" ... اليوم أَقْبَلُ فيكَ كُلَّ الوَحْلِ واللَّهبِ المُقدَّس في دمائِكَ، في دِمَائي. أَحنُو عَلى الرَّملِ اليَبِيْسِ كما حَنَوتُ على مواسِمِكَ الغَنيَّةِ بالتَّدفُّقِ والنَّماء. وأقول: ياشَمسَ القَبُولِ تَوهَّجِي في القَلبِ صفِّيْنِي، وصفِّي من غُبارٍ داكنٍ لُغتي، غِنَائِي..."
(العَوْدةُ إلى سِنَّار"النَّشيدُ الخامس: الصُّبْحُ " : د. محمد عبد الحي).
الشّهادةُ الثَّمينةُ التي أسعدتك أيَّـمَا سعادة، والتي تفضَّل بها أستاذنا عبد الوهاب أحمد صالح كبير المذيعين، بحضور أستاذنا علي الحسن مالك رئيسِ القسم الرِّياضي بهنا أمدرمان "وقتها" أوائل النصف الثاني من ثمانينات القرن الذي ولى، وأنتَ تجلس أمامه بمكتبه الأنيق، فتَّحت كوُّات الأمل الوريف في أن تكون خطوتك التالية هي التزود بالمعارف الإذاعية عاباً من خبرات من سبقوك، لتكون لكَ بصمتك التي قد نسجت خطوطها الدقيقة الرفيعة الروية نَوْلُ فضاءاتِ بَلدَتِكَ الحبيبة وأهلها (وددكونه) فــــــ " حَنَوْتَ على مَواسِمكَ الغَنِيَّة بالتَّدفُّقِ والنَّماء". حتى أفقتَ على صوت أستاذنا عبد الوهاب وهو يقول: ولَكِنْ، لِكي تعمل بالبرنامج العام، عليك الجلوس لاختبار الصوت والقدرات الإذاعية مرةً أخرى!. فانتفضتَ من حلمك مندهشاً، أوقل مُنْبَهِتاً! دَبَّ فيكَ ما تخشاه أنتَ قبلَ غيرِكَ من تَفاعُلاتٍ ذات طعمٍ حارقٍ، فَحوقلتَ، وأردفتَ في سِرِّكَ " ياشمسَ القبولِ توهَّجي في القلبِ صفِّيني، وصفِّي من غبارٍ داكنٍ لُغتي، غنائي..."، فكان ردُّكَ: أأجلس للاختبار مرةً أخرى؟. شكراً لكم، وإذا كان الأمر كذلك، فأنني اِنطفاءَ رغبتي بل عدمها في العمل الإذاعي، وشكراً للإذاعة. وهَمَمْتَ بالخروج، فأمسك بيدك الأستاذ علي الحسن مالك، وقال للأستاذ عبد الوهاب: عليَّ بالطَّلاق إِن خَلَّى الإِذاعه، الإذاعة ما تخلِيْهو!، وأنا سأضمُّه لفريق القسم الرياضي، وتعال يا بني تبدا معانا الآن في القسم الرياضي!. لم يتدخل أستاذنا عبد الوهاب، بل أومأ برأسه دلالة قبول ما اتخذه أستاذنا علي الحسن مالك من قرار حاسم بضمي لعالم الرياضة. شكرتُ أستاذنا علي على عرضه المغري، وفي تمام الساعة الثالثة إلا ربعاً خرج لمتابعي عالم الرياضة صوتُكَ مذيعاً لأخبار الرياضة المحلية والعالمية برفقة المذيع محمد عباس سعد، وإشراف المعلق الرياضي المشهور عبد الرحمن عبد الرسول، ورعاية من أستاذنا علي الحسن مالك.
وما أن مرَّ أسبوعٌ على العمل في برنامج عالم الرياضة، حتى استدعاكَ أستاذنا عبد الوهاب، وهذه المرَّة، قام من كرسيه، وجلس معكَ على الأريكة شارحاً لكَ دوافع ما جرى لك معَه ومغازيه، وأنه أحد الاختبارات المهمة التي يجرونها للاطمئنان أكثر على من يجلس خلف مايكرفون هنا أمدرمان مخاطباً الملايين، وهو نوع من اختبارات التحمُّل والصَّبر وحسن التَّصرُّف. وهكذا كانت الدروس تترى عليك، وتندلق المعاني والمعارف والخبرات على دربكَ الإذاعي.
كانت فترة العمل بالقسم الرياضي عامرةً بالتدريب العملي على الأداء الإخباري للنصوص الرياضية، إضافة إلى كيفية تحرير الخبر وكتابته، ومن ثم تقديمه بحيادٍ إيجابي تُمسك فيه بخيوط الصوت والأداء وتنويعه واللغة وقواعدها، مع الانتباه للعمليات الفنية من استلام شارة الدخول في قراءة النص، وشارة الاتهاء منه، مع مراعاة تسليم المايك لمن يليك من المذيعين، والربط بين المواد المذاعة.
أكثر من ثلاثين عاماً قد مرت، ولم تفارقْكَ تفاصيلُ المواقف الإنسانية والعملية التي مَرَرْتَ بها في هنا أمدرمان، وحتى بعدَ انتظامكَ في برامج المنوعات والبرامج الثقافية لاحقاً، ظل الأستاذ عبد الرحمن عبد الرسول (أطال الله عمره وقواه وأسعده) يلاحقك بالتقارير الرياضية الواصفة لأهم الأحداث الرياضية التي تنقلها الإذاعة السودانية، والتي كان يستهلها بمداخل لغوية بليغة،كَأن يقول:"جَماهيرُ غَفيرةٌ اصْطفَّتَ باستاد الخرطوم، تقاطرتْ جُموعها لِتَشْهَدَ لقاءَ القِمَّة بينَ...".

ونواصل

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.