هذا المقال معاد وقد نشر بتاريخ 20/10/2010 وليت الناس كانوا يقرأون وقد جاء فيه إن كل الأسباب التي يتذرّع بها كلٌ من الجنوبيين الانفصاليين والشماليين الوحدويين ليدعم كلٌ منهم وجهته، لم تكن مقنعة وكلها قائمة على رمال متحركة وممسكة بحبال الوهم وسراب الآمال. فالجنوبيون مبررهم للانفصال أنهم مهمّشون ومواطنون درجة ثانية بالشمال وأنهم يريدون التحرُّر من الثقافة العربية الإسلامية، ويتهمون الشمال بأنه المتسبّب في كل ما عانوا ويعانون منه دون أن يكونوا صادقين مع أنفسهم ويُرجعوا الأسباب إلى مصدرها الرئيس، واكتفوا بأن وجّهوا التهمة للذي وجدوه في مسرح الجريمة!. فالكل يعلم أن تهميش الجنوب وتخلُّفه وزرع هذه الفتنة التي بدأ استيقاظها، سببه الاستعمار الإنجليزي الذي قفل تلك المناطق بالقانون لتبقى متخلّفة كما وجدها ووجد أهلها حُفاة عُراة وخرج وتركهم كما وجدهم، ليُحمّل الشماليين الوزر (كالتي رمتني بدائها وانسلت)! فالجنوبيون لم يسألوا أنفسهم ولو مرة لماذا لم يُنشئ الإنجليز جامعة في جوبا كما في الخرطوم؟ ولماذا لم يؤسسوا المدارس والمشاريع كمشروع الجزيرة؟ ولماذا لم يربطوا الجنوب مع بعضه ومع الشمال بالسكة حديد والطرق كما فعلوا بالشمال؟ حتى الكنائس كانوا شحيحين في إنشائها. فكل الذي تمّ من إنشاءات مع قلتها وموجودة حتى اليوم كان في فترة عبود ونميري وأخيراً الإنقاذ.
    فالإخوة الجنوبيون عليهم ألا يصادموا الحقائق التاريخية وهي أن كل ما حدث في الجنوب وإطلاق اسم المناطق المقفولة، هذا الاسم يكفيك عن الشرح والتفسير. فكل ما حدث فيها من بؤس وشقاء وتخلُّف، المسؤول الأول عنه هو الاستعمار. وكان عملاً ممنهجاً ومدروساً ليزرعوا الكراهية والحقد. أليسوا هم الذين جعلوا الجنوبيين والنوبة وجنوب النيل الأزرق يُستخدمون في أعمال مهينة مُذلة كأعمال الصحة وغيرها وذلك بحرمانهم من التعليم عنوة وإغلاقهم في حظيرة التخلُّف والوثنية مانعين كل ما من شأنه تبصيرهم وتحررهم من رق التخلُّف والجهل!. ولو فرضنا جدلاً أن الشماليين فعلوا ذلك بهم فكان الأجدر بالإنجليز وقد أتوا يحملون الحضارة الغربية أن يساعدوهم في التخلُّص من كل ما هو مُهين ومُذل. ولكن الذي حدث هو العكس فقد خرجوا من السودان وتركوهم على هذا الحال والحكومة السودانية هي التي ألغت تلك المهنة المذلة ونميري هو الذي فرض ارتداء الملابس. أما مسألة الرق فالمعروف في التاريخ من هم الذين مارسوا اكبر تجارة للرق في العالم وبرعاية الدولة وبالقانون الذي ألغيَ قبل 200 عام فقط.
    «إن أكرمكم عند الله أتقاكم». هذه الكلمات التي لم ينص عليها كتاب مُقدّس من قبل ولا ميثاق ولا دستور ولا قانون ولم يقلها فيلسوف فقد قالها القرآن،أما الحديث عن العرب إذا اعتبرنا الشماليين عربا، فإن العرب لم يأتوا ليسترقّوا الناس ويرجعوا إلى ديارهم حاملين معهم العبيد، بل أتوا أصحاب رسالة ودين وظلوا موجودين وقد تصاهروا مع القبائل الإفريقية وكوّنوا السودان الذي نراه، فأين هم الإنجليز من السودان وجنوب إفريقيا وغيرها من البلاد؟ هل فعلوا نفس الشيء الذي فعله العرب في السودان من تمازج وانصهار، أم أوقفوا ذلك ألا يتم بالقانون؟!.
    الاستعمار فعل كل ذلك بكامل وعيه وقواه العقلية حتى يأتي اليوم الذي يتحدث الناس فيه عن مواطن درجة أولى ودرجة ثانية محملين الشماليين المسؤولية مع أنه كان بإمكانهم أن يجعلوا كل السودانيين درجة أولى في أطول فترة حكم استمر أكثر من خمسين عاماً تساوي مجمل الفترة التي حكمها السودانيون منذ الاستقلال فكان حكمهم أكثر استقراراً وهيمنة على كل السودان مقارنة مع الحكم الوطني الذي عاش فترات من التجاذب ما بين الحكم العسكري والمدني مع وجود مشكلة الجنوب ولنذكر أن حرب الجنوب بدأت قبل خروج الإنجليز مما يدل أنهم مهمّشون قبل الاستقلال، فبأي منطق نحمّل الشمال الوزر وهو لم يستقل بعد؟!.
    وعلى الإخوة في الجنوب أن يعترفوا بهذه الحقائق إن لم يكن صراحة فعليهم أن يستصحبوها معهم في تعاملهم مع الشماليين حتى تتوفر الثقة في الوصول لاتفاق في المسائل العالقة، وعليهم ألا يغالطوا أنفسهم فإنهم ليسوا جاهزين ولا على استعداد لإقامة دولة ذات سيادة بعد الأشهر المتبقية، وليتذكروا أن السودان الذي استقل منذ أكثر من خمسين عاماً لم يسعد بحكومة مثالية نالت اجماع كل السودانيين حتى اليوم، فالتعقُّل مطلوب والتعجيل غير مرغوب ما دام حق تقرير المصير أصبح حقاً قانونياً لا أحد يستطيع نزعه أو إنكاره. أما الشماليون أنصار الوحدة فإنهم لم يعملوا أي عمل يُذكر يصب في صالح الوحدة وعلى مر الحكومات المتعاقبة كان التفكير أن تفرض الوحدة بالسلاح والحرب وقد ثبت أنه لا الحرب قادرة على ترسيخ الوحدة ولا الاتفاقات التي تعقبها، إنما هي مسكنات وهدنة،الإنجليز عندما قفلوا تلك المناطق حتى لا تتم الوحدة ومنعوا أي تواصل بين الشمال والجنوب، فالحكومات لم تُدرك الهدف من وراء قانون المناطق المقفولة والذي كان بمثابة (شجرة الزقوم) زُرعت لتُثمر التناحر والكراهية وآخر الثمر يكون الانفصال! والإنجليز لم يقصدوا بذلك القانون الإبقاء على ثروات الجنوب الظاهرة والباطنة مخزوناً إستراتيجياً لهم ولأجيالهم لكنهم قصدوا أن يظل إنسان تلك المناطق غارقاً في جهله وتخلُّفه، وذلك لا يتم إلا إذا منعوا منه التعليم والثقافة،وليكون ذلك تمهيداً لمخططات لاحقة، ومنها إضعاف السودان الشمالي المسلم وآخرها الانفصال.
    فكان الواجب أن يكون رد الفعل الطبيعي لتلك الحكومات المتعاقبة أن تفتح تلك المناطق كما قفلوها وتُقيم المشاريع الاستثمارية وتشجّع على التواصل والتصاهر وتماذج الثقافات وذلك بربط تلك المناطق بالمواصلات والطرق وفتح الطريق أمام المد الإسلامي، لكن الحكومات لم تفعل ذلك ولم يكن هناك عمل واضح في مجال الدعوة حتى أطلت نيفاشا ونفشت كل شيء، الغريب في الأمر أن كل الذين يتحدثون عن الوحدة على مر الحكومات المتعاقبة ويتخوّفون من الانفصال، لم يخفوا توجسهم أنهم بفقدهم الجنوب سيفقدون البترول والثروات الطبيعية ولم يتذكر أحد أو يذكر أنهم بفقدهم الجنوب سيفقدون جسراً مهماً تعبر من خلاله الدعوة إلى الله إلى عمق إفريقيا، ولو تذكروا ذلك أو ذكروه لكان الحال غير ما هو عليه الآن، ولكن في نظرنا الذي يقرِّب وجهات النظر ويُعيد الثقة أن يعترف الجانبان بأخطائهم وتقصير كل منهم نحو الآخر وذلك أن يعترف الشماليون أنهم لم يعملوا للوحدة الراسخة في الوجدان بالثقافة والدين والمثبتة على الأرض بالخدمات والتواصل،فإذا اعترف الوحدويون بذلك واعترف الانفصاليون أن ليس كل ما حدث في الجنوب سببه الشماليون وأنهم أي الجنوبيين ليسوا على استعداد على إقامة دولة تمشي على رجلين في هذه العجالة إذا فعلوا ذلك لكان عاقبة أمرهم النجاح. وإذا لم يتم هذا الاعتراف وحدث الانفصال يكون الشمال قد خسر الجنوب الجسر المهم، والجنوبيون يكونون قد استبدلوا الشماليين بمن هو أسوأ وأشد مكراً ودهاءً وهو الغرب الذي لا يعرف إلا مصالحه التي تسقط تحت أقدامها الأرواح والمبادئ والأخلاق،فكم من عميل أُغتيل، وكم من حكومات أسقطوها بعد أن استنفدوا أغراضهم وقضوا أوطارهم وما مقتل جون قرنق ببعيد فعلى الإخوة الجنوبيين ألا يكونوا كالمستجير من الحر بالرمضاء، فليعطي الطرفان الجنوبي والشمالي لأنفسهم فرصة للتفكير وليعطوا الفكرة زمنا للنضج ولا أظن أن هناك جهة على عجلة من أمرها لإجراء الاستفتاء في موعده غير أمريكا."انتهى المقال".
    تعقيب:-
    سؤالنا للاخوة الجنوبيين بعد ان عاشوا الانفصال وظروفه ما هو دور الذين كانوا يصرون على الانفصال في تنمية الجنوب واستقراره والدولة على حافة الانهيار ويهددها الجوع اين هم؟
    وسؤالنا الثاني هل الى الوحدة من سبيل بعد الذي حدث ومعايشة الطرفين لتجربة الانفصال وبعد ان فتحت الحدود بين الشمال والجنوب؟
    Email:ahmedtijany@hotmail.