عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 كتبت مقالا بعنوان (جعفر شيخ ادريس: ليس تحت القبة فكي) طرحت فيه العديد من الأفكار الناقدة للتيار السلفي النصوصي والتي جاءت في سياق التناول لما أدلى به الدكتور جعفر شيخ ادريس في برنامج مراجعات بقناة النيل الأزرق. وقد أنبرى للرد على ذلك المقال عدد من الكتاب في الصحف السيّارة والمنتديات الألكترونية. ومما يؤسف له أنّ جل الردود (كطبيعة المنهج السلفي) جاءت شكلية و سطحية تهاجم الكاتب , وتصفه بعدم الرسوخ في (العلم),و تقول أنّه بلغ في(الجهل) منتهاه, وتتساءل من هو (المدعو) فلان حتي يكتب في هذه الأمور, وتحرّض الشيوخ والأئمة والعلماء على التصدي للكاتب, بل أنّ احدهم دبّج مقالا كاملا علي فرضية خاطئة وهي أنتماء الكاتب للفكر الجمهوري.

 

ليس الغرض من كتابة هذا المقال هو تناول كل الردود, بل البعض الذي يستحق الحوار ويساهم في أثراء النقاش الموضوعي. من ذلك الصورة السالبه والتشويه المتعمد الذي الحقنه  كتابات السلفيين بعلماء الكلام وفي مقدمتهم مفكري المعتزلة (أهل العدل والتوحيد), فقد نتج عن تثبيت الظاهرة السلفية كأيدولوجيا سلطوية  قمع العديد من التيارات الفكرية الأخري, والتي أهمها تيار الأعتزال حيث أضحي هذا التيار وفكره ورموزه في العالم الأسلامي مرادفا للزندقة والكفر.

 

قامت حركة الأعتزال في الأساس للدفاع عن الأسلام ضد معارضيه من اليهود والمسيحيين والغنوصيين والأديان الفارسية كالزرادشتية حيث لم يستطع الفقهاء التقليديون (النصوصيون) الرد عليهم فتصدي لهم من سموا بعد ذلك بعلماء الكلام . وبالطبع كانت الحركة الاعتزالية في مقدمة أهل علم الكلام, ولا شك أنّ هؤلاء العلماء قد أستفادوا من دراسة الفلسفة اليونانية بالذات. لمناقشة أؤلئك المعارضين لم يكن يجدي الأستناد الي (النصوص) لأنّ هؤلاء الخصوم لا يؤمنون بها ولذلك تم الألتجاء الي (العقل), ثم حدث أن أعتنق بعض الخلفاء الأعتزال.

 

كان القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) هو قرن التوهج الحضاري لدولة المسلمين, فقد شهدت حركة الترجمة تطورا كبيرا في عهد الخليفة هارون الرشيد الذي توسع في ترجمة كتب الطب و الفلسفة اليونانية والفارسية والهندية , ثم جاء من بعده الخليفة (المعتزلي) المأمون الذي دعم الحركة العلمية, وأمر بترجمة الكتب في مختلف الفنون والعلوم , وكان يعطي وزن ما يترجم ذهبا مما أدى الي توافد العلماء والمترجمين ورواج صناعة العلم والادب والفنون والنقل والترجمة.

 

يطيب لأهل التيار السلفي تذكير العالم أجمع وخصوصا الغرب المسيحي بأنّ الفضل الأكبر في النهضة الأوربية يعود للعلماء المسلمين, وللحضارة الاسلامية التي صدّرت علومها لأوروبا العصور الوسطي, وهذا القول لا يخلو من صحة في بعض جوانبه ولكنه يشكل مأزقا حقيقيا للتيار السلفي النصوصي, فكل العلماء المسلمين الذين نهلت أوروبا من علومهم هم من الفلاسفة والمتكلمين الذين يصنفون بمقياس العقل السلفي ضمن الزنادقة اهل الأفكار الضالة أو الكفار المرتدين.

 

فما هو حكم السلفيين على أبي الكيمياء جابر بن حيّان أوّل من حضّر حامض الكبريتيك واكتشف حامض النتريك وكلوريد الزئبق ؟ وما هو حكمهم علي الفيلسوف ابوبكر الرازي الذي ترجمت اوروبا كتبه الأساسية في الطب للغة اللاتينية ؟ وما هو حكمهم علي الفيلسوف والموسيقى العظيم الفارابي صاحب كتاب (الموسيقى الكبير) والمعروف في اوروبا باسم "فاريبوس" ؟ وما هو حكمهم علي أعظم شارحي أرسطو, فيلسوف قرطبة وقاضيها الأشهر أبو الوليد بن رشد الذي ظلت كتبه تدرّس في أوروبا من القرن الثالث عشر وحتي السادس عشر ؟ وما هو حكمهم علي الكندي , وأبن سينا , وأخوان الصفا وغيرهم من رموز النهضة الحضارية الاسلامية ؟                      

           

تسيدّت النظرة السلفية الضيقة المشهد الحضاري الأسلامي منذ عهد الخليفة المتوكل وتوحدت مع السلطة لأن السلطة دائما من مصلحتها تغييب عقل القاعدة الجماهيرية العريضة حتي يسهل عليها تسييسها, وأستمر تحالف الفكرة السلفية مع السلطة السياسية حتي الان لأنه لا بدّ لكل سلطة سياسية من مشروعية وفي منطقتنا العربية والأسلامية ترجع المشروعية للدين ولعلنا حاليا نري أنّ السلطات السياسية في العالم العربي توجد بينها وبين المؤسسات الدينية الرسمية علاقة تبادل منافع , فالسلطة السياسية تغدق علي المؤسسات الدينية المنح والمناصب والرواتب والعطايا وأعضاء المؤسسة الدينية الرسمية يمنحون الشرعية لتلك السلطات السياسية.

 

وبينما كانت أوروبا تؤسس للخروج من ظلام عصورها الوسطى و توطد أركان ثورتها الفلسفية لثلاثة قرون متأثرة بشعاع الحضارة المنسرب اليها من الدولة الأسلامية , كان المسلمون بعد أكثر من قرنين من حكم الخليفة المتوكل يخطون بثبات نحو هاوية السقوط الحضاري وقد توّج ذلك السقوط بأحراق كتب الفيلسوف الكبير ابن رشد ومنح ابوحامد الغزالي لقب "حجة الأسلام". لتستمر الغيبوبة الحضارية ستة قرون تالية, وتكتمل اخر حلقات السيطرة السلفية في العام 1744 حين أعلن قاضي الدرعية محمد بن سعود تحالفه مع الداعية محمد بن عبد الوهاب في صحراء نجد, ليدشنا ولادة واحد من أكثر التيارات السلفية تشددا وجمودا.

 

وعندما تحرّك الشاب عبد العزيز بن سعود من منفاه في الكويت في العام 1902 للسيطرة على نجد ومن بعد ذلك ضم الحجاز (مكة والمدينة) وتأسيس الدولة السعودية الثالثة, أستند علي المقاتلين النجديين المتعطشين للدماء المعروفين بأسم "الأخوان" (وتشبها بهم أطلق حسن البنا الأسم علي جماعته). وقد كان جنوده يمثلون التجسيد الأكمل لأصحاب النهج السلفي المتشدّد و المغترب في الزمان والبعيد عن روح العصر,حتى أنهم في خاتمة المطاف أختلفوا مع الملك عبد العزيز نفسه وحاربوه. وقد أستندوا علي أفكار سلفية بالغ التشّدد , تستبعد كل فكر بأستثناء ذلك الخط الذي يربط بين الفقيه احمد بن حنبل, والداعية محمد بن عبد الوهاب مرورا بأبن تيمية وتلميذه بن القيمّ.

 

 ويذكر المفكّر المصري الدكتور طارق حجي أنّ  " الإخوان" شعروا بالذهول عندما قال كبارُهم أن عبد العزيز قد تغيّر ، فقد تحرك (في سنة 1925) من الرياض إلى مكة على ظهر جمل ، وعاد من مكة إلى الرياض بعد استيلاءه على المدينتين المقدستين في سيارة – وهي بدعة لا يمكن للإخوان قبولها. وبدأت المشاحناتُ بتمزيق "الإخوان" لخطوط الهاتف وتكفيرهم لوجود الأجانب (الكفار!) على أرض الجزيرة وحربهم ضد التليفون والسيارة والكهرباء ثم الراديو (الذي كانوا على يقين أن الشيطان يسكنه).

 

قد أكّد أحد المعقبين على مقالنا أنّ " التيار السلفي لا يعارض التقدم و التحديث", وساق علي ذلك دليلا بأنّ السعودية تعتبر من أكثر الدول تقدما من الناحية المادية في المنطقة العربية. وقد فات عليه أنّ هذا المثال لا يصلح لأنّ الحداثة لا تعني جلب التقنية من الغرب, في الوقت الذي نحارب فيه القيم التي أنتجت تلك التقنية (الحرية الفردية والديموقراطية والعقلانية). فالاصلاح الديني والثورة الفلسفية والمدنية هي التي حققت الثورة العلمية والأجتماعية والأقتصادية في الغرب. ولذلك لن تحدث نهضة حضارية شاملة بمجرّد نقل التقنية, وسيظل مثاله هذا مستهلكا لكل منتجات "الكفار" من الأبرة وحتي الطائرة. وسيظل يطلب حماية الغرب الكافر وبمباركة شيوخ "السلف" المستعدين لتقديم " الفتوى" بحسب طلب " ولي الأمر" .

 

كان قد ورد في مقالنا انف الذكر انّ التيار السلفي النصوصي يضع "العقل" في تضاد مع "النقل" عندما يعجز عن قراءة النص في سياقه التاريخي (بالنسبة للقران), ولا يأخذ في الأعتبار أشكاليات النقل (تدوين السنة ), ثم أنّه لا يلجأ للتأويل في الأمور التي تناقض مسلمات العقل. وقد أعترض عدد ممن تصّدوا للرد معتبرين أنّ نهج السلف كما يسمونه لا يعارض العقل, وهو أمر يكذبّه الواقع.

 

ففي الوقت الذي أثبت فيه العلم (العقل) منذ عدة قرون كروية الأرض ودورانها حول الشمس, ما زال شيوخ التيار السلفي يعارضون هذه المسلمات و الحقائق العلمية الساطعة ويقولون أنّ الأرض غير كروية ولا تدور حول الشمس. هذا ما قال به المرحوم بن باز, وما يؤيده فيه جل العلماء السلفيين , ومنهم محمد بن صالح العثيمين الذي يؤكد أنّ " ظاهر الأدلة الشرعية تثبت أنّ الشمس هى التي تدور علي الأرض, وبدورتها يحصل تعاقب الليل والنهار على سطح الأرض".

 

قد أثبت العلم (العقل) عبر التجربة قوانين الطبيعة (الفيزياء) مثل الجاذبية, وتكوين المادة مثل أنّ الماء يتكوّن من ذرتي هايدروجين وذرّة أوكسجين, وعلي أساس التجربة قامت التطبيقات علي العلوم بأحداث النقلة التقنية الهائلة التي اوصلت الأنسان للقمر , ومكنتّه من فحص التربة في كوكب المريخ. لقد أدى التطور العلمي كما يقول العالم الدكتور احمد زويل الي انكماش الزمان والمكان, وحلت مقاييس جديدة ومرعبة في قياس ذلك الأنكماش. فأصبح المريخ علي بعد دقائق من الارض, واصبح بمقدور العلم ان يعبر الي داخل الثانية تفتيتا وتجزيئا .. الي واحد على مليون على بليون منها. وعلي الرغم من ذلك لا يؤمن شيوخ السلف بنتائج العلم , ويصرّون علي أنّ الأرض مستوية ولا تدور حول الشمس , فأى مأساة يعيشها الأسلام مع "عتالة " النصوص هؤلاء ؟! 

 

أنّ القوانين العلمية التي انتجت السيارة و الطائرة التي يستمتع بركوبها أهل النصوص, والأنترنت الذي يبثون من خلاله افكارهم البائسة , هي ذاتها التي قالت بدوران الأرض حول الشمس , وهي ذاتها التي اجبرت الكنيسة علي الأعتذار للفلكي والفيزيائى الأيطالي "جاليليو جاليليه" عن الأضطهاد الذي واجهه من قبل الكنيسة في القرن السابع عشر عندما صدح بقوله انّ الأرض تدور حول الشمس, فهل نكون مخطئين اذا قلنا انّ ما يفصل أهل النصوص عن "عصر العلم" يفوق الأربعمائة عام ؟, أنّهم حقا مغتربون في الزمان.

 

ذكرت في مقالي السابق أنّ الدكتور الترابي يفوق أقرانه في المدرسة السلفيه النصوصية بحسه التاريخي رغم تخبطاته المنهجية وميكيافليته السياسية. ومن هنا جاءت أراءه الجريئة في موضوعات امامة المرأة وشهادتها وعذاب القبر وحديث الذبابة و عودة المسيح وغيرها. وقد أتهمني احد المعقبين بممالأة الدكتور الترابي في سبيل التقليل من شأن الدكتور جعفر. وهذا أستنتاج خاطىء, فأنا علي الرغم من خلافي الجوهري مع الكثير مما يطرحه الدكتور الترابي ( خصوصا في الشان السياسي) الاّ أنّ قناعتي الخاصة أنّ فهمه للواقع  الاسلامي وللاخر (الغرب) يتجاوز فهم أبرز رموز التيار السلفي النصوصي بمن فيهم عرّاب ما يعرف ب (السلفية الجهادية) وهو الأستاذ المرحوم سيد قطب. اذ أنّه يمتلك أدوات ذلك الفهم من تمكن لغوي (أتقان ثلاث لغات غربية ) ومعايشة ودراسة تاريخية مقارنة وخلفية سياسية و قانونية (راجع حواراته المهمة مع عزّام التميمي في قناة الحوار)

 

وكنت أثناء أعدادي لرسالة في الدراسات العليا بجامعة دينفر (وجزء اساسي منها كتاب معالم في الطريق لسيد قطب) قد أجريت مقابلة مع احد زملاء سيد قطب في جامعة شمال كلورادوا التي أبتعث للدراسة بها من قبل وزارة المعارف المصرية, وكانت ملاحظاته عنه أنّه كان ضعيفا في اللغة الأنجليزية وانطوائيا لم يقرأ الفلسفة الأميركية من مصادرها الأساسية ولم يتعرف علي المسرح والفنون والتاريخ, وقد كانت احكامه على ا لمجتمع الأميركي مبنية علي ملاحظات غير عميقة وتجارب محدودة, وربما سيطرت عليه نفسية الأديب ( لاحظ خطاباته لشقيقته)  وهي بالطبع غيرعقلية المفكر. 

 

قد أخذ علينا أحد المعقبين القول بأنّ الأمام الشافعي هو مؤسس علم أصول الفقه. وبالطبع هذه نقطة عليها بعض الخلاف, فقد تكّلم الأمام ابوحنيفة وبعض تلاميذه في مسألة أصول الفقه, ولكن الشافعي هو من دوّن وفصّل. والعبرة هنا ليست في الخلاف حول من هو مؤسس هذا العلم , ولكن في الأستفادة من درس التاريخ حول هذا الأمر. فالأمام الشافعي له دور أيجابي من ناحية الفقه منذ أن كان في العراق حيث كان له فقها يقال له فقه مرحلة العراق, وعندما جاء الي مصر غيّر من هذا الفقه وجعله موافقا للظروف التي كانت سائدة في مصر انذاك, وفي رأيي أنّ هذا دور أيجابي لأنه يعطي مؤشرا الي ضرورة تغيير الفتاوى والأحكام الشرعية بتغيّر الظروف الأجتماعية والأقتصادية والجغرافية. وأعتقد سواء انه هو الذي أسس هذا العلم أو أخذ مبادئه من الأحناف ثم أصّله فهذه نقطة أيجابية, ولكن من المؤسف انّ ما قام به أصبح أقنوما ما زال سائدا حتي الان (أحد عشر قرنا), ومن جاء بعده لم يحاول أن يطوّره رغم تغيّر الظروف تغيّرا شاملا.