أما عن " الشيف" أو كبير الطباخين فهو دكتور جين شارب، أستاذ العلوم السياسية الأمريكي الذي يقدم لنا في كتابه "من الديكتاتورية إلى الديمقراطية" طريقة اعداد الثورة، بحيث يتم استثمار الغضب الشعبي قبل أن يصبح وعيا وتفريغه وحرفه عن الأهداف الحقيقية، لكي تصب نتائج الثورات في صالح القوى الرأسمالية مجددا. الأستاذ جين شارب أنشأ عام 1983 مؤسسة " ألبرت أينشتين" لدراسة النضال السلمي وسيلة للتخلص من الظلم في العالم، إلا أن المفكر الفرنسي الشهير تييري ميسان، صاحب كتاب " الخدعة الرهيبة" الذي يشكك في الرواية الرسمية لأحداث 11 سبتمبر2001، هذا المفكر فضح دور مؤسسة شارب وكتب أن عملها اعداد قادة الانقلابات لحساب المخابرات الأمريكية. ومع ذلك فإن هناك ضرورة للتعرف إلى ما يطرحه طباخ الثورات الملونة في كتابه لكي نعرف ونتجنب ما ينصح به بالحرف! بداية يعتبر جين شارب أن القضية الأساسية في عالمنا اليوم هي مواجهة الأنظمة الديكتاتورية، التي يدرج فيها كل البلدان الشيوعية سابقا، والصين وكوريا الشمالية وبورما والسودان، أما اسرائيل فإنها تقع عنده في خانة البلدان الديمقراطية. من ناحية أخرى هو يفهم الديكتاتورية باعتبارها غياب التعددية والتمثيل النيابي والصحف المعارضة، لكنه يعجز عن تصنيف حالة مثل فرنسا بها كل مظاهر الديمقراطية المذكورة لكنها ساعة الجد تقمع المتظاهرين أصحاب السترات الصفر بوحشية أواخر عام 2018. وفي النهاية فإن طرح الشيف شارب لموضوع الديكتاتورية لا يتجاوز سطح الموضوع، مثلما لا يتجاوز سطح المسألة فهمه للديمقراطية التي يحصرها في الحقوق السياسية فحسب، وماذا عن الحقوق الاجتماعية؟ حق التعليم والمسكن والعلاج والعمل وغير ذلك؟ تلك الحقوق لا نصيب لها من فهم الشيف شارب، لأن الحقوق الاقتصادية ستقود شارب مباشرة إلي العلاقة بين فقر الشعوب وبين نهب الاستعمار الأمريكي لثروات تلك الشعوب. وإذن فإن وصفة شارب لاعداد ثورة بأسهل الطرق تبدأ باستبعاد الحقوق الاجتماعية، ثم تؤكد على استبعاد العنف كوسيلة كفاحية، مع أن تاريخ كل الشعوب والثورات يؤكد أن المستغلين والطغاة لم يتركوا مقاعدهم إلا بالقوة. هكذا ينزع شارب من الثورة أهدافها الحقيقية، ثم ينزع وسيلتها الحقيقية، فلا يتبقى أمامنا سوى الثورات البرتقالية التي تستثمر الغضب الشعبي قبل أن يتحول إلى وعي لتصب نتائج الاحتجاجات في نظم تخدم بلافتات جديدة مصالح الاستعمار العالمي. 

ويرسم الشيف شارب بالتفصيل خطة القيام بثورة، واعدادها، عبر ما يسميه بالتحدى السياسي الذي يستخدم الاحتجاجات والاضرابات واللاتعاون والمقاطعة وسحب الولاء، وغير ذلك مما يعتبره شارب أسلحة نفسية واجتماعية واقتصادية لدي المواطنين والمنظمات المدنية، ويحدد مقادير اعداد الثورة قائلا إنها يجب أن تبدأ بأعمال رمزية مثل وضع الزهور على أماكن ذات أهمية، أو الدعوة للصمت العام لبضع دقائق، أو مقاطعة قصيرة للدروس يقوم بها الطلاب، ثم يتحول عبء النضال بالتدريج إلى مواقع أخرى كأن يقوم عمال السكك الحديدية بابطاء حركة القطارات، بحيث يكتسب ذلك النضال القوة، بهدف زيادة الشلل السياسي وفي النهاية تفكيك الديكتاتورية نفسها. لكن شارب المولع بتفكيك الديكتاتورية لا ينطق بحرف لا من قريب ولا من بعيد عن حقيقة أن أمريكا هي أكبر من دعم الديكتاتوريات وأمدها بكل أسباب البقاء! كما أنه يغفل تماما التعارض بين أهداف الشعوب في التحرر واستثمار ثرواتها وبين الاستغلال الأمريكي لتلك الشعوب، بالقوة وبالهيمنة وبالشركات العابرة للجنسيات. يحدثنا الشيف شارب عن أن اسقاط الديكتاتورية حلم عظيم، لكن شرط ألا يتجاوز ذلك الحلم حدود الاصلاح السياسي وزخرفة الواجهة، ومثلما عجز شارب عن تفسير القمع الفرنسي للمتظاهرين في بلد يفترض أنه ديمقراطي، فإنه عجز أيضا عن تفسير أسباب الحروب التي أشعلتها أمريكا التي يفترض أنها بلد ديمقراطي، بدءا من تدخلها العسكري في 1950 ضد كوريا الشمالية، وتدبيرها انقلابا عسكريا في جواتيمالا عام 1954، ولا عن الدور الأمريكي القذر في فيتنام ما بين 1956 و 1975 الذي راح ضحيته مليون ومئة ألف قتيل فيتنامي، أو الانقلاب على سوكارنو في أندونيسيا عام 1968، أو تنظيم انقلاب دموي في تشيلي في مواجهة الانتخابات الديمقراطية عام 1973، ومشاركتها في الحرب على مصر عام 1967، ثم وقوفها المستمر ضد الشعب الفلسطيني، وعدوانها على ليبيا في 1968، ولا ينطق بحرف عن الغزو الأمريكي للعراق في 2003، وهذا لأن قضية الصراع بين الشعوب والاستعمار الأمريكي وحلفائه لا تقع ضمن وصفة الثورة التي يشرح لنا الشيف شارب طريقة اعدادها.
د. أحمد الخميسي. قاص وكاتب صحفي مصري

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////////