عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

"... وغَزَالٍ مُشاغِبٍ أَصْلَحَ الهِدْمَ، أَرَانِي في غَفْلَةِ النَّاسِ طَوْقاً، تَتصدَّى حَمامة كَشفتْ رأساً، وزَافت بصدرِها مُستطارا، شَلَّخُها حتى تُضِيءَ، فأَضْمَرتْ حَناناً لِأُمِّها واعتِذارا ..."
الشاعر الراحل، محمد المهدي المجذوب

وها هي اللحظاتُ بأيامها وأسابيعها وأشهرها وسنواتها وعقودها، تتسلَّلُ "متخفِّيةً" في تقلباتها البطيئة والسريعة، المريبة والصُّراح، الموحشة والأليفة، المحزنة والمسعدة، الشديدة والرخوة، الصلبة والناعمة، الرَّيَّانة والقَفْر، الموَتِّرة والمهدئة، المعدمة والثرية، حاقبةً في مسيرتها المدوزنة بين طلوعِ شمسٍ ومغيبها، بعضَ براعم وسبلات وبتلاَّت وسُوق وأفرع ووريقات أعمارنا، وقَدْراً كبيراً مما كُنَّا نحلم به ونتطلع إليه ونرجوه حالَّاً بيننا في تفاصيلنا الصغيرة، وآمالنا الكبيرة. ويظلُّ ما استقرَّ فينا وتوطَّن مُتصدِّياً حمامةً هَدَلَتْ حكمةً لازمتنا وأَلْزمَتْنا التماسك والعطاء، وهي تهدينا التَّمهُّل والتَّصبُّر، وعَصبَ الحياةِ الحَيَّ الفاعلَ في مُضيِّه منذ أن كانت الظُّلمةُ والضِّياءُ وشْماً على جِباه الخَلْقِ قد نُقِشَ تأبَّدَ واستقرَّ، لا يعادلهُ تخفيفاً لِبُهرتهِ ومضاضته سوى التَّشبثِ بالإنشادِ الحميم في جرأته الآسرة، أنْ: "هي النَّفسُ مَا حمَّلتها تَتَحمَّلُ، ولِلدهرِ أيَّامٌ تَجورُ وتَعْدِلُ ..." !.
بُعَيد مغيب الشمسِ قُبيلَ العِشاءِ، يرتع قطيعٌ من الغزلان البريئة على وادٍ خصيب رسم الطمي على سطحه أخاديد صغيرة وخطوطاً متشابكة تشي بالرواء، تكسوه الخضرة براعم رفيعات القوام والملمس من وريقات الناباتات الريانة بخريف العام الذي ولَّى، تاركاً الأرض وما عليها تنضح بكل ما يشبع ويروي، تلكم الغزلان تستطيع تبيُّنَ أيها التي لها جَدْيٌ يافع يلتقط العشب الطري مما بين قدمي أمِّه،وهي تتكفله بالرعاية والإرشاد، وكذا يتبين لنا في وضوح فحل الغزال متمرِّغاً في خيلائه، مضمراً روحاً هميما من الرعاية الأبوية المنسدلة على إناثه ونسله "المرتجى" بمملكته الخاصة. وعلى مقربةٍ من الوادي، تحتلُّ مياه خريف الأعوام الفائتة مساحةً ضخمةً تنمو على أطرافها نباتاتُ السافنَّا الغنية " مَرْبُوْعَة الطول وأكثر" تُحركها نسمات أول الليل المُلَطَّفَةُ ببخار سطح الماء البارد، والعَدَارُ ذلكم الكائن المنتسب لمملكة النبات، والذي يُعدُّ ابناً شرعيّاً للخريف، وهو من النباتات "الأليفة إن صحت التسمية" التي تنمو قريباً من المناطق المأهولة بالناس، على أطراف الحِيْشَانِ، والمزارع الصغيرة والحَواكِيْر والجَبَارِيْك، وكذا في الأماكن البعيدة مع حيوانات الغابة عند موارد مياه المطر والسيول وفي تلويحاته المُوَشْوِشةِ المتَثَنِّيةِ يَبِين ويَنتشى. لقد كانت المياه في حجم حوضها أصغر من البحيرة وأكبر من الرَّهَد، وقد عثرنا عليها "صدفة" ونحن في طريقنا نتجه شمال غرب مركز كدوك الواقع شمال ملكال جنوب قريتنا الحبيبة (وداكونه)، حاملين على ظهر شاحنة (الأوستن) ما تبقى من جوالات الذرة "الفيتريته" نعرضها على المشترين من سكان قرى الشلك ومضاربهم جنوب كاكا التجارية. إنها منطقة ضاجةٌ بالحياة في سريانها السلس الرتيب. بُنيّات الشلك في ضرام إيقاعات المعاش والفعل اليومي تسترن فتنةً وانبهارا، يَرِدنَ بُحيرتنا الرَّهد (بُوْمَان)، هذا هو وسمُها، حيث تقسمُ المسافة بين غرب كدوك على ضفاف النيل الأبيض، وتلودي جنوب شرق كردفان. تمنحهنَّ البراحات الطبيعية والإنسانية مساحات الروح البريئ، واللهو المرح، مؤتزرات ملاءات تزينت قزحيَّةً (لاوو) تُضفي على ما يلفهنَّ من مناخات تمجد الأرض ومن عليها وما عليها، سخاءً في الروح، وكرماً في النفس لا يقاس ولا يستتر، إكسيراً نُويَّاتُه التناغم والانسجام. وعلى جباههنَّ خضرة الغابة، و"خُدرة" الأرض وطينها الولود السمح، منتظماً عليها الوشم (الطاي) شلوخاً في استدارتها تحاكي منظومة نجيمات ترتصُّ أفقيا أعلى الأذنين مضمرةً حناناً لأمهاتهنَّ والجدات مضيئات درب الحياة الشلكية بفوانيس الأب الأكبر (نيكانق) المندلقة سحراً يلُفُّ القبيلة شيبها وشبابها، عربون انعتاق من رتابة الحياة وكسرا لدورتها المزحومة سَكناً بالفاقة وانتظار تجلِّي الحلم الكبير على هامات القطاطي وشجيرات الكتر واللالوب والعرديب والطلح والاندراب.
وعندما أحست الغزلان بوجودنا، ودبيب الأوستن وأنواره الكاشفة قد لفَّت القطيع وفضحته، رفعت رؤوسها مشرئبةً مستوعبةً ما يحيط بها من ضيوف غرباء عليها والمكان. تهامسنا، وشرع السائق ناصباً بندقيته في لهفة وطمع تفضحه عجلته وتوتره. صاح فيه الرجلُ المسن الكبير، لا، لا، لا، لا تُطلق الرصاص على الأنثى ، نَشِّن على الفحل، ذاك هو الفحل. فالناس "هناك" في ذلك الزمان والمكان تُعيب شاجبةً من يصطاد أنثى الغزال، وذلك يرجع لمكانة الأنثى المرموقة، وموقعها المحوري الأساس في الحياة بتفاصيلها وأبعادها الإنسانية والحيوانية كلها. والمعلوم أن الغزلان تنسب علمياً إلى الحيوان مملكةً، والثديات طائفةً، والبقريات فصيلةً، والظَّبائيات أسرةً. ومفردة غزال أصلها في اللغة العربية، انتقلت منها إلى اللغات الأوربية اللاتينية كالإنجليزية والفرنسية. وصغار الغزال يطلق عليها الرَّشا، أوالطَّلا، أوالعزّة، أوالشادن، أواليعفور. أما الأنثى فمن أسمائها، الظَّبية، والخَنساء، والمها، والخولة.
ونواصل