دعاة المشاركة ذات الحجة التي ساقوها في عقابيل توقيع أتفاق القاهرة بين التجمع الوطني الديموقراطي والحكومة, والتي رفضناها في حينها , وأثبتت الأيام صحة موقفنا وخطأ موقف المطالبين بالمشاركة. حيث يرى دعاة المشاركة أنّ الحزب قد ظل بعيدا عن الحكم لعشرين عاما وهو فى أمس الحاجة للسلطة التنفيذية للتوسل لجماهيره بالخدمات ورفع المعاناة عن كاهلها وتلبية أحتياجاتها التي حرمتها منها الأنقاذ طيلة تلك السنوات.

ويرد أصحاب الموقف الرافض للمشاركة علي هذه الحجة بأنّ  سقف المشاركة الذى تطرحه الحكومة لن يسمح للحزب بالمشاركة الحقيقية فى أتخاذ القرار السياسي ولا فى التأثير على أتجاهات الحكم وبالتالى فأن مشاركته ستكون صورية (ديكور) من جانب, ومن جانب اّخر سيتحمل الحزب كل أوزار الممارسة السلطوية وما أكثرها في ظل الأنقاذ.

قد أثبتت تجربة مشاركة التجمع الوطني الديموقراطي والعديد من الأحزاب الأخري في الأجهزة التشريعية والتنفيذية للحكومة السابقة أنّ حزب المؤتمر الوطني لا يبحث عن شركاء حقيقيين في السلطة, بل يريد أسماء تصبغ مواقفه وسياساته بصبغة القومية والوحدة الوطنية. أنّ الرهان الأوحد للحزب الحاكم هو رهان التلويح بالمناصب والعطايا والمنح لقادة الأحزاب وصانعي قراراتها حتي يجعل مشاركتهم في السلطة "جاذبة".

الشىء المؤكد – بلغة السياسة- هو أنّ المؤتمر الوطني لم يدّخر جهدا في تمزيق الحزب الأتحادي الديموقراطي, وشق صفه وأستقطاب عضويّته, ولطالما صرّح قادته بأنّ هذا الحزب أصبح من التاريخ, وأنّ المؤتمر الوطني قد ورث قواعده خصوصا في شمال السودان حيث النفوذ التقليدي للطائفة الختمية. وقد جاءت نتيجة الانتخابات الأخيرة (بغض النظر عن الرأي فيها) مؤكدة لذلك.

 أنّ أية مشاركة في الحكومة في ظل التفاوت الحاد في ميزان القوي والنفوذ سيؤدي للذوبان الكامل للطرف الأضعف (الحزب الأتحادي) في الطرف الأقوى (حزب المؤتمر الوطني), فالحزب الحاكم يسيطر بالكامل علي الأجهزة التشريعية والتنفيذية في المركز والولايات, أضافة الي سيطرته المطلقة علي مفاصل الأقتصاد و القوات النظامية والخدمة المدنية والأمن, وبذلك فأنه سيواصل في تطبيق سياسته منفردا ولن يلتفت لشركائه الضعفاء.

قد رفض الحزب الأتحادي الديموقراطي نتيجة الأنتخابات وأتهم الحكومة بتزويرها, وبالتالي فأنّ الألتزام الوطني والسياسي والأخلاقي يحتم علي قيادته عدم المشاركة في حكومة جاءت عبر أنتخابات مزّورة, أضافة الي أنّ القرارات الكبري والمصيرية مثل هذه يجب أن تشترك فيها كافة قواعد الحزب والا تكون حكرا علي فئة محدودة, ومن المؤكد أنّ قواعد الحزب الأتحادي لن توافق علي المشاركة في حكومة المؤتمر الوطني الذي لا يلتقي معها في المبادىء  أو ألافكار أو المواقف الوطنية , وسيظل لسان حالها يردّد مع الشاعر:

لو أنّا على حجر ضربنا    جرى الدميان بالخبر الأكيد

تدرك قيادة المؤتمر الوطني أنّ نتيجة الأنتخابات الأخيرة قد أدخلتها في أزمة كبيرة حيث أنّ حكومتها ستكون الحكومة التي تم في عهدها فصل جنوب السودان عن شماله , وبالتالي فأنها لا ترغب في أن تتحمل هذه المسئولية لوحدها, وانّ أنسب من يشاركها هذه المسئولية هو الحزب الذي أعلن أستقلال السودان من داخل البرلمان , والا فما الذي يجبر حزبا فاز بأغلبية كاسحة علي السعي لأشراك حزب يعتبره غير ذي وزن في الحكومة ؟ .أنّ لعنة التاريخ ستطارد قيادة الحزب الأتحادي الديموقراطي أن هى أقدمت على المشاركة في الحكومة القادمة.

ومن ناحية الحسابات السياسية المحضة فأنّ مشاركة الحزب الأتحادي الديموقراطي في الحكومة القادمة ستكون خصما علي مبادئه و مواقفه. فالانعكاسات السالبة التي ستنجم عن فصل الجنوب علي الأوضاع الأقتصادية والحريات العامة وعدم الأستقرار السياسي ستتحمل وزرها الأحزاب المشاركة في السلطة.

أنّ الأرقام تؤكد أنّ البترول السوداني يقع  ثلثا أنتاجه من حقول في جنوب السودان. وتشير إحصائيات صندوق النقد الدولي إلى أن النفط يمثل 95% من صادرات السودان وتشكل إيراداته 60% من إجمالي إيرادات الميزانية العامة لحكومة السودان. وعند وقوع الانفصال لا تملك الحكومة البدائل لتعويض الفارق الكبير الذي سيحدث نتيجة لهبوط الأيرادات النفطية, فلا الزراعة ( بشقيّها المطري والمروي) بأوضاعها الحاليه قادرة علي ردم الهوّة, ولا توجد صناعة قادرة كذلك. وستكون النتيجة بالمحصلة النهائية زيادة الجبايات, وأزدياد السخط الشعبي العام علي الحكومة, وبالتالي العودة لمربع التضييق علي الحريات, هذا فضلا عن التعقيدات والمضاعفات الكثيرة التي ستصاحب عملية الأنفصال.

لكل ذلك يصبح من السذاجة السياسية أن يقدم حزب بمحض أرادته علي المشاركة في حكومة لن يحصد منها سوى السخط وحفنة من الدراهم والوظائف المحدودة لبعض منتسبيه. أنّ النظرة السياسية الصحيحة تقتضي بأن يترك المؤتمر الوطني ليتحمل مسؤليته الكاملة عمّا أفضت اليه سياساته طوال العقدين الماضيين, أضافة الي أنّ المنطق الديموقراطي يقضي بأن يشكّل صاحب الأغلبية المطلقة الحكومة منفردا.

أنّ المنعطف السياسي الخطير الذي يمر به الحزب الأتحادي الديموقراطي – رغم ملامحه الكارثية – يتيح له فرصة تاريخية للنهوض وأعادة ترتيب الصفوف. وذلك من خلال ترتيب الأولويات, التي ليس من بينها بالضرورة المشاركة في الحكومة القادمة.

لا بد من حدوث تغييرات جذرية فى فكر ومنهج وأسلوب أدارة العمل السياسي بالحزب وهذا يعنى الأنفتاح على الجماهير وحقن جسد الحزب بجرعات عالية من الممارسة الديمقراطية.

كما أنّه لابد كذلك من تغيير العقلية التى يدار بها الحزب وهذا يتطلب قدرا عاليا من تحمل المسئولية في السعى لوحدة الأحزاب الأتحادية ولم شتاتها والأعتراف بالأخطاء وضرورة التأسيس للمنهج الديمقراطي الحقيقى.

 وكذلك لا بد من أستنهاض الجماهير عبر الألتحام بها و التصدى لهمومها وتبنى البرامج التى تتمشى مع حاجاتها وهو نهج يتطلب عزما و أرادة , وفي هذا الصدد لا بد من الدعوة لعقد المؤتمر العام للحزب وجمع كافة الأحزاب الاتحادية.

 لن يتمكن الحزب الأتحادي الديموقراطي من تجاوز هذا المنعطف الاّ بزرع الأمل و الثقة بالنفس فى عضوية الحزب و كوادره السياسية و ذلك بتقديم القدوة والنموذج والدليل على عزم القيادة على تبنى الأسلوب الديمقراطى داخل الحزب حيث أنّ فاقد الشى لا يعطيه.