لا يدرك الممثل المصري أحمد آدم وأمثاله أن السخرية من أخوتنا السوريين تحقير مباشر لتاريخ مصر وثقافتها قبل أن تكون أي شيء آخر. فقد امتزجت دماء وعقول السوريين بدمائنا وعقولنا عبر التاريخ الحديث، بدءا من معاهدة الدفاع المشترك في أكتوبر 1955، وحينما قصفت قوات العدوان هوائيات الاذاعة المصرية يوم الجمعة 2 نوفمبر علا من دمشق صوت اذاعتها يعلن " هنا القاهرة"! وهب السوريون يفجرون أنابيب النفط تضامنا مع الشعب المصري ضد العدوان، ثم جاءت دولة الوحدة في فبراير 1958، ومعاهدة دفاع ثانية في 1966، والنزيف المشترك في حرب 1967، وفي حرب أكتوبر 1973، لم تنسكب دماء السوريين مع دمائنا فحسب، بل وترسخ إبداعهم الفكري تيارا رئيسيا امتزج بنشأة وتطور الفكر والثقافة المصرية. وقد لا يعرف الكثيرون أن منطقة كاملة من القاهرة هي السكاكيني اتخذت اسمها من السوري حبيب باشا السكاكيني، وكان أحمد فارس الشدياق أسبق من رفاعة الطهطاوي في الدعوة لحرية المرأة، أما في الصحافة المصرية فكان السوريون من رواد نشأتها، ويذكر في ذلك المجال الأخوان سليم وبشارة تقلا اللذان أسسا جريدة الأهرام 1875، وجورجي زيدان مؤسس مجلة ودار الهلال، وروز اليوسف، وشبلي شميل، وفؤاد صروف، وفي الأدب ترك السوريون بصمة قوية بواسطة جورجي زيدان، وفرح أنطون، ومي زيادة وشاعر القطرين خليل مطران، وزينب فواز، ولمعت أسماؤهم في السينما وحفظناها، عبد السلام النابلسي، وماري كوين، وصباح، وفي الغناء ظهرت أسمهان وفريد الأطرش وفايزة أحمد ونجاح سلام التي أنشدت" أنا النيل مقبرة الغزاة"، وفي المسرح تألقت كوكبة لولاها ما برز المسرح المصري مؤلفة من سليم نقاش، وسليمان الحداد، واسكندر فرح، وفرقة أبي خليل القباني، ولولا ذلك كله ما ظهر سلامة حجازي ومسرحه. ومؤخرا نبهني مشكورا الصديق الأديب المغربي بنميمون أحمد إلي كتاب مهم هو " لغة الجرائد" لابراهيم اليازجي، وكان ذلك في معرض حديثنا عن تدهور مستوى اللغة في الكتابة الأدبية والصحفية. واليازجي من الشوام العظام ناقدا وأديبا من رواد النهضة باللغة العربية. جاء إلي القاهرة وتولى تحرير جريدة " النجاح" عام 1872، ثم أسس مجلة الضياء وترأس تحريرها عام 1898، وتوفي في مصر عام 1906. ترك عدة دواوين شعرية ، وكتابه المعروف " لغة الجرائد". ويقول فيه إن الصحافة انتقلت إلي " طور جديد من الفصاحة وجزالة التعبير"، لكنه يأخذ عليها ترويجها ونشرها للأخطاء اللغوية مثل الاستخدام الشائع لعبارة" وحش كاسر" مع أن الكاسر من صفات جوارح الطير مثل النسر لكنها ليست للوحوش! ومثل قولهم:" ذهب الرجلان سوية" مع أن معنى السوية هو التماثل كقولك اقتسما المال سوية أي المثل بالمثل. ويقولون:"فوضت فلانا بالأمر"والصواب هو العكس: فوضت الأمر إلي فلان! ويقولون:" دخلت عليه فإذا عنده رجلان اثنان" مع أن الرجلين لا يكونان إلا اثنين!! ويقولون:"هل شهر يناير"مع أن المقصود بقولة هل الشهر هو ظهور الهلال ومن ثم فهي مقصورة على الأشهر القمرية! يقولون: " تعود على الأمر"والصواب: تعود الأمر! ستجد الكثير من الأخطاء المدهشة وتصويبها، بعضها قد تقبله وبعضها قد ترفضه، لكنك في كل الأحوال ستجنى فائدة كبرى من ذلك الكتاب المدهش الذي صدر عام 1871ومازلنا نتعلم منه ومن معارف السوريين يا أخ أحمد يا آدم!
د. أحمد الخميسي. كاتب مصري  

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.