عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

بمناسبة عيد الأضحى والأضاحي تذكرت قصة ماعزة نحيفة ركبت قطارا من موسكو إلي كييف عاصمة أكرانيا وقضت هناك عدة أيام ورجعت. حدث ذلك في سبتمبر عام 1988 وكان الاتحاد السوفيتي مازال قائما على سن ورمح. في ذلك الوقت كان التلفزيون الروسي يعرض مسلسلا إسبانيا بعنوان"اسمي ماريا" لاقى رواجا بفضل جمال بطلته ونظرة عينيها الواسعتين الساهمة الآسرة بحزن رقيق. وكنا على مشارف عيد الأضحى حين اتصل بي صديقي ناجي صلاح قائلا:"أحمد.. مش عاوز معزة؟".دهشت من العرض غير المألوف وتلجلجت أستوثق مما يقوله: "معزة؟!". قال:" أيوه لعيد الأضحى". قلت:" لكن ذبح معزة في موسكو مشكلة! لسنا في كفر عنتر بالمنوفية!"، ثم سألته لأتبين دافعه لإهدائي هذه الهدية الغريبة: "لكن لماذا تعرضها علي ولديك بيت ريفي خارج موسكو يمكنك فيه القيام بأي شيء؟". أجابني بتنهد حزين: " لاأستطيع الاقتراب منها أو لمسها بالأذى. اشتريتها من شهرين، ثم بدأ عرض مسلسل"ماريا"، وسيطر على جمال عيني بطلته، وذات صباح تقاطعت نظرتي مع عيني المعزة فاكتشفت مذهولا أن لها نفس عيني ماريا الواسعتين! ونظرتها الرقيقة الحزينة ذاتها فلم أعد قادرا على لمسها! صدقني إنها ماريا.. ماريا الخالق الناطق! الفارق الوحيد أن هذه تمأميء بالإٌسبانية وماريا تنطقها"! تذكرت وهو يحدثني أن والد زوجتي الروسية يعيش في أكرانيا ولديه هناك بيت ريفي وسيكون سعيدا إذا أرسلت الماعزة إليه. قلت له:" ماشي. لكن ماذا سأطعمها؟". قال: " لاشيء فقط انزل بها إلي الحديقة المواجهة للعمارة وسرحها في العشب". بعد ساعتين أصبحت الماعزة داخل الشقة عندي. مأمأت وهي تستكشف الصالة وتتشمم المقاعد ثم رقدت سارحة في ذكرياتها الماعزية. بعد وقت ربطتها بحبل وهبطت بها في المصعد إلي الشارع لأطعمها، وما إن خرجت من باب العمارة حتى التف حولي كل أطفال الحي مذهولين فرحين يتواثبون ويصفقون بسعادة صائحين:"ماعزة! الله! ماعزة من مصر"! كانوا يعلمون أنني أجنبي من مصر، فخمنوا مادمت أنا مصريا أن الماعزة أيضا مصرية! ولم ينفض الأولاد من حول الماعزة ، ذلك أن ظهور حيوان كهذا في موسكو يشبه تجوال فيل في باب الشعرية. طوق الأطفال الماعزة يربتون عليها ويتحسسونها ويسألونني عن اسمها وأصلها وفصلها. وصار كل من راح وجاء يتوقف مبتسما سائلا إياي بود: " ماعزة؟!". فأقول : " نعم". وأتساءل في نفسي: " أو ليس ذلك واضحا؟". الأيام الثلاثة اللاحقة أخذ الأولاد يطرقون باب شقتي عصر كل يوم يسألون بأدب ولطف: :"عمي متى تنزل اليوم مع الماعزة ؟ ". في اليوم الرابع اصطحبت ابنتي هانيا والماعزة إلي محطة القطار ووقفنا على رصيف قطار موسكو – كييف. غمزت العامل المرافق للركاب رشوة ليقبل بسفر الماعزة غير القانوني، وطبعا من دون تذكرة. تأمل الماعزة وسألني بحذر: لكن ألا تحدث ضوضاء في الليل؟". قلت بوجه الملائكة الأبرار: " يا إلهي ! أية ضوضاء؟.. هذه ماريا الرقيقة الحزينة.. أي ضوضاء؟"! في الصباح كلمتني ابنتي من كييف وقالت إن الماعزة لم تدع لأحد من الركاب دقيقة هدوء واحدة ينام فيها، وأنها ظلت تمأميء بقوة ثور هائج طول الليل، أما عامل القطار فظل يلعن الساعة التي التقي فيها بشخصي. قلت لها : " المهم أنكم وصلتم وبخير"، ثم تناول والد زوجتي السماعة وكلمني، فبادرته بحماسة مصطنعة وفرح زائف:" عزيزي الكسندر بافلوفيتش .. هذه ماعزة جميلة يمكنها أن تحيا عندك في بيتك الريفي وتكون مصدر لبن طازج كل صباح وخيرات أخرى كثيرة". وإدعيت التواضع قائلا: " مجرد هدية بسيطة أرجو أن تقبلها". لكن صوته جاءني حزينا يقول: "عزيزي أحمد هذه ليست ماعز .. إنه جدي"! أذهلتني المفاجأة وأحسست أن قوة مجهولة غدرت بي. قلت مدهوشا: " ماريا طلعت جدي؟"!. قال بضجر: " أي ماريا هذه؟. عموما حماتك، أي زوجتي تصر على أنه لا مكان لهذا الجدي عندنا، وسنعيده إليك مع هانيا". بعد يومين كنت أقف ثانية في محطة القطارات أنتظر ابنتي والجدي الذي تنكر في هيئة أنثى وأنا أتخيل الأطفال يزفونني من جديد ذهابا وإيابا في الشارع " الله! معزة!"، ثم يطرقون باب شقتي ليسألونني عن مواعيد الحفلات التي سأقدمها مع " ماريا" في الهواء الطلق! اصطحبت ابنتي والماعزة وركبنا السيارة وأنا أبحث بعيني في الطريق عن أقرب قسم شرطة روسية. وقالت ابنتي تلومني: " معقول يابابا .. أسافر من بلد لبلد بماعزة وتطلع جدي؟". لم أجد ما أقوله لها فقلت: " أنا سلمتك ماعزة، وأنت عدت بها في هذه الحال. ألم تكن ماعزة ؟". نظرت لي باستغراب وقالت : " يعني أنا عملت لها عملية جراحية؟ هو جدي من الأول، بس عمي ناجي رومانسي شوية"! أخيرا وقع بصري على قسم شرطة فأطلقت الجدي بالقرب منه ولذت بالفرار بأقصى سرعة. سألتني ابنتي ونحن عائدين: " لكن لماذا قرب قسم شرطة؟"! قلت لها وأنا أندفع بالسيارة مسرعا : " لأنه مزور لئيم، خدع عمك ناجي، وخدعني، جدي ويدعي أنه ماريا"! فيما بعد حكيت لأخي حسام حبشي هذه القصة فقال لي: "طالما أن ناجي ابتلاك بهذا الجدي فعليك بابتلائه بالكلب الأسود". وكان لدينا في الشقة كلب ضخم مجنون يدور طول اليوم ويلف حول ذيله ليعقره .. لكن هذه قصة أخرى، قد أحكيها فيما بعد، لأنها تتضمن كل عناصر التشويق من انتقام إلي دهاء مرورا بالحنكة والتآمر.
***
د. أحمد الخميسي . قاص وكاتب مصري