عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
    انتهت أزمة الطائرة المصرية التي كانت متجهة من الاسكندرية إلي القاهرة واختطفت إلي قبرص في 29 مارس. ولاشك أن هناك دروسا أمنية مستفادة مما جرى، إلا أن هناك أيضا درسا ثقافيا لامعا ما بين اختطاف الطائرة وعودتها سالمة. درس على صلة وثيقة بعلاقتنا بالتحضر والتنوير والتقدم. فقد وقفت المضيفة المصرية نهال البرقوقي على سلم الطائرة ورفضت أن تتحرك قبل أن تطمئن على أن كل ركاب طائرتها قد استقلوا الأتوبيس بأمان، ثم استدارت ودخلت الطائرة ثانية إلي مختطفها وهي تعلم أو تتصور أنه يرتدي حزاما ناسفا قد ينهي حياتها مع غيرها. وفي أول حديث للإعلام أدلت به المضيفة لبرنامج " 90 دقيقة" بقناة المحور قالت: " الركاب كانوا أمانة في رقبتي". هكذا خاطرت شابة مصرية بحياتها، لأنها تخيرت بمحض إرادتها أن تتحمل المسئولية عن " الآخرين" حتى لو عرضها ذلك للموت. لم يكن خطيبها ولا أخوها ولا والدها بين الركاب، لكنها مسألة ضمير. يذكرني ذلك بفيرا زاسلوفسكايا التي اغتالت عمدة بطرسبورج قبل ثورة أكتوبر، وسألها القاضي عن السبب فيما فعلته؟ فقالت:" إن العمدة كان يعذب الآخرين في السجون". فاستفسر منها إن كان لها أخ أو حبيب قد عانى من التعذيب؟ فأجابته قائلة:" كلا. ليس لي أحد عانى من التعذيب. لكن لا ينبغي أن يمر تعذيب الآخرين من دون عقاب"! لم يكن لها دافع شخصي، لكنها قضية الشعور بالآخرين، بالمسئولية عنهم، وبأن الآخرين " أمانة في رقبتي". وقد أثبتت نهال البرقوقي أنها ابنة كل تاريخ المرأة المصرية التي طالما هدهدتنا وأطعمتنا وسقتنا وعلمتنا وكبرتنا لأننا " أمانة في رقبتها". ولم تكن نهال الأولى، فقد سبقتها إلي ذلك شادية سلامة ابنة السويس التي ولدت في ديسمبر 1952، وعملت مضيفة، وفي نوفمبر 1985 قامت برحلة إلي اليونان على متن طائرة بوينج طراز 737، وأثناء العودة إلي القاهرة نهض أحد الركاب فجأة حاملا بيده قنبلة واتجه بها إلي كابينة القيادة. وظهر بعده على الفور راكبان آخران بمسدسات وقنابل قاما بجمع جوازات سفر الركاب، وعندما حاول أحد رجال الأمن بالطائرة أن يوقفهم بمسدسه أردوه قتيلا على الفور، ثم قتلوا خمسة ركاب. في هذه اللحظة برزت شادية سلامة وأقنعت الإرهابيين أنها ستتعاون معهم شرط عدم المساس بحياة الركاب، وكانت خلال ذلك متمالكة أعصابها بصورة أثارت دهشة زملائها جميعا. هبطت الطائرة ليس في القاهرة لكن في مالطا، وطالب المختطفون بتزويدها بالوقود. وبرزت شادية مرة أخرى مقترحة علي الخاطفين اثبات حسن نواياهم بالافراج عن النساء، وبالفعل أطلقوا سراح إحدى عشرة سيدة، ثم اختاروا شادية لتكون وسيطا بينهم وبين سلطات المطار في عملية تفاوض. خرجت شادية من الطائرة وعندما حاول المسئولون إقناعها بعدم العودة رفضت وقالت عبارة كتلك التي قالتها نهال البرقوقي " مكاني هناك وسط الركاب". وعادت، واستشهدت في 25 نوفمبر 1985، من دون أن تفكر في أولادها أو في شيء، استشهدت لأن " الآخرين" كانوا أمانة في رقبتها. لمثل هذه المرأة يجب أن يقام تمثال على الطريق إلي المطار، ليس فقط تخليدا لتضحيات المرأة المصرية، ولكن أيضا لنشر الوعي بأن النساء كالرجال شجاعة وبطولة وفداء. النساء المصريات اللواتي وهبن الوطن المحبة والحنان والصلابة جديرات بذلك التمثال "الأم الشجاعة". تمثال كهذا كفيل بتبديد الكثير من الخرافات الشائعة عن عجز المرأة وعن أن المطبخ والبيت مكانها الوحيد إلي آخر تلك المنظومة الفكرية.