تشتعل شموع الأماني التي لم تتحقق مع مطلع العام الجديد. يهتز ضوؤها كارتجافة شفاه تبتهل للزمن القادم أن يكون شمسا، ونسيما، وبحرا تجري عليه مراكب أحلامنا  بيسر. أحلام صغيرة، مثل حلمي الذي لم يفارقني أن يكون عندي كوخ على نهر يمنحني الشعور بأني نصف سمكة نصف إنسان أسبح في الكون الشاسع وأعود إلي الأرض. لكن هل أننا نبحث عن السعادة وهي كما قال تولستوي قريبة منا " كما نبحث عن النظارة وهي فوق عيوننا"؟. ربما يكون تولستوي على حق. ربما يكفي الإنسان امتلاء شعوره من الحياة والصحة. إلا أن الإنسان مهما أطعمته لا يشبع من خبز الأحلام المعجون بسحر الخيال، إنه يمد يديه بنهم إلي أحلام أبعد  من سعادته الذاتية وأكبر من بيت على نهر أو زوجة لطيفة وأطفال جميلين. بعض تلك الأحلام الكبيرة يتحقق، بعضها لا يرى النور، يجف في الروح كما تجف زهرة مضغوطة بين أوراق كتاب. من أحلامي تلك أن أرى الشعب المصري العظيم وقد تخلص من الأمية. أن أشهد يوما أبصر فيه كتابا بيد كل مواطن، بطاقة دخول إلي المسرح في جيبه، فكرة نيرة في عقله، شعورا بحب الآخرين في قلبه، منزلا وتعليما ولاجا وحرية، بعد ذلك فليؤمن كل إنسان بما يشاء كما يشاء عن علم وكرامة واستنارة. معظم تلك الأحلام مستحيلة التحقق من دون محو الأمية، مطلب النهضة الذي انقضى عليه نحو مئتي عام منذ أن كتب محمد على رسالة إلي إبنه إبراهيم باشا سنة 1833 يقول له " إن محاولة النهضة لا تبدأ بتزويد الشعب بالكتنيات أو البنطلونات الضيقة، وبدلا من البدء بالملابس كان الأجدر بالباب العالي أن يهتم أولا بتنوير الأذهان"! مازلنا بعد مئتي عام إزاء المعضلة ذاتها " تنوير الأذهان"! فهل يقبل علينا العام الجديد حاملا بيده خطة قومية لمحو الأمية وإعلان آلية ومراحل تنفيذها؟
إننا لانستطيع الحديث عن حرية أو دستور أو اختيار أو موقف أو تنوير أو حتى وطنية ونحن مقيدون بسلاسل الأمية. وإذا نظرنا إلي إمكانيات وزارة الثقافة سنجد أن بوسعها القيام ولو بخطوات صغيرة على الطريق. يمكنها أن تعقد مؤتمرا للمثقفين حول قضية محو الأمية ودورهم في ذلك. بدلا من الحديث عن " مستقبل الأدب" أو بجوار الحديث عن الأدب. يمكنها أن تعيد إلي الميادين أكشاك الموسيقى التي ظهرت في زمن ما واختفت. يمكنها أن تنفخ الحياة في أطلال قصور الثقافة وأن توجه تلك القصور إلي الشوارع والأحياء الشعبية بشاشات عرض وفرق موسيقية وشعراء ومنشدين بدلا من الموت داخل حجرات البيروقراطية المتربة. ليس لنا قلب شاعر كبير مثل صلاح جاهين لنحلم لمصر ب " تماثيل رخام ع الترعة وأوبرا"، لكن ألا يمكننا أن نحلم بمحو الأمية؟! وإذا لم تضع الحكومة خطة لمحو الأمية  فلماذا لا يقوم المثقفون والأحزاب التقدمية بطرح المشروع وتبنيه ودفعه إلي حيز الواقع بحشد أكبر عدد ممكن من الطلاب والمتعلمين في كل الأحياء حول الفكرة؟ لماذا يقتصر عمل المثقفين على كتابة الروايات؟! أليست إعادة كتابة الواقع عملا إبداعيا ؟! ألا يستطيع المثقفون الذين اعتصموا بوزارة الثقافة لتنحية وزير أن يعقدوا مؤتمرا يعلنون فيه خطة لمحو الأمية؟ ألا يستطيعون الاعتصام حتى تنحية الجهل؟. أفتح كتاب الروح مع مطلع العام الجديد، فتتمايل نحوي شوقا إلي الحياة زهرة كادت أن تجف. 
***
أحمد الخميسي. كاتب مصري
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.