في أول كلمة لرئيس الوزراء الجديد إبراهيم محلب قال كل ماقاله من قبل الببلاوي في 11 يوليو العام الماضي. تعهد محلب كما تعهد الببلاوى بمكافحة الإرهاب وفرض الأمن، والاهتمام بالمشروعات التنموية مع توفير مناخ سياسي ديمقراطي، وبالمرة الاهتمام بأوضاع الشباب. تقاسم الاثنان العبارات العامة وغياب أي طرح محدد بالنسبة للوضع الاقتصادي والأمني. الجديد عند محلب أنه أمر بعدم شرب المياه المعدنية في اجتماعات الحكومة ثقة منه في مياه الحنفيات النقية، أما كلامه العمومي فإنه لا يبشر بخير، خاصة إن كان كلاما مكررا ومستهلكا ، لأن وظيفة الكلام العام هي الدوران حول خطة لا يتم إشهارها لسبب أو لآخر. أيضا فإن هناك علامات استفهام عميقة كاستبقاء تلك  الوزارة الغامضة الأهداف والنشأة المسماة العدالة الانتقالية. وبينما حاول الببلاوى تلميع حكومته بأسماء ناصرية وأخرى ربطتها علاقة بحركة الشارع فإن محلب يتخلى حتى عن " تلميع البضاعة" للزبون ويضع حكومته أقرب ماتكون صراحة إلي التصالح مع مبارك. ومن بين خلطة محلب الحكومية يوجد 17 وزيرا من حكومتي هشام قنديل والببلاوي، ولبعض وزرائها ومنهم محلب ذاته تاريخ يمتد إلي حزب مبارك الوطني. وفعليا فإننا إزاء حكومة قديمة تتمحلب بنكهة مبارك! وهي على الأرجح حكومة قصيرة الأجل سيقتصر دورها على الإعداد للانتخابات الرئاسية والبرلمانية لا أكثر. وخلال ذلك تبقى حقيقة واحدة واضحة كالشمس أن الشعب المصري لم يلمس أية بداية ولا استشرف خطة لاقتصاد الثورة على أيدى خمس حكومات متعاقبة منذ انتفاضة يناير هي : حكومة عصام شرف، ثم الجنزوري، ثم قنديل، ثم الببلاوى والآن محلب. ولم يلمس الشعب تغييرا حقيقيا في أي مجال ولا حتى حل أزمات المفروض أنها صغيرة كأزمة المرور، أو القمامة، أو انقطاع الكهرباء والمياه، وغير ذلك. وليس أدل على الأزمة السياسية المستحكمة من تعاقب الحكومات واحدة بعد الأخرى بإيقاع متسارع ، وهي الظاهرة التي شهدتها مصر بعد حريق القاهرة في 26 يوليو 1952بعد أن قدم النحاس باشا استقالته ليلة الحريق، ثم توالت أربع حكومات : حكومة على ماهر ثم نجيب الهلالي، ثم حسين سرى وظلت في الحكم اثنين وعشرين يوما، ثم الهلالي مجددا لثماني عشرة ساعة فقط ! كانت الأزمة التي فتحت فمها تبتلع الحكومات واحدة بعد الأخرى، إذ لم تستطع حكومة أن تحل الأزمة التي تضافرت فيها مطالب عدة : الاستقلال الوطني والنهوض الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والحرية. ولم يكن ثمت سبيل للخروج من أزمة مترابطة كتلك سوى ثورة قادرة على إجراء تغيير سياسي ضخم، فكانت ثورة يوليو 1952.
وفي خضم الأزمة العميقة التي نحياها يعلن محلب في كلمته الأولى أنه " حان وقت العمل والإنتاج "! وليسمح لنا محلب أن نسأله : متى كف الشعب المصري عن العمل والإنتاج؟! أما عن قول محلب " حيث لا صوت يعلو فوق صوت البناء والتنمية " فإنه أشبه بإنذار لنصف الشعب الذي يعيش تحت خط الفقر بأن عليه مواصلة الكدح في أشق الظروف بدون أمل أو أفق للتغيير وبدون أن يعلو صوته بشكوى أو كلمة أو اعتصام أو اضراب! ويالها من بداية تبدأها حكومة جديدة !

***  
أحمد الخميسي . كاتب مصري

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.