عاش السودان حالة مخاض وحركة دائبة قبل الاستقلال برعاية نخبة من الوطنيين باذلين كل غالي ومرتخص في سبيل الاستقلال وقد كان لهم ذلك فولد السودان الحر المستقل يناير1956 فكانت اول حكومة سودانية برئاسة السيد اسماعيل الازهري فجاءت حكومة مبرأة  من كل عيب ليس لها جهة ولا قبلة الا قبلة الصلاة ولا قبيلة الا انتمائهم لهذا  السودان لكن لم تستمر طويلا بسبب الخلافات الحزبية والتي بسببها انتقل الحكم للعسكر فكانت حكومة عبود فظل الوضع فيها مستقرا في كل مناحيه ومنسابا  في كل مؤسسات الدولة كان العمل يتم بتفاني واخلاص وتجويد في الاداء الى جانب التنمية فكانت الخدمة المدنية في أبهى صورها مما جعلها يضرب بها المثل في  الانضباط في كل شئ والجد في كل مكان ,كان التعليم ومناهجه اقوى المناهج وشهادة جامعة الخرطوم معتمدة في كل الجامعات العالمية بل تقدم عليها .كانت السكة الحديد تتمتع بأحسن نظام اداري في افريقيا والشرق الاوسط وقطارات الركاب تضبط عليها ساعتك والجيش السوداني كان من اقوى الجيوش في افريقيا ولا تنسى الاقتصاد كان الجنيه السوداني اقوى من الدولار والجنيه الاسترليني والصادرات السودانية كانت مرغوبة ومطلوبة وعلى رأسها القطن والصمغ والحبوب الزيتية كل هذا العمل كان يديره سودانيون وبهذه الجودة والاتقان والحقيقة التي لا تنكر ان نسبة كبيرة من هؤلاء كانوا من المديرية الشمالية لا لأنهم أرادوا ذلك ولكن بسبب انهم اول من نال نصيبه الاكبر من التعليم لظروف محلية وجغرافية جعلت الشمال بوابة الفتوحات الاسلامية والحملات الاستعمارية وقربه من مصر وكثير من مشايخ التصوف والعلماء ترجع اصولهم الى هناك فظلوا هم  المسيطرين على الوظائف العسكرية والمدنية والدينية وكذلك التجارة لكن لم يعرف عنهم تصرف واضح مرتب له ومتفق عليه يمنع بقية السودانيين من اعتلاء المناصب وهذا يؤكده ان اول رئيس وزراء هو اسماعيل الازهري  حفيد الشيخ اسماعيل الولي بكردفان كما كان احمد بخاري وزيرا للصحة واخوه محمود بخاري مدير عام البوليس وصلاح بخاري سفيرا بلندن واحمد وادي مدير عام السجون من كردفان والمشير سوار الدهب والفريق عبد الماجد وصل الى نائب رئيس الجمهورية وقد عرض عليه قادة الجيش ان يتسلم السلطة في أواخر عهد النميري فرفض وهناك من مناطق السودان الاخرى الذين شاركوا في السلطة ولم تسعفني الذاكرة لاذكرهم هكذا كان السودان ونظامه الاداري ونسيجه الاجتماعي "لا طق ولا شق". هكذا هو الحال حتى ظهرت الاحزاب مرة اخرى ولنفس الاسباب المذكورة سالفا اتت حكومة مايو برئاسة النميري والتي بدأ معها السوء والتردي والتراجع في كل شئ لا لأن النميري جهوي او قبلي لكن بسبب الافكار الاشتراكية التي اتت بها الثورة والتي دفعت الحكومة ان تغير كل النظم والقوانيين واللوائح في كل المؤسسات فغيرت مناهج التعليم والتفتت الى التجارة فصادرت واممت فانهار الاقتصاد وبدأ الجنيه في التدهور وفقد كثير من المحاصيل اسواقه بسبب السياسات التسويقية والتسعيرية الفاشلة وتدخل الحكومة في البيع والشراء وتأسيس الشركات العامة هذا الخطأ الذي لا زال يتكرر حتى اليوم وبسببه افلست شركة الحبوب الزيتية وانهارت شركة الصمغ وفشل القطن ومشروعه  هكذا بدأ الحال في التدهور ومما زاد الحال سوءا ظهور فكرة الحكم الاقليمي والتي بدأها النميري والتي جرت معها كل المصائب فالفكرة لم تكن سيئة في حد ذاتها ولكن كان السوء في فهمها وتطبيقها فالفهم الخاطئ كان ان يحكم الولاية ابناء الولاية والصحيح ان يعطى الحكم الاقليمي قدر من الاستقلالية عن المركز تسهل تحركه وبقوانين محددة يطبقها من يطبقها من اكفاء السودانيين بصرف النظر عن جهته وقبيلته وكان نتاج هذا الفهم الخاطئ للحكم الاقليمي بان شاعت القبلية وتفشت الجهوية مما اصبح يهدد النسيج الاجتماعي كما قال احد الحكماء ان القبلية  كالبصلة بمجرد ما بدأت في تقشيرها وكانت متماسكة سوف تظل تقشر الى حين لا بصلة وقد حالت دون اهل دارفور ان يصلوا الى اتفاق جامع لاجل دارفور حتى هذه اللحظة.

ثم اتت حكومة الانقاذ والتي اشركت معها عدد لا بأس به في السلطة وكان لدارفور النصيب الاكبر في حكومة الانقاذ في بدايتها فوسعت الحكم الفدرالي ووطدت للحكم الاهلي والقبلي حتى صار لكل قبيلة ولاية ولكل "خشم بيت محلية" خاصة في دارفور تحقيقا لشعار تقاسم السلطة لكنه انعكس سلبا على هيبة الدولة وهيمنتها على البلاد مما جعل بعض القبائل تعترض المشاريع القومية وظهرت بعض الصدامات بين الولايات بسبب الحدود والمرعى فأصبحت لا ولاية للمركز على الولايات ولا ولاية للولاية على المعتمديات ولا ولاية للجميع على القبائل والجماعات فصار بديهيا ان الشرطة او الوالي او المعتمد يعترضوا  في اداء عملهم والقبلية لم تقف عند الاقاليم لكنها زحفت نحو العاصمة وهذا يصدقه ما حدث بين الهواووير والجموعية والذين كنا نظنهم اقرب الى الحضارة والمدنية وابعد من هذه الجاهلييات فعلى السودانيين ان يتنادوا لانقاذ البلاد من السقوط في هذه  الهوة التي تقودهم اليها الجهوية والقبلية والتي وضح انها قصيرة النفس هزيلة العوائد بئيسة النتائج ممزقة مفرقة مميتة نتنة وفي الحديث الشريف :"دعوها فانها نتنة وليس منا من دعا الي عصبية" وهذا التناد قسوف يكون له اثره لو اتى بمبادرة من السيد الرئيس يتناولها ويتطرق اليها في كل خطاباته ولقاءاته الخآصة والعامة وتوجيه المسئولين في الدولة من وولاة ووزراء ودستوريين ومعتمدين ان يكون من اهتماماتهم علاج هذه المحنة وتوجيه اجهزة الاعلام الخآصة والعامة للتصدي لهذه الظاهرة وحذف كلمة القبيلة من كل الارانيك والمستندات الرسمية وتسمية امراء القبائل بامراء المناطق مع الاحتفاظ بالحقوق والصلاحيات والحدود الجغرافية للقبيلة واذا كان لابد من الابقاء  علي الحكم الفدرالي فليس من الضروري ان من يدير تلك الولايات ان يكون من نفس الولاية حتى نقفل الباب امام القبليات والجهويات لان ما يهم المواطن ان يجد ما يحتاجه من خدمات وليس من همومه ان يحكم ابناؤه وهذا لا يلغي المطالبة بالاشراك في السلطة الذي لابد ان يكون مستصحبا شرطي الكفاءة والخبرة والاداء قبل الولاء

ادركوا السودان يا اولي الالباب قبل فوات الاوان ..........   
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.