عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

"... اللَّيلَةَ يَسْتَقْبِلُني أَهْلِي. خَيْلٌ تَحْجلُ في دائرَةِ النَّارِ، وتَرْقُصُ في الأجْرَاسِ، وفي الدِّيْبَاجِ. اِمْرَأةٌ تَفْتَحُ بَابَ النَّهْرِ وتَدْعُو مِن عَتَمَاتِ الجَبَلِ الصَّامِتِ والأَحْرَاج، حُرَّاسَ اللُّغَةِ - المَملَكة الزَّرقاء - ، ذلكَ يَخطُرُ في جِلْدِ الفَهْدِ، وهذا يَسْطُعُ في قِمْصانِ الماء ..."
(قصيدة العَوْدةُ إلى سِنَّار: النشيد الأول "البحر" : د. محمد عبد الحي).
وهَبْ أنَّكَ كلما تَأَهَّبْتَ للرجوع إلى جامعتك نواحي الخرطوم (ديار الغربة)، تلاحقك ثلاثة أشياء ضرورية وراتبة، بدايةً بالوصية التي تدعوك أن ترعى نفسك ودرسك وأخلاقك، ثمَّ الجنيهات التي يتبارى فيها أهل البلدة الحبيبة رجالاً ونساء، العمات والخالات والآمهات، والأخوات، الأهل والجيران، حتى أخوتك وأخواتك الصغار يودعونك "مُعَدِّين" بما يعطون من مصاريف مثل غيرهم من الأهل والأحباب، ولا صغير في أداء الواجب! وأخيراً، الدعوات الصالحات بالسلامة والنجاح والسترة في بلاد الغربة.
هَبْ أَنَّكَ وقبل دخولك مدرسة الرنك الثانوية العامة (المتوسطة) في النصف الأول من سبعينات القرن الأخير من الألفية الفائتة، تمَّ تكليفك بثلاث مهام رئيسة في غاية المسؤولية، أوَّلها: الجلوس "مُداوماً" في ديوان الضيوف (خارج البيت، شمال سوق البلدة) خادماً الضيوف ورواد الديوان، متابعاً ومزوداً إياهم بما يحتاجون إليه من خدمات ضرورية تسهل إقامتهم، وتريحهم كافيةً لهم مشقة مفارقة ديارهم وتغرُّبهم، بجانب رعاية غرفة (مضيفة) الضيوف الاستثنائيين من أصدقاء والدك ومعارفه الأصفياء هؤلاء الـــــ VIPs، وذلكَ يوميَّاً منذ السادسة صباحاً وحتى الرابعة عصراً ، لتستريح مواظباً على لعب كرة القدم مع رصفائك، لتعاود المداومة بالديوان منظماً عشاء الضيوف "حال وجودهم"، ولا تنتهى المهمة بالنوم، بل عليك النوم وأذناك مستيقظتان تلتقطان أصوات اللواري (نَصَايص اللَّيالي)، وعليك إرخاء السَّمع لتلتقط حركة اللوري وتوقفه قرب السوق (الديوان)، أو تجاوزه إلى مركز شرطة البلدة والذي يعني عدم وجود ضيف. فإن نزل الضيف، عليك بحقب لحافك وتجهيز السرير أو العنقريب متى ما تسهل، وإيقاظ أمك لتعدَّ عشاء الضيوف والذي يغلب عليه الرقاق باللبن أو الشعيرية لسرعتة إعدادها، مجهِّزاً الإبريق، ولا تغادر حتى تطمئن على منامه، لتفترش الأرض نوماً هنيَّاً مريحا.
ثاني المهام: حفظُ مفاتيح الخزنة الخاصة بوالدك، والتي تحوي بجانب الأموال، دفاتر الحسابات، والشهادات، والتراخيص، وطلقات البندقية "الرَّش"، والأمانات، وكل ما هو في مقام الأهمية بقدر اِتساع بطن الخزنة لذلك. ثالثاً: الذهاب يومي الإثنين والخميس إلى محطة المعدية (البنطون) التي تنتظم بين الرنك ووداكونه ، وعليك استلام شحنة الذرة التي يصل عدد جوالاتها فوق المائة جوال أسبوعيَّاً، متابعاً إنزالها وتحميلها على ظهر لوري الأوستين لمالكه العم حسين الجاك صديق الوالد. وتقوم بمحاسبة الحمَّالين (العتالة) الذي قد أنجزوا مهمتهم على أكمل وجهٍ بقفشاتهم ومرحهم وغنائهم الطاذج الحلو، وحينما يبادر أحدم بحمل جوالين "في مرة واحد" ويفشل في ذلك، تجدهم يتصايحون، وفي إيقاعٍ يغنون " جَايِّ ليه، ما بتقدر، جاي ليه". وبينما أنت مستغرق في اهتمامك تماماً بمتابعة عملية التحميل، يأتيك أحد رجال البلدة أو إحدى نسائها أو ابن لمن تعرفهم، قائلاً لك: " أبوك قال ليك أدينا شوال عيش"، قتقوم بمساعدته في رفع الجوال (هُبْ كُوبا كوبا)، ولا تُفاجأ بأنَّ الحمار هو أحد حميركم أو جحش حمارتكم. بعدها تسجل الأسماء، وعند الجرد، تجد أن ما يقارب عُشْرَ الشحنة ذهب هِبةً ومكرمة. فقد سار عرُفاً ألاَّ يُباع الذرة (العيش) لمحتاجيه، إنما يتمُّ شحن ما تبقى منه على لوري إبراهيم (أبو شعر)، ليباع لأهلنا الشلك وهم في ديارهم جنوب وداكونه شمال تُونجة على العدوة الغربية للنيل.
ونواصل