عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

من الافات المنتشرة في اوساط المثقفين السودانيين ولعهم بأطلاق الألقاب بطريقة تبجيلية جزافية وبكرم حاتمي يحسدون عليه , ففلان هذا داعية وذاك مفكر وثالث منظّر , وقد تبرع الأستاذ الطاهر التوم مقدم برنامج مراجعات بقناة النيل الأزرق بأطلاق الألقاب انفة الذكر جملة علي ضيف برنامجه الدكتور جعفر شيخ ادريس الذي عجز عن تقديم الحد الأدني الذي يعزّز أهليته لنيل واحد من تلك الالقاب. 

 

اذا كان الفكر يتطلب بالضرورة أعمال العقل فقد يكون من التعسف أطلاق لقب المفكر علي من ينتمي للتيار السلفي النصوصي الذى يعلي من شأن "النقل" و يضعه في تضاد مع " العقل", وينصب جل همه في ترحيل و أجترار النصوص وحفظها وترديدها . أنّه التيار الذي يقتصر كسبه  على أمور العقيدة أو ما نسميها نحن ب "الايدولوجيا" , هو تيار يركز أساسا علي معرفة علل الأحكام وأنواعها و تخريج الأحكام , أى يبدأ من النص وينتهي اليه من دون خضوع للواقع أو أعمال للعقل. والأهتمام بالواقع هو مجال " أصول الفقه " وهو العلم الذي أسسه الأمام الشافعي والذي علي الرغم من الجمود الذى وسمه لقرون متطاولة الا أنه كان محاولة للتماس مع الواقع و أعمال " العقل" لأستنباط الأحكام.

 

وبعيدا عن المدرسة السلفية ومنهج أصول الفقه يعتبر المعتزلة فرسان " التفكير" الأسلامي الذين أعلوا من شأن "العقل" ورجحوا أحكامه ولو تعارضت مع " النقل" . وقد بلغت الدولة الأسلامية

أوج تفوقها العلمي والفني والحضاري في عهد  الخليفة المأمون الذي تبنى الأعتزال وصيرّه الفكر الرسمي لدولته ثم جاء من بعده الخليفة المتوكل الذي تبني التيار النقيض لفكر المعتزلة وهو التيار السلفي , ومنذ ذلك الحين دخلت الحضارة الأسلامية في غيبوبة لم تفق منها حتى يومنا هذا.

 

داخل التيار السلفي النصوصي توجد العديد من المدارس التي تتفق في المنطلقات الأساسية ولكنها قد تختلف في بعض القضايا الفرعية. ومن اكثر المدارس السلفية تشددا وحراسة لتلك النصوص المدرسة الوهابية التي ثبت تاريخيا أنّها لعبت دورا رئيسا في تشكيل فكر الأمام حسن البنا مؤسس حركة الأخوان المسلمين التي شب فيها وترعرع الدكتور جعفر والدكتور حسن الترابي.

 

لا يعرف الناس للدكتور جعفر انتاجا أو مشروعا فكريا يمكن دراسته والحكم عليه من خلاله , والمعروف عنه فقط براعته  في نقد اراء الدكتور الترابي ورجمه بالنصوص وهذا ضرب من " التميز السلبي" يجعل صاحبه أسيرا للاخر الذي يسعي لنقده فلا يتذكر الناس جعفرا الاّ اذا ذكر الترابي.

 

ينطلق الدكتور جعفر في نقده لاراء الترابي في قضايا أمامة المرأة , ونكران عذاب القبر, ورجعة المسيح , وحديث الذبابة وغيرها من أرضية سلفية تستند الي النصوص (القران والسنة) دون أعمال العقل في أمور مثل السياق الذي نزلت فيه (بالنسبة للقران) أو الظرف التاريخي أو أشكاليات النقل (عصر التدوين للسنة), وهي الأمور التي أشتغل عليها كبار المفكرين من أصحاب المشاريع الفكرية المتقدمة من مثال الدكتور حسن حنفي والمستشارمحمد سعيد العشماوي والدكتورمحمد أركون وغيرهم.

 

وعلي الرغم من أنّ الترابي نفسه لا يمتلك "منهجا" ثابتا في قراءة النصوص  ويمارس انتقائية واضحة في التعامل معها الاّ أنه يمتلك حسا "تاريخيا" يفوق أقرانه في المدرسة السلفية النصوصية امثال الدكتور جعفر. الأنتقائية عند الترابي تبدو جليّّة واضحة في اراءه حول امامة المرأة للرجال وعذاب القبر, ففي حين أنّه يستند في أمر أمامة المرأة  علي حديث أم ورقة الذي رواه أبي داؤود والذي سمح لها فيه بأن تؤم أهل دارها وكان فيهم رجلا , الاّ أنّه يرفض الأعتراف بعذاب القبر وعودة المسيح علي الرغم من ورود أحاديث كثيرة صحيحة تؤكد ذلك.

 

في ذات الحوار أنتقد الدكتور جعفر اراء الامام الصادق المهدي  في قضية الميراث في الاسلام  وقال انّ أجتهاده في هذا الأمر لا يستند الي صحيح الأسلام , وصحيح الأسلام بالنسبة له – كما ذكرنا انفا – يعني حشد النصوص وانتزاعها من سياقها التاريخي ثم تعميم أحكامها لتصبح عابرة للزمان. من المعروف أنّ الكثير من المفكرين العقلانيين من أمثال المرحوم الشيخ خليل عبد الكريم والأستاذ جمال البنا (الشقيق الأصغر للشيخ حسن البنا مؤسس حركة الأخوان المسلمين ) قد تبنوا منهجا تاريخيا يراعي السياق وتغير الواقع في  قضية الميراث.

 

 فالتوريث في الاسلام مرّ بثلاث مراحل تغيّر فيها الحكم خلال حياة الرسول (ص) ثلاث مرات. كان الحكم الأول يقضي بالميراث لذوي الأرحام بدون تحديد ثم نسخ ذلك باية الوصية ثم نسخ حكم اية الوصية باية " للذكر مثل حظ الأنثيين", فأذا كان الحكم قد تغير في زمن الدعوة فقط ثلاث مرّات لدواعي تغيّر الواقع فمن الأولي أن يكون ذلك درسا للتغير مرة أخري مع تغيّر الواقع الجديد.

 

 يقولون في علم أصول الفقه أنّ الحكمة من توريث المرأة نصف حظ الذكر أنّ الرجل يدفع مهرها ويكفلها عمرها ويعول أفراد الأسرة وهناك قاعدة أصولية فقهية أخري تقول أنّ " العلة تدور مع المعلول وجودا أو عدما, فأذا زالت العلّة دار معها المعلول" , وكذلك هناك الأجتهاد بعد توقف الوحي في هذا الأمر رغم قطعيته لأنّ هذه أحكام تتعلّق بمعاشنا المتغيّر ولا تتعّلق بالأيمان الغيبي, ولقد أجتهد الخليفة عمربن الخطاب (رض)  ليس فقط في أحكام بل أنه الغي فرائض مثل الغاءه سهم المؤلفة قلوبهم وتحريمه متعة الحج والنساء.

 

واذا أقتنعنا بأنّ الدكتور جعفر ليس مفكرا , فهو بالأحري ليس منّظرا, فالمّنظر مبدع خلاّق يدرس الفكر الذي يرتبط  بموضوعه ثم يخرج بأفكار أصيلة وغير مسبوقة , وهذا أمر يستحيل تحققه في اطار المدرسة السلفية النصوصية التي تستند على الأجترار والحفظ والترديد و تعادي كل جديد وتخاصم كل مبتكر بأعتباره بدعة و تعتقل الحاضر و المستقبل في سجن الماضي.

 

لا يتوقع المرء من شخص مفكر أو منّظر في عصرنا هذا الذي سقطت فيه كل الأقنعة الأيدولوجية وثبت بما لا يدع مجالا للشك بلغة القانونيين أنّ الديمقراطية هي أفضل النظم السياسية التي أبتدعتها الأنسانية وبما لا يقارن بأية نظام أخر , أن يقول بكل أطمئنان وعدم مبالاة أنّه لا يعارض الأنقلابات  ولا يكترث أن كان الحكم ديوقراطيا أم عسكريا !!! وهذا ما صرّح به الدكتور جعفر في ذلك الحوار. ومثل هذا الحديث يعكس خللا بنيويا في العقل السلفي الذي يعاني من غربة زمانية و عزلة عن الواقع , فالدكتور الذي أنفق سنينا من عمره في الولايات المتحدة في كنف النظام الذي يرعى كرامة الأنسان ويؤكد أحترام القانون وأستقلال القضاء والتداول السلمي للسلطة لا يجد غضاضة في أطلاق مثل هذا الحديث البائس  والمثير للشفقة.

 

واذا لم يكن الدكتور جعفر مفكرا أو منظرا فهو ليس داعية كذلك , فالداعية الأصيل لا يخشى من التبشير بما يدعو له, ولا يتردد في أن يصدح بما يراه حقا, ولا يبالي أن تسبب رأيه في حرمانه من مصلحة أو وظيفة أو مكانة أجتماعية أو أدى لمصرعه , وقد ظهر جليا أنّ الدكتور جعفر أبدي مقاومة ومراوغة وتهربا واضحا أمام الحاح الأستاذ الطاهر في السؤال عن موقفه من النظام  في السعودية ليجيب بقوله :" هذا شأن يخص السعوديين " فتامل !! فما بال الداعية المهموم بأمر المسلمين و الذي لا يتورع في أبداء رأيه فيما يدور في أفغانستان والشيشان وباكستان والعراق وفلسطين وأمريكا وغيرها يتهرب من سؤال عن بلد الحرمين الشريفين ؟

 

  قد حاول الدكتور جعفر الأيحاء للمشاهد بأنّ الأستاذ المرحوم محمود محمد طه لم يكن مؤمنا وأنّه أدّعى أنه صاحب رسالة ثانية , وهو بذلك يظهر جهلا فاضحا ونقدا ساذجا للفكرة الجمهورية التي لا يمكن اختزالها في ثنائية الأيمان والكفر بل يتطلب نقدها عمقا يستوعب ما اسماه الدكتور محمد عابد الجابري بالعرفان وهذا باب في الحديث طويل. فياليت صاحبنا كان في جسارة محمود وهو يخاطب جلاديه ويسمو بكلماته التي يشرف بها كل داعية ومفكّر ومنظّر حقيقي :  

 

" انا أعلنت رأيي مرارا في قوانين سبتمبر 1983م من أنها مخالفة للشريعة وللأسلام , أكثر من ذلك , فأنها شوّهت الشريعة, وشوّهت الاسلام ,ونفرّت عنه , يضاف الي ذلك أنها وضعت, وأستغلت, لأرهاب الشعب, وسوقه الي الأستكانة, عن طريق أذلاله, ثم أنّها هددت وحدة البلاد, هذا من حيث التنظير, وأما من حيث التطبيق, فأنّ القضاة الذين يتولون المحاكمة تحتها, غير مؤهلين فنيا, وضعفوا أخلاقيا عن أن يمتنعوا عن أن يضععوا أنفسهم تحت سيطرة السلطة التنفيذية , تستعملهم لأضاعة الحقوق وأذلال الشعب وتشويه الأسلام واهانة الفكر والمفكرين وأذلال المعارضين السياسيين, ومن اجل ذلك فاني غير مستعد للتعاون مع أى محكمة تنكرت لحرمة القضاء المستقل ورضيت أن تكون أداة من أدوات أذلال الشعب وأهانة الفكر الحر والتنكيل بالمعارضين السياسيين."