(17)

د. حسن محمد دوكه

طوكيو - اليابان

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

( إنَّها شُجيراتٌ مُحايدةُ الوُرَيقَاتِ " الطَّرَق " ، مُتجذِّرٌ فيها نبضُ البوحِ .

أو خِنجرُ الأسفلتِ " عولميُّ المنبتِ " على صَدْرِ الرَّواكِيبِ " الغَلَط " ! ).

 

" أقابلك في زمن ماشي، وزمن جاي، وزمن لسّع.

 أشوف الماضي فيك باكر ،ياريت باكر يكون هسَّع ... "

( إحدى أغنيات ( أناشيد ) الفنان السوداني : محمد عثمان وردي ).

 

قلنا فيما مضى: صديقُنا ، زميلُ دراستِنا، ابن الكيلوهات ( شهيد روما) قد أضفى على مدرسة الرنك المتوسطة " بنين " وتلاميذهاسمعةً سارت بها الركبان، والظعائن، واللواري ( السفنجات، والأواستن ) حتى القندرانيات، تمنحنا – نحن زملاءه - شهرة ضاربة الأثر و الدَّوِيِّ لأننا صرنا رفقاء درب الشهيد وأصدقاءه! .

وهذه الشهرة " الشهيدرومية " قد كان لها شِقٌّ سالبٌ يتصل باستجاباتِ أخواتنا زميلات المرحلة المتوسطة بمدرسة الرنك المتوسطة بنات ( أديس أبابا ). ولكنَّ أصحابنا ( رفقاء الدرسِ ) من فصيلة الغارقين في لجج بحار العلاقات العاطفية " البريئة "، كانوا أكثر المتضرِّرين من تداعيات حادث شهيدنا الرُّومويِّ ، والمكتوين بعصارةِ لبن كُرة الإشاعاتِ التي ظلت تتدحرج على ألسنة الشامتين " حارةً كما الحليبِ الرُّومويِّ " لتستقرَّ – ماهلةً – على ملاعب أصحابه الخُلَّصِ، ورفقاء دربه التعليمي في حُلَّته المدرسية المتوسطة، نواحي الرنك البريق، المنحدرين من بطون المزيج القبلي المتماوج في تداخله "السودانوي" الآسر، المتعايش في تآزر وحميمية (أبناءدينكا أبيلانق، والجعليين، والشلك، ونزّي،,والبرون، والصَّبحه، ودينكا ملوط " الرَّيافه"،والسليم،والنوير،والدناقله،والمحس،ودينكا بور،ورفاعه،والملكية،والبرقو، والجموعية، والتعايشه،والفور،وبني هلبه ... إلخ ). حيث ظل هؤلاء المتيَّمون " عشقاً " يتحايلون على إدارة المدرسة بالتمارض ، بغية اِصطيادِ لحظةٍ عاجلة وغارقةٍ في براءتها المراهقية، ومنسوجةٍ بوافر خيوطِ أحلامِ الصبا على نَوْلِ نسختها العارمة في تصنيفاتها ( الآلِ طَاشَرِيَّةِ ) التي تتخللها النظرات فالبسمات " ولا موعد، فلقاء "!  فقط تكون النظرات المختلسة على استحياء، والبسمات المرتسمة على معالم الوجه المغسول بمياه الطفولة ، من على بُعد أمتار من المحبوبة أمام حجرة طبيب مستشفى الرنك. وكانت الأداة الوحيدة للتحايل هي تسجيل أسمائهم في دفتر العيادة " متمارضين " !. وكذا كانت تتحايل المعشوقات " العاشقات " على إدارة المدرسة ( أديس أبابا ).

            في ذلكم الزمان، كنا نُلقي بكل بيضنا على سِلال شقنا من الجنس الآخر، آملين في نهايات سعيدة لما بين أيدينا من علاقة. فكنتَ تتلقى حزمةَ مناديلٍ مطرَّزةٍ بألوانٍ تتماوج بين البرتقالي، والبمبي، والوردي . مطرَّز على أعلى جانبها الأيسر قلبان متداخلان! وعطور الفليل دمور، وسوار باريس ( سوا دي باغي ) أي " ليل باريس"، تضوع مزينةً متن المناديل ، ناقلةً إيَّانا إلى عوالم الشعر في بعض مقولاته الآسرة :

" الحُبُّ كالطِّيبِ، وللطيبِ اِفتضاح ".

كانت هي الأيام في نقائها البِكرِ المُضمِّخِ بؤرةَ ذواتنا الفتيَّةِ في عنفوانها المتفاقم بالعبقِ الزّمهريرِ " المراهقي". ولكننا الآن نقيس الأشياء بمعيار العقل ( المُنقاش ) الذي يُعطي كلَّ ذي حقٍّ حقَّه ، ونزن السلوكيات بميزان التَّعقّلِ وميراثِ التجاربِ في نسختها الأربعينية!. فقد كانت التجارب – آنذاك – والعاطفية منها خاصةً، تكوِّم كلَّ وريقات ( طَرَق ) العاطفة في "مشلعيب" الحنين الذي لن تنتاشه سوى المحبوبة آنها و" المتخيلة " !! . و هكذا كان يُلقِّننا كبارُ العاشقين ( سناير الرنك المتوسطة) دروسَ الطِّيب الحُبّي، أو الحبِّ الطِّيبي، وهم يبثون فينا قيم العشق الخرافي المزاحم آفاقَ تاجوج والمحلّق، وفضاءات عنتر وعبله، وأسافير سلمى و زهير! . فقد كانوا وكنّا ( نحن رواد العيادة ) نظنُّ أن الدنيا تتوقف عند المحبوبة إيّاها. وأنَّنا لابُدَّ واصلون النهاياتِ السعيدة! . ولكنَّ الأيامَ والسنين أثبتت لنا عكس ما نعتقد آنها، فقد تفرَّقت بنا السُّبلُ، وصار ما كنا نؤمن به من حقائق عاطفية، سراباً تعبث به رياحُ الزمان وتنثره ذكرياتٍ تنتاش الحميم من بطيني القلب برصاص الواقع الحكيم!

والدليل على ذلك ، أنه لم يتسنَّ لأيٍّ من هذه العلاقات العاطفية النموُ والتَّطوّر تجاه المآلات المرتجاة من مثل هذه العلائق. ولم تشبّ عن الطوقِ وتترعرع واحدةٌ من علاقاتنا "أوان المتوسطة"،وتصير كائناً يمشي على ساقين في دروب الحياة الاجتماعية ومفصلها الأساس ( الزواج )،كي تُسمَّى " العلاقة العشقوعاطفية " في قواميس الزمانِ زواج!

 

 

 

 

ونواصل.