عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

"... سَأَعُوْدُ اليَوْمَ يا سِنَّارُ، حيثُ الحُلْمُ يَنْمُو َتَحْتَ مَاءِ اللَّيلِ أَشْجاراً، تعرَّى في خَريفي وشِتائي، ثُمَّ تَهتَزُّ بنارِ الأرضِ، تَرفَضُّ لَهيباً أَخضَرَ الرِّيشِ لِكي تَنْضجَ في لَيْلِ دِمائِي، ثَمراً أَحمرَ في صيفي، مَرَايا جَسَدٍ أحْلامُهُ تَصعدُ في الصَّمتِ نُجُوماً في سَمائي..."
( العَوْدةُ إلى سِنَّار، النَّشيد الثاني: المدينة: د. محمد عبد الحي).
هَبْ أنَّكَ قد زرت العاصمة "سائحاً" للمرة الأولى تحفيزاً لك بدخول مدرسة الرنك الثانوية العليا كثاني دفعة من طلابها، وفي المرتين لثانية والثالثة كانت زيارتك استكشافية لطبيعتها وما يلفها من حيوات بدعم وتشجيع من والدك الذي كان يحثك كثيرا - بصورة ذكية غير مباشرة- على ارتياد فضاءات المدنية عبر مناطيد الترقي في درجات التعليم والتعلُّم، مكتسباً خبراتك الحياتية طاذجة وحارقة. فقد كان يصطحبك في رحلاته وزياراته المهمة للمدن المهمة والتعرف على أهم شخصياتها، سائلاً إياك: أتدري كيف وصل هؤلاء الناس المميزون إلى ما وصلوا إليه؟ ولا ينتظر إجابتك، فيردف: بالتعليم.
وأنك حين دفعك "وأنت في الثانوية" وحثك على زيارة العاصمة، قد أوصاك بقضاء شهري العطلة عاملاً في مصنع ابن خالتك في أمدرمان جنوب غرب استاد الهلال، لتقوم بمتابعة تجهيز وتصنيع العصير بالمصنع بدوام كامل يصل إلى ثمان ساعاتٍ يومياً، لتمنح جنيهين نهاية الأسبوع تكفي لدخول سينما امدرمان أو الوطنية أمدرمان، أو سينما الثورة ومواصلاتها والباسطة. وكان بنهاية العطلة (بعد شهرين)، يمنحك ابن خالتك صاحب المصنع مبلغاً كبيراً من المال بمثابة أجرك عن العمل، فتدخلك الفرحة بالمال الذي سال عليك وتذوقته كعرق الجبين، وتحسُّ بقيمة العمل وثماره، فتصاب ببعض الأحاسيس الإنسانية المتولدة عن الإسهام المادي والعطاء، وأن تكون يدك هي العليا. فقد كانت تنتابك هذه الأحاسيس وأنت أصغر من سنِّك الحالي عندما تتجمعون شباباً تتفاوت أعمارهم لتزرعوا بذرة القطن، أولئك (الأكبر سناً) يمسكون بالسَّلُّوكة، وهؤلاء (الأصغر) يبذرون تاليين لهم في همة ونشاط.أو تنتظمون في جماعةٍ تغرسون سُوق البصل البُرْعُميَّة (الـمَسْمَس) على سرابات في مساحات أوسع، لينمو بصلاً أخضر. أو تعمل في موسم جَني القطن مُحاسباً وكاتباً (وَزَّاناً) لِلَوْزات القطن التي تجمعها "غالباً" النِّسوة القادمات من التَّرتَر، وأمبَيُّوض، والعباسيَّة تقلي بجنوب كردفان، غرب بلدتنا الحبيبة مسافة خمس ساعات باللواري الأوستن أو البديفورد (السِّفنجات)، هؤلاء العاملات الموسميات لاقطات لوزات القطن، اللاتي يحللن بالبلدة وما جاورها من قرى ومشاريع مروية نتتج القطن حتى ثمانينات القرن الذي مضى، يأتين بأسرهنَّ، فتنتعش صباحات البلدة ونهاراتها وعصرياتها ولياليها لمدة شهرين، تتخللها الأفراح والأعراس وحفلات الختان، والفرحة بجني المحصول النقدي لأهل تلكم الأرياف، ويكون السعد أبرز ملامح تلكم الحقبة من الزمن. وأنتَ كذلك، ومن جايلكَ من أبناء البلدة (أولاد المدارس)، كنتم تنعمون بمبالغ من المال ثمرة عملكم وإسهامكم المقدَّر في صناعة الفرح القروي الآسر. نَعم، كنت تسعد بما جنيتَ من مال، ولكنَّ مال العمل بالمصنع له طعمه الخاص، فهو عمل في ديار الاغتراب والبعد عن الأهل والبلدة الحبيبة (العاصمة)، بجانب ما أنفقته من ساعات طوال، ويقظة حاضرة، وانتباه أكيد، وأنه مال وفير، لا تدري ما أنتَ فاعلٌ به!. فقط يقفذ أول ما يقفذ في ذهنك، كُسوة الأسرة، والخالات والعمات، فأنتَ الآن قد رحلتَ متغرِّباً، وعليك أن تبرَّ من برَّك ورعاكَ وأحاطك بالعناية المعنوية والمادية. ويا لها من لحظات حميمة، أن تقدم عمامةً من التوتل هديةً لوالدك، وثوباً (أبوقجيجة) لأمك وخالاتك!.
وها أنتَ للمرة الرابعة تزور العاصمة، بل ترتحل إليها حاقباً بلدتك الحبيبة مؤنساً في أيام الرحيل الذي سيطول، مطرِّزاً لياليكَ بالحنين!

ونواصل
///////////////