عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

في إحدى القصص تستدعى ربة بيت طبيبا على وجه السرعة لفحص زوجها، لكن المريض يموت قبل وصول الطبيب، فيسأل الطبيب زوجة الرجل:"هل تصبب المرحوم عرقا قبل الوفاة؟". تجيبه:" نعم"، فيهز رأسه استحسانا:" ممتاز. هكذا ينبغي أن يكون"! مغزى النكتة أن المسألة الرئيسية هي الاتساق مع قواعد الطب، والوفاة حسب الأصول! أما وفاة الانسان فتأتي في المقام الثاني. تذكرت هذه القصة بعد المقالات الكثيرة التي رحبت وأشادت بانتصار"الديمقراطية"مع عودة أردوغان للحكم وانكسار الانقلاب في تركيا، فالمسألة الرئيسية عند أنصار الديمقراطية هي"الديمقراطية" بحد ذاتها كمجموعة قواعد، بغض النظر عما تسفر عنه في الواقع، وبغض النظر عما إن كانت تخدم مصالح الشعب أم لا. انتصرت الديمقراطية التركية بغض النظر عن أن أردوغان يمارس يوميا سياسة إبادة الشعب الكردي، وبغض النظر عن أن هذه الديمقراطية لم تكن عائقا أمام مشاركة تركيا الفعالة في تدمير سوريا وتسليح الفصائل الاجرامية هناك إلي أن هاجر أحد عشر مليون سوري من أصل خمسة وعشرين مليون. انتصرت الديمقراطية التركية بغض النظر عن أن سياسات النظام الحاكم أدت إلي وجود 59% من السكان تحت خط الفقر، بينما تعجز 49% من العائلات عن مواجهة أي مصاريف طارئة. مرحبا بالديمقراطية ولا يهم هنا أن عشرة بالمئة من الشعب التركي تعاني من البطالة، وعشرة بالمئة تعاني من الأمية حسب هيئة الاحصاء التركية. نحن نقدس الديمقراطية معزولة عن وظيفتها الحقيقية وهي تمكين الطبقات الشعبية من تحقيق أمانيها، نحن نقدس الديمقراطية الشكلية بغض النظر عن موت البشر وبؤسهم من عدمه، المهم أن يموتوا حسب الأصول! ولا يهم حينئذ أن تركيا عضو حلف الناتو منذ 1952 شاركت الحلف بنشاط في كل عملياته الاجرامية العدوانية أفغانستان ويوغسلافيا وليبيا والعراق، وأن النظام " الديمقراطي" جوع الشعب التركي وقمع حقوق الأكراد بدأب وانتظام. انتصرت الديمقراطية التركية فكانت أولى خطواتها عزل نحو ثلاثة آلاف قاض بدعوى ارتباطهم بالانقلاب؟! ماعلاقة المؤسسة القضائية بالانقلاب؟! وبالمناسبة فلست من أنصار الانقلاب العسكري الذي تم في أنقرة، لأني لا أدري الاتجاه السياسي لمن دبروه، وما إن كانوا أفضل من أردوغان، أم أسوأ، أم مجرد تنويع على النغمة ذاتها. أيضا فإنني أقف ضد الانقلابات عامة لأنها تعبير عن عجز النخبة عن التواصل مع الجماهير وحشدها وراء هدف محدد. لكن ذلك لا يدفعني لتقديس عجل الديمقراطية الذهبي، وتقديم الطبقات الشعبية قربانا له. ونحن نتمسك بالديمقراطية بصفتها سلاحا تستعين به الجماهير في نيل حقوقها، وليس لأنها حلية تتزين بها أنظمة فاشية التوجه. إن ما يعنيني هو الأوضاع الفعلية التي يعيشها الناس، والتوجهات السياسية الفعلية لهذا النظام السياسي أو ذاك. وقد تبين منذ زمن استحالة عزل الديمقراطية كمجموعة قواعد وممارسات ومؤسسات عن مصالح التطور الاجتماعي والانساني، وإلا أصبحت نوعا من الزواق يغطي به الإجرام ملامحه الاقتصادية والسياسية. والديمقراطية التركية التي انتصرت ليست منبتة الصلة بالديمقراطية الأمريكية الأم، ففي ظل الحكم المدني الديمقراطي قامت أمريكا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلي اليوم بشن 75 حربا وتدخلا عسكريا عدوانيا في مختلف بقاع العالم، ولم تثبت تلك الديمقراطية أنها قادرة على وقف شيء من تلك الحروب التي تضرر منها الشعب الأمريكي ذاته. وفي عام 1993 عندما قصف الرئيس يلتسين البرلمان الروسي المنتخب بالدبابات أعلن كلينتون دعمه الصريح القصف. وتحت مظلة الحكم المدني الديمقراطي الأمريكي وقعت أبشع جرائم الحرب في سجن أبو غريب، وجوانتانامو. وقد أدى بنا عزل الديمقراطية عن مصالح الطبقات الشعبية ودورها الاجتماعي إلي الوقوف موقف الطبيب الذي يقول الحمد لله أن الشعب تصبب عرقا قبل الموت ، هذا معناه أنه لفظ أنفاسه بالديمقراطية حسب الأصول!

***

د. أحمد الخميسي. كاتب مصري