عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

"... صَاحِبي قُل ما تَرى بينَ شِعَابِ الأرخَبيلْ، أرضَ " دِيكِ الجِنِّ " أم " قَيس "القَتيلْ ؟ أرضَ " أوديْب " و " لير " أم مَتاهاتِ " عُطَيلْ " ؟ أرضَ " سنغور " عليها من نحاسِ البحرِ صَهْدٌ لا يَسيْلْ ؟ أم بخار البحرِ قد هيَّأ في البحرِ لنا مُدناً طَيْفِيَّةً ؟ رُؤيا جَمالٍ مُستحيْلْ ؟..."
(العَوْدةُ إلى سِنَّار"النَّشيدُ الثَّاني: المدينة" : د. محمد عبد الحي).
المدينة (العاصمة) والجامعة، مفردتان كان يتداخل معناهما في فضاء التخيل الريفي لشابٍ دخلهما وفي جرابه ما يقتات به من تجارب حياتية في بعدها الاجتماعي، وأفقها الفكري، تتشابى نحوَ أفقٍ لأغصان أكثر إثماراً في دوحة الحياة بحرازها وكرزها، كحال وصفِ النَّاصر قريب الله، " وفَتَاةٍ، ثَمَّ تَجْنِي ثَمَرَ السُّنْطِ في اِنْفِرَادِ الغَزَالِ، تَمْنَحُ الغُصْنَ أَسْفَلَي قَدَمَيْها، ويَداهَا في صَدْرِ آخَرَ عَالِ، ...". إنَّهما مفردتان جذرهما الاجتماع بين بشرٍ تختلف تواريخهم الشخصية، وتتباين أحوالهم المعاشية، وتختلف رؤاهم المستقبلية، وبالتالي يجمعهم الحاضر بوصفه واقعاً لا فكاك منه، ولا مهرب.
هَب أنَّك بما خبرته من تجربة التعليم المختلط Co-education التي انخرطت فيها منذ دخولك التعليم لنظامي في المرحلة الابتدائية، بوصفه وضعاً طبيعياً يجاري الواقع الإنساني حولك في البلدة الحبيبة، والأرياف السودانية حيث المرأة تقف جنباً إلى جنب الرجل في كسب العيش زرعاً وضرعاً، وبنيات البلدة ما هُنَّ سوى أخواتٍ لك في التقاليد السمحة العتيقة والمبادئ الفخيمة التي لا يعتريها الوهن، وأنك وأنت في قمة صباك و "صبينتك" درست الرنك الثانوية على نول التعليم والتربية المختلطة، وها أنتَ تدخل الجامعة، بتفردها الجامع للاختلاط تعليماً، وتثقيفاً، وأنشطة اجتماعية يشارك فيها البنون والبنات في تعليم وتثاقف مختلط. وقد بذلت أدبيات كثيرة متناولة مزايا هذا النوع من التعليم وعيوبه، حيث إنَّ البشرية "في نهضتها التعليمية الحديثة" منحت الرجل حق التعليم النظامي على مدى قرون، أما المرأة فكان حظها متفاوتاً بين الأمم والشعوب بما توفره طُرُق الحياةِ ways of life من مساحات تضيق أو تتسع وتختلف نوعاً ومقدارا. فقد دعت الحاجة الماسة والضرورة المُلِحَّةُ إلى منح المرأة مقعداً في فصول المدارس التي يحتلها الرجال، وذلك لتلبية مقتضيات الثورة الصناعية، وأهمية التعليم في الترقي الوظيفي وزيادة دخل المرأة التي دخلت سوق العمل كعنصر أساس في الانتاج والتنمية، وقد كان ذلك ما قاد الناس إلى العمل بالتعليم المختلط في القرن الثامن عشر 1700م في الولايات المتحدة الأمريكية. ومضت مئات السنوات لتتبنى دول أوربا بداية القرن العشرين 1900م هذا النمط من التعليم، فتناسلت الفكرة وعمت دول العالم ومن بينها السودان.
هَب أنَّك والحال كما وصفنا، قد توثقت علاقاتك الاجتماعية بعدد وافر من البنيات الزميلات والوليدات الزملاء في حوش الجامعة وقاعاتها ومدرجاتها ومقاهيها ومنابرها ومنتدياتها، يلتفون حولك فتزداد دفئاً وأنسنة، لتمنحهنَّ/هم صافي الود ، وكامل الاهتمام، وخالص البراءة والنبل، لكأنكَ ترعى (زهراء وعوضية وآمنة) أخواتك البرعمات الزنبقات الجميلات جارات قوس قُزح. وقد أفقت "لاحقاً" إلى أن الأنثى قد حباها الله ذكاءً اجتماعياً له قُرُون استشعار تلتقط البريئ من المواقف والتلميحات، وتدري عاقلةً ما كان إلى غير البراءة يجنحُ.فالبُنيَّاتُ يَحتَلِلْنَ في مخيلتك الريفية مكاناً عظيماً من التقدير والاهتمام، ويرجع ذلك للنشأة والتكوين المعافى من الوساوس، ناصع البراءة والبراح، والذي صقلته بين مدخلات صقله "توهجاً لا يخبو" مناجمُ التعليم المختلط آن الطفولة وعند فترات الصبينة الثانوية، فكانت النتيجة ما ترى.
ونواصل